12 مساراً لـ... مواجهة الإدمان

كتب ناصر المحيسن - الكويت في الخميس 19 مارس 2026 06:40 مساءً - تشهد المنظومة الصحية في البلاد تحولاً لافتاً في طريقة التعامل مع ملف الإدمان، مع دخول قانون مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية الجديد حيز التنفيذ، حيث لم يعد ينظر إليه كقضية أمنية أو جنائية فقط، بل كمشكلة صحية ونفسية واجتماعية تتطلب تدخلاً علاجياً متكاملاً.

Advertisements

وفي هذا الإطار، برز دور وزارة الصحة والمستشفيات الحكومية، بوصفهما خط الدفاع الأول في تطبيق فلسفة القانون الجديدة، التي توازن بين الردع القانوني والعلاج الإنساني، إذ تؤكد قرارات الوزارة المرتبطة بقانون مكافحة المخدرات الجديد «مرسوم بقانون رقم 159 لسنة 2025» على تبني الكويت نهجاً شاملاً يقوم على الوقاية والرقابة والعلاج والتأهيل، من خلال 12 مساراً، بما يسهم في الحد من انتشار المخدرات وحماية الأفراد والمجتمع، ويعزز دور القطاع الصحي كشريك أساسي في تنفيذ السياسات الجنائية والصحية للدولة.

رؤية جديدةوتشريعات محكمة

وجاء القانون الجديد لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، ليعكس توجه الدولة نحو تقليل الاعتماد على العقوبة السالبة للحرية في حالات التعاطي، مقابل تعزيز فرص العلاج والتأهيل، خاصة للمتعاطين الذين يبادرون بطلب العلاج طوعاً أو عبر ذويهم، وقد شكل هذا التحول تحدياً مباشراً للقطاع الصحي، الذي وجد نفسه مطالباً بتوسيع قدراته، وتطوير آلياته، والاستعداد لاستقبال أعداد أكبر من الحالات العلاجية.

وفي إطار تعزيز منظومة مكافحة المخدرات وحماية الصحة العامة، أصدرت وزارة الصحة مجموعة من القرارات الوزارية المهمة لتفعيل وتنفيذ القانون، كما واستشعاراً لحجم المسؤولية، عملت الوزارة على مواءمة سياساتها مع متطلبات القانون، وتنظيم دور المؤسسات الصحية في التعامل مع حالات الإدمان.

وشملت هذه القرارات تحديد آليات إدخال المرضى إلى مراكز العلاج، سواء بشكل طوعي، أو بطلب من الأسرة، أو بناء على إحالة من الجهات القضائية، مع ضمان سرية المعلومات وحماية حقوق المرضى. وقد عكست هذه القرارات توجهاً واضحاً نحو تحقيق التوازن بين الردع القانوني من جهة، والعلاج والتأهيل من جهة أخرى، بما ينسجم مع المعايير الصحية والإنسانية.

تنظيم تداول الأدوية المخدرة

وأصدرت وزارة الصحة حزمة قرارات وزارية رئيسية، بهدف وضع الإطار التنظيمي للقانون الجديد، وشملت القرارات تنظيم الجهات المخولة باعتماد التقارير الطبية والوصفات العلاجية للقادمين من الخارج، لاسيما تلك التي تحتوي على مواد مخدرة أو مؤثرات عقلية خاضعة للرقابة، كما حرصت الوزارة على تنظيم تداول الأدوية المخدرة المستخدمة في العلاج الطبي، لضمان عدم إساءة استخدامها، مع توفيرها للمرضى المحتاجين، بما يحقق التوازن بين العلاج الآمن والرقابة الصارمة، ومنع إساءة استخدام الوصفات الطبية، وضمان دخول الأدوية المصرح بها فقط، وفق ضوابط طبية وقانونية دقيقة.

وضمن متطلبات تنفيذ القانون الجديد، أصدرت الوزارة قرارات بتحديث جداول المواد المخدرة والمؤثرات العقلية الخاضعة للرقابة. وقد تم إدراج مواد جديدة ظهرت في الأسواق العالمية ولها تأثيرات خطرة، وتعد هذه الخطوة ضرورية لمواكبة التطورات في أنواع المواد المخدرة، وسد الثغرات القانونية التي قد تستغل في تهريب أو تداول مواد جديدة غير مدرجة سابقاً.

تنظيم دخول المواد المخدرة وتعزيز العلاج

وشملت القرارات الوزارية أيضاً تنظيم دخول المواد المخدرة والمؤثرات العقلية المستخدمة لأغراض طبية إلى البلاد، بحيث لا يتم استيرادها أو إدخالها إلا بعد الحصول على موافقة مسبقة من وزارة الصحة. ويهدف هذا الإجراء إلى إحكام الرقابة على السلسلة الدوائية، وضمان استخدام هذه المواد للأغراض الطبية المشروعة فقط، ومنع تسربها إلى الاستخدام غير القانوني.

كما ركزت وزارة الصحة في قراراتها على تعزيز المنظومة العلاجية والتأهيلية للمتعاطين والمدمنين، ومن أبرز القرارات تخصيص مبنى مركز شباب الصليبية ليكون مركزاً متخصصاً لعلاج وتأهيل مرضى الإدمان تحت مسمى «مركز التأهيل من الإدمان»، ويأتي هذا القرار ترجمة عملية لنصوص القانون التي تشجع المدمنين والمتعاطين على التوجه للعلاج بدلاً من الاقتصار على العقوبات الجزائية، بما يساهم في تقليل الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالإدمان، وبما يعكس قناعة الدولة بأن علاج الإدمان يمثل استثماراً في صحة المجتمع وأمنه، وليس مجرد إجراء عقابي.

ويعتمد المركز على برامج علاجية حديثة تهدف إلى مساعدة المرضى على التعافي من الإدمان، وتعزيز قدرتهم على العودة إلى الحياة الطبيعية والاندماج الإيجابي في المجتمع حيث سيتضمن المركز أقساماً متعددة، من بينها وحدات العلاج الطبي وإزالة السموم، والعيادات النفسية، وبرامج التأهيل السلوكي والاجتماعي، إضافة إلى خدمات.

الدعم والإرشاد الأسري في العلاج

وسيمثل مركز الصليبية جزءاً من منظومة وطنية شاملة تهدف إلى الوقاية من المخدرات، وتقليل نسب التعاطي، ومعالجة الآثار السلبية للإدمان على الفرد والأسرة والمجتمع كما يعكس المشروع التعاون بين الجهات الحكومية والمؤسسات المجتمعية في دعم قضايا الصحة العامة.

ولم تقتصر الاستعدادات على الجانب التشريعي، بل انتقلت إلى أرض الواقع داخل المستشفيات، التي أصبحت مطالبة بالتعامل مع الإدمان كحالة طبية متكاملة تشمل العلاج الجسدي، والدعم النفسي، وإعادة التأهيل الاجتماعي.

ومن النقاط الجوهرية في القانون الجديد، التي انعكست على استعدادات المستشفيات، هو إشراك الأسرة في رحلة العلاج، فقد أتاح القانون لذوي المدمن التقدم بطلب إدخاله للعلاج دون أن يترتب على ذلك ملاحقة قانونية، وهو ما تطلب من المستشفيات إنشاء قنوات تواصل واضحة مع الأسر، وتوفير جلسات إرشاد أسري ضمن برامج العلاج، ويؤكد مختصون أن إشراك الأسرة يسهم بشكل كبير في رفع نسب التعافي والحد من الانتكاس، خاصة بعد خروج المريض من المركز العلاجي.

توسعة مراكز العلاج وتعزيز قدرات المستشفيات

وضمن هذه الجهود، شهدت المنظومة الصحية توسعة مركز علاج الادمان في منطقة الصباح الطبية التخصصية، حيث تم تعزيز الطاقة الاستيعابية للمركز، وإضافة أجنحة جديدة مجهزة وفق المعايير الحديثة، حيث كان الهدف من ذلك توفير بيئة علاجية مناسبة تحترم خصوصية المرضى، وتساعدهم على التعافي في أجواء بعيدة عن الوصم الاجتماعي.

وإلى جانب مركز علاج الإدمان، عملت وزارة الصحة على تعزيز قدرات المستشفيات العامة في التعامل مع حالات الإدمان، من خلال توفير فرق طبية متعددة التخصصات تشمل أطباء نفسيين، واختصاصيي علاج الإدمان، وأخصائيين اجتماعيين.

وأصبحت أقسام الطوارئ في المستشفيات أكثر جاهزية للتعامل مع الحالات الحادة، مثل الأعراض الانسحابية أو التسمم، مع وجود بروتوكولات واضحة للإحالة إلى مراكز العلاج والتأهيل.

التدريب والتوعية والوقاية

وإدراكاً لأهمية العنصر البشري، ركزت وزارة الصحة على تدريب الكوادر الطبية والتمريضية للتعامل مع مرضى الإدمان، وفق أحدث الأساليب العلمية، وبما يتماشى مع الجوانب القانونية والنفسية للحالات.

وشملت برامج التدريب كيفية التعامل الإنساني مع المرضى، وآليات التقييم النفسي، ووضع خطط علاج فردية، إضافة إلى تعزيز مهارات التواصل مع أسر المتعافين.

ولم تقتصر الاستعدادات على العلاج فقط، بل امتدت إلى التوعية والوقاية، حيث بدأت المستشفيات والمراكز الصحية في تنفيذ برامج تثقيفية تستهدف المراجعين، وطلاب المدارس، والموظفين، للتعريف بمخاطر المخدرات، وأهمية العلاج المبكر، ودور القانون الجديد في حماية الأفراد والمجتمع.

وتكاملت هذه الجهود مع حملات وطنية بالتعاون مع جهات حكومية أخرى، لترسيخ مفهوم أن الإدمان مرض قابل للعلاج، وليس وصمة اجتماعية.

تنسيق مع الجهات الأمنية

ويشكل التنسيق بين وزارة الصحة والجهات الأمنية، ركيزة أساسية في نجاح تطبيق القانون، فقد أنشئت آليات واضحة لتحويل الحالات من الجهات الأمنية إلى المستشفيات، وضمان متابعة العلاج، حيث وضعت الوزارة ضوابط ولوائح تنظيم آلية إيداع ونقل ومراجعة مراكز العلاج والتأهيل من الإدمان، وتعكس هذه الاستعدادات تحولاً إستراتيجياً في التعامل مع واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في المجتمع. فمن خلال الجمع بين التشريع، والعلاج، والتأهيل، والتوعية، تسير المنظومة الصحية نحو نموذج متوازن يضع الإنسان وصحته في صدارة الأولويات، دون الإخلال بمتطلبات الأمن وحماية المجتمع.

ويبقى التحدي الأكبر هو استدامة هذه الجهود، وتطويرها، بما يواكب حجم المشكلة، ويمنح المتعافين فرصة حقيقية للعودة إلى حياتهم الطبيعية، أفراداً فاعلين في مجتمع أكثر وعياً وتماسكاً.

أخبار متعلقة :