كتب ناصر المحيسن - الكويت في الأربعاء 20 مايو 2026 10:55 مساءً - مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، نستذكر الدور المحوري الذي يلعبه الطعام في تقاليدنا المشتركة. ففي الثقافة التركية، لا يقتصر العيد على كونه وقتاً للتأمل الروحي، بل هو أيضاً احتفال بالوحدة والكرم وحُسن الضيافة. حيث تجتمع العائلات حول موائد مُعدّة بعناية، وتُقدّم وصفات متوارثة عبر الأجيال بكل فخر. هذه الوجبات في الحقيقة هي أكثر من مجرد غذاء، إنها تعبير عن الذاكرة والهوية والانتماء. إن مشاركة الطعام، وتقديم الحلويات للضيوف، وإعداد الأطباق معاً، يعكس حقيقة خالدة راسخة في ثقافتنا: المائدة هي المكان الذي تتعزّز فيه الروابط وتُحفظ فيه التقاليد.
وانطلاقاً من هذا المبدأ، نحتفل بأسبوع المطبخ التركي، الذي يعود هذا العام في دورته الخامسة من 21 إلى 27 مايو 2026. يُعدّ هذا الأسبوع مميزاً للغاية في هذا العام، إذ يُقام تحت رعاية معالي السيدة الأولى أمينة أردوغان، وبالتعاون مع وزارة الثقافة والسياحة. ويشجعنا شعار عام 2026، «المائدة التراثية»، على تجاوز النكهات في أطباقنا، والتعرّف على المعاني الثقافية العميقة الكامنة في وجباتنا المشتركة. لقد حافظت الأناضول على وصفة هذا التراث عبر العصور، متوارثةً إياها جيلاً بعد جيل بمذاقها ونكهاتها.
ويُعبّر الشعار بوضوح عن أن، «المائدة هي أقدم لغة للتواصل والترابط. فالطعام يربط الناس عبر الزمن». وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في منطقة مثل منطقتنا، حيث تُشكّل الضيافة والطعام ركيزة أساسية للحياة الاجتماعية.
سواء في تركيا أو الكويت، فإنّ التجمع حول مائدة الطعام يتجاوز الاختلافات ويخلق لغة تواصل عالمية. في الواقع، تُذكّرنا العديد من الأطباق بهذا التراث المشترك: الكباب واللحوم المشوية من الأطباق الشائعة في كلا البلدين، والخضراوات المحشوة «كالدولمة» والمحشي، والمعجنات الحلوة كالبقلاوة، والحلويات المصنوعة من السميد كالحلوى الطحينية. حتى أطباق الحمص الأساسية كالحمص والفلافل تعكس حواراً طهوياً لطالما وحّد موائدنا. هذه النكهات المشتركة دليل حيّ على أن الطعام ليس مجرد غذاء، بل هو جسر ثقافي أيضاً.
يُقدّم موضوع هذا العام المطبخ التركي ليس كمجرد مجموعة من الأطباق، بل يقدّم تراثاً ثقافياً نابضاً بالحياة، تشكّل على مرّ القرون بفعل الهجرة والجغرافيا والتقاليد. ويسلط الضوء على ثلاثة أبعاد مهمة: الحوار، والتحوّل، والتوثيق. فالمائدة تصبح فضاءً تلتقي فيه الثقافات والأجيال؛ وتتطور الوصفات مع الحفاظ على جوهرها؛ ويُصبح المطبخ بمثابة أرشيف حيّ للتاريخ، يحمل قصصاً نادراً ما تُكتب، ولكن تُعاد صياغتها باستمرار.
تُجسّد الأطباق المختارة لهذا العام هذه المواضيع بشكلٍ أوضح. «فالكيشكك»، المُعترف به من قِبل اليونسكو، يرمز إلى الجهد الجماعي والاحتفال، وغالباً ما يُحضّر معاً في التجمعات الكبيرة. أما البقلاوة، فتمثل رقيّ وإتقان فنون الطهي التركية، التي تنتقل بدقة من مُعلّم إلى تلميذ. ويعكس طبق «المانتي» حركة الناس والأفكار بين المناطق، بينما تُجسّد «الدولمة» التنوّع ضمن لغة طهي مشتركة. أما الحلوى، التي تُحضّر في لحظات الفرح والوقار، فتُعدّ رمزاً للذاكرة والتضامن.
في الوقت نفسه، لايزال المطبخ التركي يعكس قيماً تزداد أهميتها في عالمنا المعاصر، لاسيما الاستدامة واحترام الموارد.
وعلى مرّ الأجيال، تبنّت تقاليدنا الطهوية فلسفة عدم إهدار الطعام، ما يضمن عدم هدر أي مكوّن. فأطباق مثل «التريت» و«البابارا» تُحوّل بقايا الطعام إلى وجبات مغذية، حيث تُستغلّ المرق والمربى الموارد المتاحة استغلالاً أمثل. وتُقدّم ممارسات مجتمعات اليوروك الرحّل، الذين يطبخون بذكاء ويحفظون البذور للأجيال القادمة، دروساً قيّمة في الحياة المستدامة.
لاتزال منطقة بحر إيجة، التي سُلِّط الضوء عليها في السنوات السابقة، مثالاً بارزاً على هذه الفلسفة. فنظامها الغذائي المتوسطي، الغني بزيت الزيتون والأعشاب والخضراوات والمأكولات البحرية، يُظهر توازناً متناغماً بين الصحة والنكهة والوعي البيئي. وتستمر أشجار الزيتون المعمرة وأساليب الإنتاج العريقة في دعم المجتمعات المحلية وتقاليد الطهي.
يحتفي أسبوع المطبخ التركي أيضاً بالتنوع المذهل لمنتجاتنا ذات العلامات الجغرافية المميزة. فمع أكثر من 2200 صنف مسجل، والعديد منها معترف به دولياً، تفخر تركيا بالحفاظ على تخصصاتها الإقليمية، مثل بقلاوة غازي عنتاب، وزيت زيتون ميلاس، ومشمش ملاطية. إن فوائد هذه المنتجات لا تقتصر على مذاقها الاستثنائي فحسب، بل تساهم أيضاً في صون التراث الثقافي والتنوّع البيولوجي.
بصفتي سفيرة الجمهورية التركية لدى الكويت، أرى في أسبوع المطبخ التركي جسراً مهماً يربط بين ثقافتينا. فالكويت وتركيا تتشاركان تقديراً عميقاً لكرم الضيافة، وقيم الأسرة، وقوة الطعام في توحيد الناس. ومن خلال «المائدة التراثية»، ندعو أصدقاءنا في الكويت لتجربة ليس فقط نكهات المطبخ التركي، بل أيضاً القصص والتقاليد والمعاني الكامنة وراءها.
انطلاقاً من هذه الروح، ونحن نتطلع إلى عيد الأضحى المبارك، نسأل الله أن تبقى موائدنا تجمع القلوب، وأن تُستقبل هذه المناسبة المباركة بحفاوة وكرم، وببهجةٍ هادئةٍ تجمعنا. إنها مناسبةٌ للمشاركة والتذكر وبناء علاقاتٍ تدوم عبر الزمان والمكان. وباحتفالنا بأسبوع المطبخ التركي، لا نحتفل بماضينا فحسب، بل نحتفل أيضاً بمستقبلنا المشترك الذي نبنيه معاً، القائم على التواصل والمحبة والتشارك بين الشعوب.
-------
* سفيرة الجمهورية التركية لدى الكويت
أخبار متعلقة :