كتب ناصر المحيسن - الكويت في الاثنين 16 مارس 2026 06:59 مساءً - ألغت محكمة الاستئناف، برئاسة المستشار سعود يوسف الصانع، حكم محكمة أول درجة، القاضي ببراءة النائب السابق محمد المطير، وقررت حبسه سنتين مع الشغل، على ذمة القضية المتهم فيها بالإساءة للذات الأميرية والقضاء، فيما قضت بمعاقبة المتهم الثاني بالحبس لمدة سنة مع الشغل وتغريمه 2000 دينار.
وكانت النيابة قد وجهت للمطير عدة تهم، من بينها أنه «تطاول علناً على مسند الإمارة (عن طريق القول) بعبارات في ندوة سياسية، ونشرت في مواقع التواصل الاجتماعي، وأخلّ بالاحترام الواجب لقضاة المحكمة الدستورية، وأعضاء السلطة القضائية، على نحو يشكك بنزاهتهم واهتمامهم بعملهم والتزامهم بتطبيق أحكام القانون، واشترك عن طريق المساعدة في نشر ما من شأنه التعرض لشخص أمير البلاد بالنقد، واشترك عن طريق المساعدة في نشر ما من شأنه إهانة أعضاء السلطة القضائية بما يعد مساساً بنزاهتهم وحيادتهم».
حرية الرأي
وأشار منطوق الحكم إلى البلاغ المقدم ضد المطير بـ«الإساءة للذات الأميرية، وأعضاء السلطة القضائية، ورئيس وأعضاء المحكمة الدستورية، في ندوة بعنوان (الإصلاح بين الشعار والواقع) في ديوان عضو مجلس الأمة السابق مبارك هيف الحجرف الواقع بمنطقة الجهراء، وقد شارك في هذه الندوة مجموعة من أعضاء مجلس الأمة السابقين».
وحول التكييف القانوني للحكم الصادر، ذكر منطوق الحكم أنه «حيث إنه عن التهمة الأولى المسندة إلى المتهم الأول، وهي جريمة التطاول علناً على مسند الإمارة، فإن المواد 51 و52 و54 من الدستور، قد نصت على أن السلطة التشريعية يتولاها الأمير ومجلس الأمة وفقاً للدستور، والسلطة التنفيذية يتولاها الأمير ومجلس الوزراء والوزراء، على النحو المبين بالدستور، والأمير رئيس الدولة، وذاته مصونة لا تمس، وكان من المقرر في قضاء المحكمة الدستورية أن لكل فرد حرية الرأي والتعبير، ولا عقاب على التفكير وتكوين الرأي، وإنما العقاب على إعلان الرأي المخالف للقانون، والجهر به بأي طريقة من طرق العلانية التي سردها نص هذه المادة 25 من القانون رقم 31 لسنة 1970، بتعديل بعض أحكام قانون الجزاء - على سبيل البيان، ولا وجه للاعتصام بأن حرية الرأي مكفولة طبقاً للمادة 36 من الدستور، إذ إن حرية الرأي تختلف عن باقي الحريات في أثرها ليس قاصراً على الفرد، وأن بعضها يرمي إلى تأثير الفرد في غيره، لذلك جانب تنظيمها أمراً مباحاً، لما تؤديه إلى الفتنة والفوضى واضطراب الأمن وتفتيت السلطة إذا هي قامت على وجهها المطلق، وقد حرص الدستور على تقريرها مع الإشارة إلى القوانين المنظمة لها».
تطاول
وأشار المنطوق إلى أن «القانون لا يتطلب قصداً خاصاً في تلك الجريمة (التطاول على مسند الإمارة)، بل يكتفي بتوافر القصد العام، وكان توافر القصد الجنائي فيها، أو عدم توافره من مسائل الواقع التي تستقل محكمة الموضوع بالفصل فيها، بغير معقب ما دامت تقيم قضاءها على ما ينتجه، وأياً كان الباعث عليه لأن كل ما يتعلق بالباعث لا يؤثر على وقوع الجريمة متى توافرت عناصرها القانونية، وأن أفعال الطعن في حقوق الأمير، وسلطاته، والعيب في ذات الأمير، والتطاول على مسند الإمارة المجرمة المقصود منها هو حماية شخص الأمير، مما عساه أن يوجه إليه من طعن في حقوقه، وسلطته، ويشمل كل نقد ينطوي على تجريح يمس الهيبة، ويؤذي الشعور، ويشتمل على التعريض، وعدم التوقير اللغوي الذي بما من شأنه أن يضعف من سلطة رئيس الدولة، وينقض الحق الذي يستمده من الدستور، ويقصد بالعيب التهجم الذي من شأنه أن يمثل انتهاكاً، أو مساساً بالاحترام الواجب لشخص رئيس الدولة».
ولفت إلى أن «المقصود بالتطاول على مسند الإمارة التعريض بنظام توارث الإمارة، وكيان النظام الأميري القائم ويشمل كل ما من شأنه أن يمس كرامة الإمارة بحيث يُضعف احترام الناس لها، أو يقلل من هيبتها، ونفوذها الأدبي لدى الأمة، وأنه لا يلزم أن يتحدث الحكم صراحة، وعلى استقلال عن أي ركن من أركان هذه الجريمة ما دام أن مؤدى ما أورده من وقائع، وظروف الدعوى يكفي للدلالة على قيامه، وكان تقدير ما إذا كانت الأفعال، والأقوال تنطوي على شيء مما حظرته المادة 25 السالف الإشارة إليها هو بما يطمئن إليه قاضي الموضوع من تحصيله لفهم الواقع في الدعوى وتقديره لمرامي العبارات، وتبينه لمناحيها، فله وحده أن يتعرف على حقيقة الألفاظ التي تعد طعناً في حقوق الأمير، وسلطته، والعيب في ذاته، وتطاولاً على مسند الإمارة حسبما يحصله من فهم الواقع في الدعوى، ولا رقابة عليه في ذلك من محكمة التمييز طالما لم يخطئ التطبيق القانوني على الواقعة».
قانون الجزاء
وبينت المحكمة أن «حرية التعبير، وإن كفلها الدستور، لیست مطلقة، بل تمارس في حدود القانون، والاستثناء الذي قرره المشرع بحظر الطعن والعيب والتطاول، إنما يراد به حماية النظام العام الدستوري وصون مقام الإمارة وهيبتها، ومنع ما قد يفضي إليه المساس بها من اضطراب وفتنة، وكان القصد الجنائي في هذه الجريمة يكفي فيه القصد العام، وهو علم الجاني بطبيعة العبارات التي تصدر عنه، واتجاه إرادته إلى إذاعتها علناً دون اشتراط قصد خاص، وكانت علانية الواقعة ثابتة من انعقاد الندوة علناً وبثها ونشرها». ورأت المحكمة أن ما صدر عن المتهم لا يندرج في حدود النقد السياسي المباح ولا يقف عند حد إبداء الرأي في شأن عام، بل جاوزه للطعن في كفاءة القيادة السياسية، ولا يغير ذلك ما أورده في معرض حديثه من عباراته السابقة الصريحة في مدلولها ولا تنال من دلالته الجلية، ولا تعدو أن تكون محاولة لتلطيف وقع القول، دون أن تنفي ما انطوى عليه في مجموعه من انتقاص ظاهر. وأضافت ان «المتهم، بصفته سياسياً وعضواً سابقاً بمجلس الأمة، كان ممن يعلمون يقيناً دورهم بأثر الخطاب العام وحدود المشروع منه جوازاً وتأثيماً فإن المحكمة تستخلص توافر القصد الجنائي لديه من وضوح العبارات وتكرارها وإحكام صياغتها وسياق إطلاقها، ومن ثم يثبت لديها قيام الركنين المادي والمعنوي لهذه الجريمة».
وأشارت المحكمة إلى أن «المادة 147 من قانون الجزاء قد نصت على أن يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنتين وبغرامة لا تجاوز مئة وخمسين ديناراً أو بإحدى هاتين العقوبتين كل شخص أخل، بوسيلة من وسائل العلانية المبينة في المادة 101، بالاحترام الواجب لقاض، على نحو يشكك في نزاهته أو اهتمامه بعمله أو في التزامه لأحكام القانون. ولا جريمة إذا لم يجاوز فعل المتهم حدود النقد النزيه الصادر عن نية حسنة لحكم قضائي، سواء تعلق النقد باستخلاص الوقائع أو تعلق بكيفية تطبيق القانون عليها، مما مفاده أن المشرع حرص على صون هيبة جهات القضاء، وكفل الاحترام الواجب للقضاة، فنص في هذه المادة على تجريم كل إخلال بالاحترام الواجب القاض متى وقع عبر إحدى وسائل العلانية، كما بينتها المادة 101 من ذات القانون، سواء تم ذلك بالقول، أو الصياح، أو الكتابة، أو الرسوم، أو الصور، أو بأي وسيلة أخرى من وسائل التعبير عن الفكر، وانطوى على تشكيك في نزاهة القاضي، أو في اهتمامه بعمله، أو في التزامه بأحكام القانون، باعتبار أن تلك الأقوال أو الأفعال تمس الثقة العامة في جهات القضاء، وتضعف من هيبتها بوصفها أحد أركان الدولة، ولم يستثن المشرع من نطاق هذا التجريم إلا ما يصدر من نقد نزيه لحكم قضائي عن نية حسنة، وانصراف هذا النقد إلى الحكم ذاته، سواء في استخلاص الوقائع، أو في تطبيق القانون، دون أن يتضمن مساساً بشخص القاضي، أو إخلالاً بالاحترام الواجب له».
تشكيك
وخلصت المحكمة إلى أنها «ترى أن صياغة المتهم الأول لأقواله جاءت في صورة تساؤلات ظاهرها الاستفهام وحقيقتها التشكيك، وبثها في محفل عام، وعلى نحو يتداول بين الجمهور، بما يشكل الركن المادي للجريمة. أما القصد الجنائي، وهو القصد العام، فإنه يتحقق بعلم المتهم الأول بطبيعة ما يقول، وبأنه موجه إلى رجال القضاء على نحو يمس نزاهتهم، واتجاه إرادته إلى إذاعته علناً، وهو ما تستخلصه المحكمة من ذات أسبابها المتقدمة من وضوح الدلالة، وتكرار المعنى، وربط القضاء بعبارات الفساد والرشوة والتزوير على وجه لا يحمل على حسن نية، أو نقد لحكم بعينه، ومن ثم يثبت لدى المحكمة توافر أركان التهمة الثانية في حق المتهم الأول، ويكون القضاء ببراءته منها بالحكم المستأنف قد جاء مخالفاً للثابت في الأوراق، بما يوجب إلغاءه والقضاء بمعاقبته عن هذه التهمة وفقاً للمادة 147 من قانون الجزاء، وعلى النحو الوارد في المنطوق».
أخبار متعلقة :