الخطاب الديني... ركيزة أساسية في تعزيز الوحدة الوطنية

كتب ناصر المحيسن - الكويت في الخميس 30 أبريل 2026 11:55 مساءً - في ظل التحديات المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم، تبرز أهمية الخطاب الديني المعتدل بوصفه أحد أهم الركائز التي تسهم في تعزيز التماسك الوطني وترسيخ قِيَم الاستقرار المجتمعي، فالدين حين يُقدَّم بروح وسطية واعية، يتحوّل إلى قوة جامعة تُقرّب بين فئات المجتمع، وتُعزز مفاهيم التعايش والتسامح، بعيداً عن الغلو والتطرف أو الإقصاء.

Advertisements

ويُعد الخطاب الديني المعتدل نهجاً متوازناً يستند إلى مقاصد الشريعة الإسلامية السمحة، التي تدعو إلى حفظ النفس والعقل والدين، وترسي قيم العدل والرحمة.

ومن خلال هذا النهج، يتم توجيه الأفراد نحو فهم صحيح للدين، ينسجم مع متطلبات العصر، ويحفظ في الوقت ذاته الثوابت الدينية والوطنية، كما يسهم هذا الخطاب في مواجهة الأفكار المتشددة، من خلال تقديم بدائل فكرية رصينة تقوم على الحوار والإقناع، لا على التصادم أو الإقصاء.

وفي هذا السياق، تبرز خطبة الجمعة كمنبر أسبوعي مؤثر يصل إلى شريحة واسعة من المجتمع، ما يمنحها دوراً محورياً في تعزيز الوعي العام وترسيخ القيم الوطنية. والخطيب، بما يمتلكه من حضور وتأثير، يستطيع أن يوجه رسائل توعوية تسهم في تعزيز روح الانتماء، وتؤكد أهمية الوحدة الوطنية، والالتفاف حول القيادة، والحفاظ على أمن واستقرار البلاد.

ولا يقتصر دور الخطاب الديني على الجانب التوجيهي فحسب، بل يمتد ليشمل بناء منظومة قيمية متكاملة تسهم في تعزيز روح المواطنة، وترسيخ مبادئ التعاون والتكافل بين أفراد المجتمع، فحين يدرك الفرد مسؤوليته تجاه وطنه، ويتشبع بقيم الاعتدال والتسامح، يصبح عنصراً فاعلاً في تعزيز الاستقرار، وداعماً لمسيرة التنمية.

أحمد النفيس لـ «الراي»: منبر الجمعة منصة تعيد صياغة الوعي الجمعي للمجتمع

- «الخطاب المعتدل يبني ولا يهدم ويجعل من التنوع قوة ومن الوحدة حصناً منيعاً»

- الخطيب الناجح هو من يحول المنبر إلى أداة للأمن النفسي والطمأنينة في القلوب

قال الإمام والخطيب في وزارة الشؤون الإسلامية الشيخ أحمد النفيس لـ«الراي»، «حين نتحدث عن الخطاب الديني المعتدل نحن لا نتحدث عن مجرد وعظ ديني، بل نتحدث عن هوية وطنية مغلفة بالإيمان، الدور المحوري لهذا الخطاب في تعزيز التماسك الوطني يتجلى في تحويل المواطنة من مجرد ورقة ثبوتية إلى عقيدة وسلوك في حياة المسلم».

وأضاف النفيس أن الخطاب المعتدل هو الذي يرسخ في وجدان الناس، مشيراً إلى أن قوة الدولة هي قوة الدين، وأن الحفاظ على مكتسبات ديرتنا ومنجزاتها هو جزء لا يتجزأ من الأمانة التي استخلفنا الله عزوجل عليها، وهو الخطاب الذي يبني ولا يهدم، ويجعل من التنوع قوة، ومن الوحدة حصناً منيعاً ضد الفتن، ونسأل الله تعالى أن يحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

وعن منبر الجمعة، ذكر أنه بمثابة العيد الأسبوعي للمسلم، في ظل الظروف الراهنة والاستثنائية دور هذا المنبر لا يعد تقليدياً، بل هو المنصة التي تعيد صياغة الوعي الجمعي للمجتمع، مبيناً أن الخطيب الناجح هو من يحول المنبر من أداة خطبة إلى أداة للأمن النفسي والطمأنينة في القلوب، ويحصن العقل من الشائعات والدعوات الهدامة وما من شأنه شق وحدة الصف الوطني.

وتابع «دورنا اليوم أن نجعل من المنبر مرآة تعكس هموم الناس وتوجههم نحو المسؤولية المجتمعية، ليكون المسجد ركيزة أساسية في مسار الدولة والتنمية والاستقرار وتحقيق الأمن والإيمان، ونسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يحفظ أوطاننا، وأن يسدد بالخير خطانا جميعاً، ويوفق ولاة أمورنا لما فيه عز البلاد والعباد».

فرحان الشمري لـ«الراي»: لا لتسييس المنبر... ويجب الالتفاف حول ولاة الأمور

- «يجب التحذير من الإشاعات وتداول الأخبار غير الصحيحة التي تثير الهلع»

- على خطباء الجمعة مسؤولية عظيمة في توجيه الناس والدعوة إلى رص الصفوف

أكد الموجه أول إمامة وخطابة في وزارة الشؤون الإسلامية الشيخ الدكتور فرحان الشمري لـ«الراي»، أنه في ظل الأوضاع المتوترة التي تشهدها المنطقة، يقع على عاتق المتحدثين بالخطاب الديني وخطبة الجمعة تحديداً مسؤولية عظيمة في توجيه الناس إلى التعامل الأمثل للوصول إلى بر الأمان.

وأضاف الشمري، أن أول هذه الأمور يجب على المشايخ الفضلاء تثبيت القلوب وتطمينها ونبذ اليأس والقنوط، وأن يبدأ الخطاب بالرجوع إلى الله تعالى وبالتذكير بأن المحن والابتلاءات جزء من سنن الحياة، وأن دور المؤمن هو الصبر الواعي لا الاستسلام والانهزامية، والكتاب والسنة مليئان بالنصوص المطمئنة للنفوس مثل آيات السكينة مثل قول الله تعالى: «ألا بذكر الله تطمئن القلوب»، وعلى الخطباء التذكير بأن الضيق يعقبه الفرج، وأن انتظار الفرج من أجلّ العبادات.

وتابع «لا بد أن يصيب بعض الناس القلق والتوتر، فعلى المتحدثين من مشايخ ووعاظ أن يخففوا من منسوب القلق والتوتر النفسي لدى المصلين، ومنحهم جرعة من الأمل واليقين من خلال الكلمات والمواعظ بعد الصلوات وفي خطبة الجمعة وعليهم الحفاظ على قدسية المنبر كجامع للناس لا مفرق لهم، وعدم تسييس المنبر والتركيز على المقاصد الشرعية الكبرى (حفظ الدين والنفس، العقل، والعرض والمال)».

وأكمل «من الأمور المهمة الدعوة إلى رص الصفوف والوحدة الوطنية، ففي الأزمات، تبرز محاولات شق الصف وإثارة الفتن المذهبية أو الفكرية، فعلى أرباب الخطاب الديني التأكيد على أن دماء الناس وأموالهم وأعراضهم حرام، وأن الفتنة نائمة ولعن الله من أيقظها، والابتعاد عن لغة التخوين أو التحريض التي قد تؤدي لردود فعل غير منضبطة».

وأشار الشمري إلى أن من الأمور المهمة كذلك الاهتمام بالتكافل الاجتماعي وتفقد الجار والقريب، ومساعدة المحتاجين والمتضررين، فالمجتمع في الأزمة لابد أن يكون كالبنيان المرصوص، وعلى المتحدث أيضا أن يحذر من الإشاعات وتداول الأخبار غير الصحيحة التي تثير الرعب والهلع بين الناس قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا».

وبين أنه يجب دعوة الناس للرجوع للمصادر الرسمية للأخبار وعدم تداول المقاطع أو الأخبار التي تحبط العزائم أو تخدم أجندات مجهولة، والاكتفاء بالمصادر الرسمية والموثوقة. ولابد من الإشارة إلى أن الالتفاف حول ولاة الأمور والسمع والطاعة من أهم المهمات وأولى الأولويات وهو سبب عظيم في القوة والمنعة والدعاء لهم وللجنود المرابطين في الجيش والشرطة والحرس والإطفاء والصحة والكهرباء وغيرهم.

وقال «إن قوتنا في اجتماعنا، وعزنا في تمسكنا بقيمنا، والظروف الصعبة لا تعالج بالصراخ ولا بالتهور، بل بالدعاء الصادق، والعمل الجاد، والحفاظ على لُحمة المجتمع، وجعل المساجد منارات العلم والوعي وللهدوء والعقل، ومن بيوتكم مدارس للصبر والثبات».

بندر الحسيني لـ«الراي»: على الدعاة نبذ مظاهر الفرقة والانقسام والعنصرية

- «توجيه الناس إلى التحلي بالصبر والثبات وكيفية التعامل مع الأزمات»

أكد الباحث التربوي الشيخ بندر الحسيني لـ«الراي»، أن للدعاة وأئمة المساجد دوراً محورياً في ظل الأزمة الراهنة، مشدداً على أهمية إسهامهم في تعزيز وعي المجتمع، من خلال حثّ الأفراد على الالتزام بقرارات الدولة، والالتفاف حول القيادة الرشيدة، بما يدعم تماسك الجبهة الداخلية.

وأوضح الحسيني أن فترات الأزمات والحروب تُعد بيئة خصبة لانتشار الشائعات والمعلومات المضللة، ما يضاعف من مسؤولية الدعاة في بيان الحقائق وفق منهج شرعي معتدل، يسهم في ترسيخ الوعي الصحيح، وتعزيز قيم الوحدة الوطنية، ونبذ مظاهر الفرقة والانقسام والعنصرية، مع بيان آثارها السلبية على أمن المجتمع واستقراره.

وأضاف أن للدعاة دوراً مهماً في تقديم الدعم النفسي والمعنوي، عبر توجيه الناس إلى التحلي بالصبر والثبات، وإرشادهم إلى السبل السليمة للتعامل مع الأزمات، لافتاً إلى أن منبر خطبة الجمعة يُعد من أبرز المنصات المؤثرة للتواصل المباشر مع الجمهور، واختيار الموضوعات التي تلبي احتياجاتهم وتلامس واقعهم في مثل هذه الظروف الاستثنائية.

أخبار متعلقة :