ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 6 يناير 2026 09:55 مساءً - شهد النظام الضريبي الدولي تطوراً مفصلياً مع إعلان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إتمام اتفاق جديد حول الحد الأدنى العالمي للضريبة على الشركات، في خطوة جاءت بعد سنوات من المفاوضات المعقدة بين الاقتصادات الكبرى والناشئة. غير أن الاتفاق حمل تحولاً لافتاً تمثل في موافقة أكثر من 100 دولة على إعفاء الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات من ضريبة الحد الأدنى العالمية البالغة 15%، ما يعكس موازين قوى جديدة في النظام المالي العالمي، ويثير نقاشاً واسعاً حول السيادة الضريبية والعدالة التنافسية.
وتقدر المنظمة أن يولد هذا النظام إيرادات إضافية تصل إلى 220 مليار دولار سنوياً لحكومات العالم.
خلفية الاتفاق وأهدافه
أُطلق مشروع الحد الأدنى العالمي للضريبة في الأساس لمعالجة ممارسات تحويل الأرباح التي تعتمدها الشركات متعددة الجنسيات عبر تسجيل أرباحها في ولايات قضائية منخفضة الضرائب، ما يحرم الحكومات من إيرادات ضريبية كبيرة.
ويقضي الإطار الذي تفاوضت عليه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومجموعة العشرين بفرض معدل ضريبة فعلي لا يقل عن 15% على الشركات متعددة الجنسيات التي تتجاوز إيراداتها السنوية 750 مليون يورو.
وتهدف هذه القواعد إلى:
- الحد من المنافسة الضريبية الضارة بين الدول
- ضمان إسهام عادل للشركات الكبرى في تمويل الخدمات العامة
- تعزيز الشفافية والاستقرار في النظام الضريبي الدولي
الانسحاب الأمريكي ثم العودة المشروطة
رغم أن الولايات المتحدة كانت طرفاً أساسياً في المفاوضات خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، فإن الرئيس دونالد ترامب، قرر لاحقاً سحب واشنطن من الإطار السابق، معتبراً أن الضريبة العالمية تمثل تدخلاً في السيادة الضريبية الأمريكية، وتهديداً لقدرة الشركات الأمريكية على المنافسة عالمياً.
غير أن الضغوط المتبادلة بين الولايات المتحدة وشركائها، إلى جانب مخاوف من فرض ضرائب أجنبية إضافية على الشركات الأمريكية، دفعت واشنطن إلى التفاوض على اتفاق موازٍ يضمن إعفاء شركاتها من تطبيق الركيزة الثانية للضريبة العالمية.
جوهر الاتفاق الجديد بموجب الاتفاق الذي أُنجز مع أكثر من 100 دولة:
-تُستثنى الشركات متعددة الجنسيات التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً رئيسياً من ضريبة الحد الأدنى العالمية البالغة 15%.
-تُمنع الدول الأخرى فعلياً من فرض ضرائب تكميلية على فروع هذه الشركات في الخارج لتعويض الفجوة الضريبية.
-تقر الدول بحق الولايات المتحدة في فرض نظامها الضريبي الخاص على أرباح شركاتها العالمية.
مبررات واشنطن
وأكد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، أن الاتفاق «يحترم السيادة الضريبية الأمريكية»، وفي الوقت ذاته يعترف بحق الدول الأخرى في فرض الضرائب على الأنشطة الاقتصادية داخل حدودها.
تستند الولايات المتحدة في موقفها إلى أن شركاتها تخضع بالفعل لما تعتبره معدلات ضريبية دنيا فعالة، من خلال، ضريبة دخل فيدرالية دنيا بنسبة 15% على الشركات التي تحقق أرباحاً تفوق مليار دولار، ونظام الضرائب الدولية الأمريكي، الذي يفرض معدلات تتراوح بين 12.6% و14% على الأرباح الأجنبية.
وترى واشنطن أن إخضاع شركاتها لنظامين متوازيين سيؤدي إلى ازدواج ضريبي يضعف تنافسيتها العالمية.
إزالة «الضريبة الانتقامية»
كان أحد أبرز عناصر التفاوض هو بند ما عُرف بـ«الضريبة الانتقامية»، الذي أدرجه الجمهوريون في الكونغرس ضمن مشروع قانون ترامب الضريبي لعام 2025، والذي كان يسمح بفرض ضرائب إضافية على شركات الدول التي تفرض ضرائب تعتبرها واشنطن تمييزية ضد الشركات الأمريكية.
وبموجب الاتفاق الحالي، وافق الجمهوريون على إزالة هذا البند مقابل تعهد مجموعة السبع بعدم استهداف الشركات الأمريكية بضرائب إضافية.
ومع ذلك، أبقى قادة لجان الكونغرس الباب مفتوحاً لإعادة تفعيل هذه الإجراءات في حال عدم التزام الدول الأخرى بتنفيذ الاتفاق.
الضرائب الرقمية محور توتر مستمر
يأتي الاتفاق في ظل تصاعد الخلافات حول الضرائب الرقمية، التي فرضها الاتحاد الأوروبي ودول أخرى على شركات التكنولوجيا الكبرى.
وتعتبر واشنطن أن هذه الضرائب تستهدف بشكل غير عادل شركات أمريكية مثل، ألفابت (جوجل)، ميتا بلاتفورمز، وأمازون.
وأشار بيسنت إلى أن وزارة الخزانة الأمريكية ستتجه إلى «حوار بنّاء» بشأن ضرائب الاقتصاد الرقمي، في محاولة لاحتواء النزاعات التجارية المحتملة.
ويرى منتقدون أن الإعفاء الأمريكي قد يفتح الباب أمام مطالب مماثلة من دول أخرى، ما قد يقوض الهدف الأساسي من الضريبة العالمية.
موقف الأسواق والشركات
لم يحظَ مشروع «الضريبة الانتقامية» بقبول واسع في وول ستريت، حيث حذّر محللون من تأثير سلبي على الاستثمار الأجنبي، وزيادة حالة عدم اليقين التنظيمي، وتصعيد النزاعات التجارية.
ويُنظر إلى الاتفاق الحالي على أنه حل وسط يخفف هذه المخاوف، ويمنح الشركات الأمريكية وضوحاً أكبر في بيئة ضريبية عالمية معقدة.
ويمثل اتفاق إعفاء الشركات الأمريكية من الحد الأدنى العالمي للضريبة نقطة تحول في مسار الإصلاح الضريبي الدولي. فهو يعكس مزيجاً من البراغماتية السياسية، والاعتبارات السيادية، وموازين القوى الاقتصادية.
وبينما تحقق واشنطن مكاسب واضحة لشركاتها، يبقى السؤال مطروحاً حول قدرة النظام الضريبي العالمي على تحقيق هدفه الأساسي: عدالة ضريبية شاملة تمنع التهرب وتضمن توزيعاً أكثر إنصافاً للإيرادات بين الدول.
