ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 13 يناير 2026 11:59 مساءً - «يو بي إس» يتوقع ارتفاع حالات التعثر في الائتمان الخاص خلال العام الجاري
الذكاء الاصطناعي قد يضرب 30 % من الشركات الجديدة المعتمدة على الائتمان الخاص
السرية وغياب الشفافية يجعلان من المستحيل الحصول على صورة كاملة للكارثة المحتملة
يواجه سوق «الائتمان الخاص»، الذي تضخم حجمه إلى 1.7 تريليون دولار، لحظة حرجة.
فبعد سنوات من الازدهار والعمل في الظل بعيداً عن الأضواء والقواعد التنظيمية الصارمة، بدأت التشققات تظهر بوضوح في هذا القطاع.
وتجتمع اليوم تحذيرات كبار مليارديرات التمويل مع بيانات مقلقة من بنوك استثمارية كبيرة ووقائع تعثر في صناديق عملاقة، لتشير جميعها إلى أن 2026 قد يكون «عام الحساب العسير»، بحسب «بلومبرغ».
وفي قلب هذه المخاوف تكمن آلية مالية تعرف بـ«الدفع العيني» التي كان يتم التسويق لها في البداية كحل سريع يمنح المقترضين المتعثرين فرصة للتأقلم مع ارتفاع أسعار الفائدة، وذلك من خلال السماح لهم بتأجيل دفع الفوائد النقدية وإضافتها إلى أصل الدين.
لكن، وفقاً لأحدث البيانات، تحول هذا الحل إلى «قناع» يخفي خلفه تدهوراً حاداً في جودة القروض، التي يتضاعف حجمها بدون توقف.
ويصف الخبراء هذا النوع من القروض الاضطرارية بـ«السيئ»، وهو الذي يتم اللجوء إليه لتخفيف ضغط السيولة. وتعد شركة التقييم «لينكولن إنترناشيونال» هذا النوع من القروض مؤشراً قوياً إلى وجود ضائقة مالية، واصفة إياه بـ«معدل تعثر خفي» في قطاع يعرف بالغموض لضعف الشفافية.
وارتفع مؤشر «الدفع العيني» من 2% عام 2021 إلى 6% في 2022، ثم قفز إلى 11.4% في الربع الثاني من العام الجاري، ما يعني أن معدل التخلف عن السداد يتم تأجيله بدلاً من حله.
وقال فيجاي بادمانابان، العضو المنتدب في شركة الاستثمار «كامبريدج أسوشيتس» إن «الدفع العيني» وسيلة لتجنب إعلان الإفلاس، ونحن لسنا سعداء بذلك. إنه أمر نصنفه كمصدر قلق.
صورة قاتمة
وعزز تقرير لصندوق النقد الدولي الصورة القاتمة، حيث حذر في تقرير سابق من أن أكثر من 40% من المقترضين عبر الإقراض المباشر سجلوا تدفقات نقدية تشغيلية سلبية بنهاية العام الماضي، مقارنة بنحو 25% فقط في 2021، ما يطيل أمد اعتمادهم على هذه الآلية لتجنب التعثر الصريح.
ولم تعد المخاوف مجرد نظريات؛ فقد بدأت تضرب أكبر اللاعبين في السوق.
فقد واجهت شركة «بلاك روك»، أكبر مدير للأصول في العالم، عدداً من التعثرات في محفظة «التزامات القروض المضمونة» الخاصة بها، وتحديداً صندوق «BlackRock Baker CLO 2021-1».
وفي أكتوبر، اضطرت «بلاك روك» للتنازل عن بعض الرسوم الإدارية، في خطوة نادرة، بعد فشل المحفظة في اجتياز اختبارات لخرق «اختبار فائض الضمان»، نتيجة انخفاض قيمة أصولها.
وتضمنت المحفظة قروضاً لشركات متعثرة مثل «رينوفو هوم بارتنرز» التي أفلست، وشركة البرمجيات «بلورال سايت».
وأجبر هذا الأداء الضعيف وكالة «إس آند بي» على خفض تصنيف الشرائح الأكثر خطورة في الصندوق، مشيرة إلى تدهور الجودة الائتمانية للمحفظة الأساسية، ما يطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كانت هذه الحالة هي «غيض من فيض» مشاكل أعمق في السوق.
وفي سوق التزامات القروض المضمونة المدعومة بقروض مجمعة على نطاق واسع، تمتلك شركة «بلاك روك» 29 صفقة، وفقاً لبيانات «بلومبرج».
وبشكل أوسع، تسير التزامات القروض المضمونة المدعومة سواء بقروض مصرفية أو بمقرضين مباشرين نحو تحقيق عام قياسي آخر.
وتم تسعير أكثر من 1000 صفقة في الولايات المتحدة بقيمة تتجاوز 470 مليار دولار هذا العام، بزيادة عن الرقم القياسي للعام الماضي، وفقاً لبحث من «جي بي مورجان».
تأجيل المشاكل
وتتفق التوقعات على أن سياسة «ركل العلبة إلى الأمام» أو بمعنى آخر «تأجيل المشاكل» لن تستمر للأبد.
وتوقع تقرير أصدره بنك «يو بي إس» أن ترتفع حالات التعثر في الائتمان الخاص بما يصل إلى 3 نقاط مئوية عام 2026، متجاوزة بذلك القروض التقليدية والسندات.
ويرى المحللون أن القروض التي تم منحها في ذروة السوق (2021-2022)، عندما كانت التقييمات متضخمة ومعايير الإقراض متساهلة، ستكون الأكثر تضرراً عندما يحين موعد استحقاقها أو إعادة تمويلها.
كما يشكل الذكاء الاصطناعي سلاحاً ذا حدين؛ فبينما قد يعزز بعض القطاعات، فإن أي ركود فيه قد يضرب نحو 30% من الشركات الجديدة التي تعتمد على الائتمان الخاص.
وذكرت وكالة «موديز» للتصنيفات في تقرير لها هذا الأسبوع أن ترتيبات الإقراض المشترك بين البنوك وصناديق الائتمان الخاص تزيد طمس الخطوط الفاصلة بين أسواق الإقراض المجمع والإقراض المباشر، وترفع العدوى المالية المحتملة.
وأمام هذه المؤشرات، خرج عمالقة التمويل عن صمتهم ليطلقوا تحذيرات شديدة اللهجة.
وقال الملياردير الأمريكي جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك «جي بي مورغان تشيس»، الشهر الماضي: «عندما ترى صرصوراً واحداً، فمن المحتمل أن يكون هناك المزيد».
وفي السياق، قال مارك كومبس، الملياردير البريطاني والرئيس التنفيذي لمجموعة «أشمور»، التي تدير أصولاً بقيمة 50 مليار إسترليني (65 مليار دولار): عندما لا يقوم المستثمرون بتقييم الأصول حسب سعر السوق ويفترضون وجود سيولة كافية، فغالباً يكون كل شيء جيداً حتى يتوقف عن كونه كذلك.
وأضاف كومبس إنه اعتماداً على حجم الرافعة المالية، يمكن أن يمتد التأثير لكل شيء في حال حدوث أزمة إعادة تمويل.
وأوضح: ستجد بعض الشركات مثقلة بالديون بشكل كبير وفي وضع يفوق قدرتها، في حين أنها لا ترغب حقاً في أن تكون كذلك.
تقليل المخاطر
من جهته، قال مارك روان، الرئيس التنفيذي لشركة «أبولو جلوبال مانجمنت» والملياردير المعروف، إنه قد يكون الوقت المناسب للمستثمرين لـ«تقليل المخاطر» من خلال الانتقال إلى جودة ائتمانية أعلى.
وأكد أن أسعار الأصول ليست رخيصة، وأن أسعار الفائدة طويلة الأجل من المرجح أن تظل مرتفعة.
أما ديفيد فيليز، مؤسس ورئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لبنك «نو»، أحد أكبر البنوك الرقمية في العالم، فقال: «أنا متأكد من أنه ستكون هناك استثمارات سيئة، وسنرى أين تكمن».
وخلال العام الجاري، وصل إصدار التزامات القروض المضمونة للائتمان الخاص إلى نحو 34 مليار دولار، وفقاً لبحث من «بنك أوف أمريكا» الذي قال إن نحو ربع القروض المباشرة قد يتم الاحتفاظ بها في التزامات القروض المضمونة على المدى الطويل.
وتكمن المعضلة الكبرى في طبيعة «الائتمان الخاص» ذاتها؛ فالسرية وغياب الشفافية يجعلان من المستحيل الحصول على صورة كاملة للكارثة المحتملة.
ولكن مع تحذيرات وكالات التصنيف الائتماني، وتراكم ديون «الدفع العيني»، وتوقعات البنوك القاتمة لعام 2026، يبدو أن السوق يتحرك من مرحلة «الإنكار» إلى مرحلة «الحذر الشديد».
وكما قال داريوس كراتون من «ريموند جيمس» إن «الناس يراقبون جدار إعادة التمويل عن كثب... لا يبدو أن السوق يعمل من مركز قوة».
