ابوظبي - ياسر ابراهيم - السبت 17 يناير 2026 09:36 مساءً - وكالات
يشهد سوق السيارات في الولايات المتحدة تحولاً جذرياً مع اختفاء فئة السيارات الجديدة منخفضة السعر، في مؤشر واضح على تفاقم أزمة القدرة على الشراء وازدياد الفجوة بين شرائح المستهلكين. فبعد أن كان المشترون في عام 2024 يملكون ثلاثة خيارات لسيارات يقل سعرها عن 20 ألف دولار، لم يعد اليوم أي طراز جديد يُباع دون هذا المستوى السعري.
وتُظهر بيانات حديثة نشرها موقع «سي إن إن» أن فقدان الطرازات الأرخص ترك أثراً مباشراً على تكاليف الشراء، إذ بلغ متوسط سعر السيارة الجديدة في ديسمبر 2025 نحو 50,326 دولاراً، وهو أعلى مستوى على الإطلاق، وفق تقديرات مؤسسة كيلي بلو بوك التابعة لشركة كوكس أوتوموتيف. وفي السياق ذاته، أفادت منصة إدموندز المتخصصة في بيانات شراء السيارات بأن متوسط السعر بلغ 49,466 دولاراً، وهو رقم قياسي أيضاً وإن كان أقل بقليل.
وتعكس هذه الأرقام واقعاً أكثر قسوة لكثير من المشترين، إذ يعني ذلك أن شريحة واسعة من المستهلكين تدفع مبالغ تفوق 50 ألف دولار، وهو اتجاه مرشح للاستمرار في ظل تطورات السوق الحالية.
وكان آخر الطرازات الاقتصادية التي غادرت السوق الأمريكية هو نيسان فيرسا، التي طُرحت قبل نحو عقدين بسعر ابتدائي يقارب 12,550 دولاراً، قبل أن تنهي نيسان إنتاجها في ديسمبر الماضي. ويُثير اختفاء هذه الفئة مخاوف متزايدة من أن يصبح امتلاك سيارة جديدة أمراً بعيد المنال لعدد كبير من الأمريكيين، في تجسيد إضافي لأزمة القدرة على الشراء التي تثقل كاهل ذوي الدخل المنخفض والمتوسط.
ويعكس هذا الواقع ما يُعرف بالاقتصاد على شكل حرف K، حيث يستمر الأثرياء في الإنفاق بحرية، مدفوعين بازدهار مبيعات السيارات الفاخرة، في حين يواجه أصحاب الدخول المحدودة صعوبات متزايدة في دخول السوق.
وقال إيفان دروري، مدير الرؤى في موقع إدموندز، إن تراجع توفر السيارات منخفضة السعر يعني عملياً أن «كل سيارة جديدة تحمل لوحات الوكلاء باتت تُعد عملية شراء فاخرة». وأضاف أن مخاوف القدرة على الشراء بدأت منذ جائحة كورونا، عندما أدت اضطرابات سلاسل التوريد إلى ارتفاع حاد في الأسعار.
من جهتها، أوضحت إيرين كيتينغ، المحللة التنفيذية في كوكس أوتوموتيف، خلال ندوة متخصصة عُقدت في ديسمبر، أن الجائحة أعادت تشكيل ديناميكيات التسعير بشكل جذري، مؤكدة أن المستويات المرتفعة للأسعار أصبحت «الخط الأساسي الجديد» للسوق.
وكانت نيسان فيرسا 2025، التي بلغ سعرها نحو 18 ألف دولار في أكتوبر، آخر سيارة جديدة تُباع بأقل من 20 ألف دولار، كما اختفت طرازات أخرى من الفئة نفسها، مثل ميتسوبيشي ميراج التي أُوقف إنتاجها في أغسطس 2024، وكيا فورتي التي استُبدلت فعلياً بطراز K4 الأعلى كلفة.
وأسهمت الرسوم الجمركية بنسبة 25% التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على السيارات وقطع الغيار المستوردة في زيادة تكاليف الإنتاج، وعلى الرغم من أن شركات السيارات تحملت جزءاً كبيراً من هذه التكاليف خشية تراجع الطلب، فإن هذه الرسوم أسهمت في إخراج الطرازات الأرخص من خطوط الإنتاج، نظراً لهوامش أرباحها الضعيفة.
ووفق بيانات إدموندز، تُعد هيونداي فينيو 2026 حالياً أرخص سيارة جديدة في السوق الأمريكية، بسعر مقترح يبلغ 20,550 دولاراً. ويرى دروري أن السيارات الاقتصادية التي لا تحقق مبيعات كبيرة أو أرباحاً كافية هي الأكثر عرضة للإلغاء، في حين قد تستفيد شركات مثل تويوتا من جذب عملاء يبحثون عن خيارات أقل كلفة على حساب الولاء للعلامات التجارية الأخرى.
وحذرت كيتينغ من أن وكلاء السيارات يشعرون بقلق متزايد إزاء استبعاد ذوي الدخل المنخفض من السوق، في حين يواصل الأثرياء دعم المبيعات. وأضافت أن من لا يستطيع شراء سيارة جديدة يتجه إلى السوق المستعملة أو يحتفظ بسيارته لفترة أطول، لكن من لا يملك القدرة على شراء سيارة على الإطلاق سيواجه تحديات كبرى في العمل والحياة اليومية، خاصة في المناطق التي تفتقر إلى وسائل نقل عامة فعالة.
وتشير بيانات كوكس أوتوموتيف إلى أن الأسر التي يقل دخلها السنوي عن 75 ألف دولار شكلت 26% فقط من مبيعات السيارات الجديدة العام الماضي، مقارنة بـ37% في عام 2019. في المقابل، ارتفعت حصة الأسر التي يزيد دخلها على 150 ألف دولار إلى أكثر من 40% من المبيعات، مقارنة بنحو 29% قبل ست سنوات، ما يؤكد اتساع الفجوة الاقتصادية داخل سوق السيارات الأمريكية.
