كتب ناصر المحيسن - الكويت في الأحد 11 يناير 2026 09:40 صباحاً - تمر دولة الكويت اليوم بأزمات عمرانية متعدّدة، غالباً ما تُفسر من خلال التوسع العمراني، أو هيمنة السيارة، أو التحولات الاقتصادية التي رافقت مرحلة ما بعد النفط.
غير أنّ هذه التفسيرات، على أهميتها، تبقى جزئية ما لم يُنظر إلى تحوّل أعمق طال بنية السكن نفسها، ويتمثل في اختفاء الفناء الداخلي بوصفه عنصراً كان ينظم البيت والمدينة معاً. فالفناء لم يكن تفصيلاً معمارياً ثانوياً، بل أداة عمرانية أساسية أسهمت في تماسك النسيج الحضري، وتنظيم فراغاته، وتحسين أدائه البيئي.


في البيت الكويتي التقليدي، شكّل الفناء القلب الذي تتكوّن حوله الكتل، وتُضبط من خلاله الحركة، والتهوية، والإضاءة. ومن هذا الداخل المنظم كان البناء يتشكل تدريجياً نحو الخارج، ما أفرز بيوتاً متلاصقة ونسيجاً عمرانياً متماسكاً.
بهذا المعنى، لم تكن المدينة كياناً منفصلاً عن السكن، بل امتداداً مباشراً لمنطقه الفراغي، حيث انعكست بنية البيت على شكل الشارع والحي.
مع التخطيط الحديث، اختفى الفناء وتغيّر هذا المنطق جذرياً. أصبح البيت يُصمَّم بوصفه جسماً مستقلاً في قطعة الأرض، تحيط به ارتدادات جانبية لا تؤدي دوراً واضحاً في تنظيم العمران.
هذا التحوّل لم يؤد إلى فقدان فراغ داخلي فحسب، بل أعاد صياغة العلاقة بين المبنى ومحيطه، فأصبح السكن منفصلاً عن الشارع والحي، وظهرت فراغات خارجية لا تسهم في تشكيل بيئة عمرانية نشطة أو مترابطة.
ويزداد أثر هذا التحوّل وضوحاً عند النظر إلى طبيعة المباني في دولة الكويت. فالعمران لا يتكوّن أساساً من المعالم أو المباني الأيقونية، بل من عدد كبير من المباني السكنية، أي ما يُعرف في الأدبيات العمرانية بـ background buildings، في مقابل foreground buildings.
هذه المباني المتكرّرة هي التي تصنع النسيج الحضري اليومي وتحدّد مقياسه وأداءه، في حين يبقى تأثير المباني الاستثنائية محدوداً ولا يكفي لمعالجة خللٍ بنيوي في النسيج العمراني.
ولأن الفناء الداخلي كان عنصراً متكرراً في هذا النوع من العمارة النسيجية، فإن اختفاءه لم يقتصر أثره على بيوت فردية، بل مسّ بنية المدينة في أساسها.
فقدت هذه العمارة النظام الفراغي الذي كان ينظّمها من الداخل ويمنحها التماسك، فتحوّل الخلل من . تصميمية إلى أزمة حضرية واسعة.
أدى غياب الفناء أيضاً إلى فقدان نظام التدرج المكاني الذي كان ينظم الانتقال من الخاص إلى العام. ففي البيت التقليدي، لم يكن هذا الانتقال مباشراً ، بل يمر عبر فضاءات وسيطة تضبط الحركة وتؤطر العلاقة بين السكن والحي. أمّا في البيت الحديث، فقد أصبح الانتقال فجائياً من الداخل المغلق إلى الشارع المفتوح، دون مساحات انتقالية.
هذا الانقطاع لم يؤثر على تجربة السكن وحدها، بل أسهم في إنتاج أحياء تفتقر إلى العمق المكاني وتعتمد على الحركة الآلية بدل الحركة الإنسانية.
ومن الناحية البيئية، أدّى الفناء دوراً مناخياً محورياً، إذ عمل كوسيط طبيعي للتهوية وتنظيم الضوء وتخفيف الحرارة، ما أتاح للبيت أداءً أكثر كفاءة دون اعتماد كامل على الأنظمة الميكانيكية.
ومع اختفاء الفناء، انتقلت هذه الوظائف إلى حلول صناعية، وازدادت الحاجة إلى العزل والتكييف، ليس داخل المبنى فحسب بل على مستوى المدينة ككل. وبهذا، لم يعد اختفاء الفناء مسألة تصميم منزل واحد، بل عاملاً مضاعفاً لاستهلاك الطاقة ومؤشراً على هشاشة الأداء البيئي الحضري.
كما أسهم اختفاء الفناء في تغير منطق الكثافة العمرانية. فبدل النسيج المتراص الذي أتاح استخدام الأرض بكفاءة، أنتج التخطيط الحديث نمطاً قائماً على وحدات منفصلة تتطلب شبكات أطول من الطرق والبنية التحتية والخدمات ولم يكن هذا التحوّل نتيجة النمو السكاني وحده، بل نتيجة مباشرة لتحوّل البيت من نظام داخلي متكامل إلى كيان منفصل يفرض مسافات أكبر بين المباني ويُضعف ترابط المدينة.
ويمكن إدراك أثر هذا المنطق عند مقارنته بمدن حافظت عمارتها اليومية على دورها في تشكيل النسيج الحضري. ففي مدينة مثل برشلونة، لا تكمن قوة المدينة في معالمها وحدها، بل في عمارتها السكنية المتكرّرة، حيث تلعب الأفنية الداخلية دوراً أساسياً في تنظيم الضوء والهواء والحركة داخل الكتل العمرانية.
هناك، تُعامل العمارة اليومية بوصفها أساس المدينة، ما يجعل الأداء الحضري نتيجة تراكم مدروس لعناصر متكرّرة متقنة، لا استثناءات معزولة.
إن كثيراً من المشكلات التي تواجه دولة الكويت اليوم، من ضعف قابلية المشي إلى تشفّي الأحياء والاعتماد المفرط على السيارة والطاقة، لا يمكن فصلها عن هذا التحول الجذري في بنية السكن. فاختفاء الفناء لم يكن تغييراً شكلياً، بل لحظة مفصلية أعيد فيها تعريف العلاقة بين البيت والمدينة، وأضعف فيها الأساس الذي قامت عليه العمارة النسيجية.
إن إعادة التفكير في مستقبل مدينة الكويت لا تعني استنساخ البيت التقليدي، ولا الدعوة إلى العودة الحرفية إلى الماضي، بل تعني الاعتراف بأن الفناء كان أداة عمرانية ذكية، تنظم الفراغ، وتبني المدينة من الداخل إلى الخارج. ومن دون استعادة هذا المنطق ولو بصيغ معاصرة ستبقى محاولات معالجة أزمات المدينة سطحية، لأنها تتعامل مع النتائج، لا مع الجذر الذي أنتجها.
* كلية العمارة - جامعة الكويت
