«إتاوات» عمال المناولة... الظاهرة تتخطّى التعاونيات!

كتب ناصر المحيسن - الكويت في الأحد 30 نوفمبر 2025 06:40 صباحاً - بعد بيان النيابة العامة، الأسبوع الماضي، في شأن التحقيق بفرض شركات عمال المناولة «إتاوات» على العمال في الجمعيات التعاونية، واستماعها إلى 115 عاملاً من المجني عليهم، واستجواب 48 متهماً في 9 قضايا، حاولت «الراي» سبر غور الموضوع، وتناوله مع المعنيين بالقضية من مسؤولين وتعاونيين وجمعيات نفع عام ووجهة نظر القانون.

Advertisements

البداية كانت بتقصي واقع القضية ميدانياً، حيث أوضحت مصادر «تعاونية» مطلعة لـ «الراي» أن «عمال شركات المناولة مقسمون إلى فئات عدة، فئة تعمل بالنظافة أو بالمخازن، وأخرى في ترتيب البضائع والأرفف، وثالثة تقوم بالمناولة خلف الكاشير، وهي المنصب العمالي (الأعلى درجة) والأكثر طلباً من العمال، حيث إنها نقطة التقاء العامل بالزبون، للحصول على (البقشيش) بعد توصيله عربة التسوق إلى سيارة الزبون، وهذا البقشيش يختلف حسب ذوق ومقدرة الزبون المالية، وبالتالي يختلف مبلغ الإتاوة اليومية المتحصلة من العامل».

وبينت المصادر أن «العامل يتحصل من وراء عربة التسوق على مبلغ غير ثابت، بحسب الزبائن وعددهم والمواسم، لكنها غالباً تكون بين 5 و10 دنانير يومياً، وبعضهم يُلزم بالمخالفة للقانون بدفع إتاوة يومية، ويكون دوام العامل في أغلب هذه العقود لنحو 12 ساعة عمل». وأشارت إلى أن «بعض الشركات تجلب العمال وتطلب منهم إتاوات بتوريد مبلغ يومي يتراوح بين 3 و7 دنانير، بحسب قوة موقع الجمعية وعدد الزبائن وسخائهم، وأحياناً تكون الإتاوة لصالح المشرف على العمال، من دون علم الشركة كلياً أو بعلمها جزئياً، بحيث تتورط فيها أطراف دون أخرى في الشركة».

وقالت إن «الأمر لا يقتصر فقط على عمال مناولة الجمعيات، بل يمتد إلى بعض الأسواق المركزية الموازية، وأنشطة تجارية أخرى، وغيرها من الأماكن التي يكون فيها احتكاك مباشر مع الزبائن».

«الشؤون»: الموضوع خارج اختصاصنا

• سيد عيسى: «القوى العاملة» معنية بالأمر

«الراي» توجهت إلى مسؤولي وزارة الشؤون الاجتماعية، فأكدوا أن القضية ليست من اختصاص الوزارة، حيث قال وكيل الوزارة المساعد للشؤون المالية والإدارية والتعاون بالتكليف الدكتور سيد عيسى محمود، أن «أي تجاوز من شركات عمال المناولة المتعاقدة مع الجمعيات التعاونية، هو من اختصاص هيئة القوى العاملة»، مشيراً إلى إن «التجاوزات سواء بفرض إتاوات يومية من الشركة على العمال، أو ما يتعلق بعملهم ورواتبهم، أمر يخضع لقانون العمل 6/ 2010 وهيئة القوى العاملة معنية بتنفيذه».

من جهته، نفى مدير إدارة الرقابة والتفتيش التعاوني في الوزارة ناصر مرزوق لـ «الراي» تلقي أي شكاوى من هذا النوع المتعلق بفرض إتاوات على العمال، مؤكداً أن «هذا الأمر من اختصاص وزارة الداخلية، لأنها ممارسات ليست جديدة، كما أن وزارة الشؤون ليست معنية بكل ما يتعلق بعقود التعاونيات مع الشركات المختلفة إلا فيما يخضع لسلطتها».

وتساءل مرزوق عن «مدى قانونية وضع عمال المناولة، وما إذا كانوا على كفالة الشركات المتعاقد معها من عدمه، وإن كانت الشركة قائمة فعلياً، لأن الإجابة عن هذا التساؤل ستكشف الكثير من الحقائق المخفية».

تعاونيون: لا نسمح بها حفاظاً على سمعة الجمعيات

فهد الكشتي: بعض مشرفي العمال يفرض «إتاوة» دون علم الشركة نفسها

معاذ اليحيا: نتدخل فوراً إن تلقينا أي شكوى من العمال

محمد الكندري: نوقف صرف شيكات الشركة فوراً إذا وجدنا مشكلة

رفض عدد من رؤساء مجالس إدارات الجمعيات التعاونية هذه الظاهرة مشددين على أنهم يتخذون الإجراءات الفورية في حال حدث أي تجاوز أو استغلال، حفاظاً على سمعة الجمعيات ومنعاً لاستغلال العمال.

وكشف رئيس جمعية القيروان التعاونية فهد الكشتي، عن قيام مسؤولين في جهات رسمية معنية بزيارة الجمعيات التعاونية خلال الفترة الماضية، للتحري عن موضوع فرض «الاتاوات» على عمال المناولة من جهة عملهم أو من بعض المشرفين في شركاتهم.

ووصف الكشتي من يقوم بجمع هذه المبالغ من عمال رواتبهم معروفة بأنها صغيرة، بأنهم أناس وضيعون، لافتا الى انه بحسب ما نسمع أن هناك بعض الشركات التي تفرض على العمال سقفاً معيناً من هذه الإتاوة يومياً سواء من الشركات أو من المشرفين المعينين عليهم.

تدخل فوري

من جهته، أكد رئيس جمعية مشرف التعاونية معاذ اليحيا، أن «عمال المناولة إخوة لنا إما بالدين أو الإنسانية، وقانون العمل ألزم الشركات الخاصة بتوريد عمال المناولة بواجبات وحقوق، ولا نقبل التلاعب بحقوقهم باستغلال ضعفهم وحاجتهم، والرجوع إلى زمن العبودية».

وقال اليحيا، «لدينا حالياً عقد مع شركة مناولة منذ فترة، وعدد العمالة في العقد أكثر من 50 عاملاً في مختلف أنشطة الجمعية وفق العقد الذي قارب على الانتهاء وخاطبت بدوري وزارة الشؤون منذ شهرين، لتجهيز مناقصة جديدة بمجرد انتهاء العقد مع الشركة الحالية».

ونفى أن يكون هناك أي مشكلة تتعلق بابتزاز عمال المناولة في جمعية مشرف، على غرار القضية التي تحقق فيها النيابة العامة حالياً، قائلاً «لم يصل الى علمي أو علم بقية أعضاء مجلس الإدارة أي استغلال للعمال، لكن إن حدث وتلقينا شكوى مكتوبة أو جماعية منهم، نتدخل فوراً، لأن ذلك سيؤثر سلباً على خدمة الزبائن وسمعة وعمل الجمعية».

إجراءات

من جانبه، أكد رئيس جمعية الروضة وحولي التعاونية محمد الكندري، أن «القضية المنظورة في النيابة بابتزاز عمال المناولة، أمر مؤسف يبين تخاذل الشركات، وكل من يثبت تورطه يجب أن يحاسب لأن رواتب هؤلاء العمال صغيرة، لكنها كبيرة بالنسبة لهم».

وأوضح الكندري أن «الجمعية متعاقدة مع شركة لتوريد 140 عاملاً، ويشمل العقد عمال مناولة ونظافة في كل فروع الجمعية، ولم نواجه مشكلة تذكر في هذا الشأن».

وقال «في حال حدوث مشكلة بين العمال والشركة، نوقف صرف شيكات الشركة، ونخاطب الشؤون التي تخاطبهم بدورها، وإن لم يحل الموضوع يتم اللجوء للقضاء من قبل الجمعية وأيضاً من قبل الوزارة»، كاشفاً عن «صرف مبلغ 40 ألف دينار شهرياً لشركة المتعاقد معها، بواقع 120 ديناراً عن العامل وفق عقد ترسية المناقصة، أما راتب العامل الذي يتحصل عليه من الشركة فهو بالتأكيد أقل من ذلك ويتراوح بين 80 الى 90 ديناراً، وهو شأن خاص بالشركة لا بالجمعية».

«المقومات»: القانون لا يسمح للشركات بتحصيل أي مبالغ من العمال

اعتبر رئيس جمعية المقومات الأساسية لحقوق الانسان الدكتور يوسف الصقر، أن «تحصيل أي مبالغ مالية من عمال شركات عمال المناولة، هو نوع من أنواع السخرة، والاتجار في البشر، ولا يوجد في القانون الكويتي ما يسمح للشركات بتحصيل أي مبالغ من العمال».

وقال الصقر، إن «قانون العمل 6 / 2010 لا ينص على ذلك صراحة، ولا يوجد عقد يشمل هذا الأمر، وإن وجد فهو يخالف القانون والاتفاقيات الدولية، والشريعة، ومآله البطلان، ولا تنطبق عليه قاعدة العقد شريعة المتعاقدين». وأضاف أن «العمال في الجمعيات والمستشفيات والبلدية وغيرها، يحصلون على رواتبهم من شركاتهم المتعاقدة مع هذه الجهات، وهذا الأصل أنه أجر مقابل عمل، أما أخذ أي مال منهم بغير وجه حق، فهذا يعاقب عليه القانون».

وتابع أن «أغلب الشكاوى التي ترد لجمعية مقومات حقوق الإنسان كانت تنحصر في تأخر الرواتب لعمال لنحو 3 أشهرمن قبل بعض الجهات فخطبناهم كجمعية، وحينما كنت في ديوان حقوق الانسان خاطبهم أيضاً الديوان».

وأوضح الصقر، أن«الجمعية تقدم تقريرها السنوي المحلي عن الاتجار في البشر يوم 12 ديسمبر من كل عام، كما تقدم تقارير الظل عن موضوعات عدة للأمم المتحدة في موضوعات ذات صلة. وإذا جاءتنا شكوى بخصوص ابتزاز العمال وتحصيل أموال منهم، فإن دورنا هو التوجيه القانوني للمشتكي، كما أننا نتحرك مباشرة ونخاطب شركاتهم لتوضيح هذا الخطأ، وإن لم يستجيبوا فإننا نخاطب هيئة القوى العاملة للتدخل لأن موظفي الهيئة لديهم ضبطية قضائية».

رأي قانوني: الظاهرة تندرج تحت جرائم الاتجار بالبشر وغسل الأموال

أكدت المحامية شهد بوقماشة أن «تحصيل أي أموال من عمال شركات المناولة بغير حق، يندرج تحت جرائم الاتجار في البشر وغسل الأموال، عبر أسلوب الاستغلال والتهديد، وهي سلوكيات خطيرة يعتبرها القانون من أخطر الجرائم الواقعة على الكرامة الإنسانية والأمن الاقتصادي».

وقالت بوقماشة: إن «القانون 91 / 2013 في شأن مكافحة الاتجار بالأشخاص وتهريب المهاجرين، ينص على تجريم كل استغلال يقوم على التهديد أو الإكراه أو إساءة استخدام الوظيفة أو استغلال الضعف، وتصل الأحكام فيها إلى السجن 15 سنة، وقد تصل إلى المؤبد إذا اقترنت الجريمة بأحد الظروف التي عددها القانون، وهي 7 حالات، أهمها إذا كانت داخل إطار منظم عن طريق عدة أشخاص، وكذلك في حاله وجود عدة ضحايا، كما يجرم قانون مكافحة غسل الأموال 106 / 2013 تحصيل أو تحويل أو إخفاء لأموال ناتجة عن نشاط غير مشروع، ويعاقب مرتكبيه بالسجن الذي يصل إلى 20 سنة والغرامات والمصادرة».

وأشادت بجهود النيابة العامة في متابعة هذا النوع من القضايا «في رسالة واضحة بأن الكويت لا تتسامح مع أي ممارسات تمس إنسانية العامل، أو تستهدف المال العام أو الخاص بطرق غير مشروعة، وأن يد العدالة ستصل إلى كل من يعبث بالأمن الاجتماعي والاقتصادي للبلاد».

أخبار متعلقة :