ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 25 يناير 2026 11:29 مساءً - يشهد عالم الثروات الآسيوية تحولاً صامتاً إلا أنه مزلزل، لا تجري أحداثه في قاعات التداول في هونغ كونغ أو بورصات شنغهاي، بل في غرف اجتماعات عملاء البنوك الخاصة ومقصورات درجة الأعمال على الرحلات الجوية المتجهة من آسيا إلى الشرق الأوسط. فقد بدأ الأثرياء الصينيون من ذوي الملاءة المالية العالية جداً، والذين طالما جذبتهم سنغافورة، «يصوتون بأقدامهم» عبر نقل مكاتبهم العائلية إلى دبي وأبوظبي، بحسب موقع «جينج دايلي». وهذا «التصويت الجغرافي» ليس مجرد تغيير في العنوان، بل هو إعادة تموضع استراتيجي يشير إلى الوجهة التي تفضل رؤوس الأموال الآسيوية العمل فيها في عام 2026 وما بعده. وبالنسبة للعلامات التجارية الفاخرة، ومديري الثروات، ومراقبي تدفقات رأس المال العالمي، فإن الرسالة واضحة، خريطة الثروة الصينية تشهد إعادة صياغة، ومركز الثقل الجديد لها أصبح في الإمارات.
ولطالما كانت سنغافورة الملاذ الآمن بلا منازع للثروات الصينية، إلا أن هذه المكانة تواجه ضغوطاً متزايدة؛ إذ أفاد مصرفيون بزيادة استفسارات العملاء الصينيين الذين يشعرون بالإحباط بسبب تشديد الرقابة على الهجرة، وبطء إجراءات الموافقة، وتزايد عدم اليقين بشأن الإقامة الدائمة.
ولا تقتصر هذه المعطيات على الروايات الفردية؛ ففي حين تمنح سنغافورة ما متوسطه 33,000 إقامة دائمة سنوياً، إلا أن معدلات الموافقة قد تنخفض إلى 8.25% من هذا الرقم، ما يجعل الحصول على نتائج ناجحة أمراً صعباً بشكل متزايد. وأصبحت العائلات الصينية الغنية تنظر إلى سنغافورة كبيئة معقدة إدارياً وغير متوقعة؛ ترحب برأس المال ولكنها تزداد حذراً وريبة تجاه الأشخاص الذين يقفون خلفه.
وفي الوقت الذي تشدد فيه سنغافورة لوائحها، برزت دبي كبديل واضح يوفر اليقين والسرعة وقابلية التوسع. وفي عام 2025، احتلت الإمارات المرتبة الأولى في هجرة الثروات العالمية إليها بصافي تدفق بلغ نحو 9,800 مليونير، في حين تراجع صافي التدفق إلى سنغافورة إلى 1,600 مليونير، وهو نصف ما تم تسجيله في عام 2024.
وقد ساهمت «التأشيرة الذهبية» في دبي لمدة 10 سنوات، والتي تبدأ بحد أدنى للاستثمار العقاري قدره 2 مليون درهم (545,000 دولار)، في تسريع الانتقال، وخاصة عبر العقارات الفاخرة. وإلى جانب السياسات، صممت دبي منظومة مخصصة لرأس المال العالمي؛ حيث يحتضن مركز دبي المالي العالمي أكثر من 8,000 شركة مسجلة نشطة، بما في ذلك أكبر 5 بنوك صينية تسهم بنسبة 30% من إجمالي أصول المصارف وأسواق المال في المركز.
وتنعكس هذه الهجرة الدولية على المشهد داخل الصين نفسها. ووفقاً لقائمة «هورون» لأثرياء الصين لعام 2025، تفوقت شنغهاي بـ152 مليارديراً وشنتشن بـ147 على بكين التي يوجد فيها 146 مليارديراً، كأهم مراكز للأثرياء. ويشير هذا التحول إلى الابتعاد عن المراكز السياسية والتوجه نحو مراكز اقتصاد الاستهلاك وشبكات التجارة العالمية.
وبحسب التقرير فإن رواد الأعمال الذين يقودون هذا التغيير بنوا ثرواتهم على بناء العلامات التجارية والتكنولوجيا والتجارة الدولية. وبالنسبة لهذه الطبقة الجديدة من المليارديرات، فإن مركزاً عالمياً مثل دبي ليس مجرد خيار لنمط الحياة، بل هو ضرورة تجارية؛ فالمكاتب العائلية أصبحت تعمل كشركات ملكية خاصة تبحث عن الرشاقة والنمو، ودبي بموقعها الاستراتيجي في ملتقى طرق التجارة العالمية توفر هذه المنصة الديناميكية.
وأضاف التقرير، تعد تداعيات هذا الهروب لرؤوس الأموال عميقة بالنسبة للعلامات التجارية الفاخرة؛ فالأثرياء الصينيون لم يعودوا مجرد سياح يقصدون باريس أو ميلانو للتسوق، بل أصبحوا مقيمين في دبي وأبوظبي، حيث يتعلم أبناؤهم وتدار استثماراتهم وتتركز حياتهم الاجتماعية.
ويتطلب هذا التغيير إعادة تفكير جذرية في استراتيجيات التفاعل؛ فالمتجر الرئيس «دبي مول» لم يعد مجرد فرع ثانوي، بل صار نقطة اتصال حيوية مع قاعدة عملاء متنامية. ويجب على العلامات التجارية الاستثمار في كوادر تتحدث لغة الماندرين، وتصميم تجارب حصرية، وتوطين التسويق ليتناسب مع السياق الثقافي للخليج.
والهجرة الكبرى للثروات من سنغافورة إلى دبي هي مؤشر رائد لتحول أوسع؛ فرأس المال الصيني أصبح أكثر عالمية واستراتيجية من أي وقت مضى، والعلامات التجارية التي تدرك هذا التحول وتتكيف معه ستكون الأفضل حالاً لكسب ولاء الجيل القادم.
