الارشيف / حال المال والاقتصاد

قطاع التجزئة.. محرك رئيس للنمو الاقتصادي في دبي

قطاع التجزئة.. محرك رئيس للنمو الاقتصادي في دبي

ابوظبي - ياسر ابراهيم - السبت 28 فبراير 2026 11:36 مساءً - يُعد قطاع التجزئة من الركائز الأساسية التي يقوم عليها اقتصاد دبي، حيث يمثل محركاً رئيساً للنمو الاقتصادي غير النفطي، ورافداً مهماً لجذب الاستثمارات وتعزيز النشاط التجاري والسياحي.

ومع استمرار دبي في تنفيذ استراتيجيتها الاقتصادية طويلة المدى الهادفة إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، برز قطاع تجارة الجملة والتجزئة خلال 2025 كأحد أكثر القطاعات تأثيراً في دعم الناتج المحلي الإجمالي وتعزيز تنافسية الإمارة على المستوى العالمي.

وشهد العام الماضي أداءً اقتصادياً قوياً لدبي، مدعوماً بازدهار القطاعات الخدمية والتجارية، وفي مقدمتها قطاع التجزئة الذي استفاد من النمو السكاني، وارتفاع أعداد السياح، والتحول الرقمي المتسارع، إضافة إلى السياسات الحكومية المحفزة للأعمال والاستثمار.

وأثبت قطاع التجزئة أنه أحد الأعمدة الأساسية التي يرتكز عليها اقتصاد دبي، حيث ساهم بشكل مباشر في تعزيز الناتج المحلي الإجمالي، ودعم التنويع الاقتصادي، وجذب الاستثمارات العالمية، وتوفير فرص العمل. ونجحت دبي في تحويل تجارة التجزئة من نشاط اقتصادي تقليدي إلى منظومة متكاملة تجمع بين الابتكار والتكنولوجيا والسياحة والخدمات اللوجستية، ما عزز مكانتها عاصمة إقليمية وعالمية للتجارة.

ومع استمرار التطوير التشريعي والاستثمار في الاقتصاد الرقمي والبنية التحتية، من المتوقع أن يظل قطاع التجزئة أحد أهم محركات النمو الاقتصادي في دبي خلال السنوات القادمة، مساهماً في تحقيق رؤية الإمارة نحو اقتصاد مستدام قائم على المعرفة والتنافسية العالمية.

إرث قوي

ودخلت سوق التجزئة في دبي عام 2026 وهي تحمل إرث أداء قوي سجّلته خلال الربع الثالث من 2025، حين وصلت نسب الإشغال في المراكز التجارية الكبرى، مثل دبي مول ومول ، إلى نحو 98 %، في واحد من أعلى المستويات المسجلة خلال السنوات الأخيرة.

ولم يكن هذا الرقم مجرد مؤشر إحصائي، بل عكس حالة من الاستقرار والثقة بالسوق، مدعومة بحركة زوار نشطة وتدفقات سياحية مستمرة، جعلت من هذه المراكز وجهات قائمة بذاتها، لا مجرد أماكن للبيع.

وخلال الربع الثالث من عام 2025، كشفت السوق بوضوح عن تحدٍّ رئيس تمثل في شح المعروض من المساحات التجارية المتميزة مقابل طلب متزايد من العلامات التجارية المحلية والعالمية.

هذا الواقع دفع العديد من المستأجرين إلى تجديد عقودهم بدل البحث عن مواقع جديدة، حتى مع ارتفاع الإيجارات بنسب تراوحت بين 7 و15 % في المناطق الرئيسة. وبدا أن الموقع الجيد أصبح عاملاً حاسماً في قرار التاجر، يتقدم على كلفة الإيجار نفسها، وخصوصاً في بيئة تنافسية تعتمد على حجم الحركة اليومية.

ومع دخول النصف الأول من 2026، بدأت ملامح مرحلة أكثر توازناً بالظهور، مدفوعة بالإعلان عن افتتاح وتوسعة عدد من مراكز التسوق والمشاريع متعددة الاستخدامات خلال العام الجاري. هذه الخطوات جاءت استجابة طبيعية للطلب المتراكم خلال 2025، ومحاولة لامتصاص جزء من الضغط الذي واجهته المولات الكبرى، دون التأثير في مكانتها أو دورها المحوري في مشهد التجزئة.

إعادة توزيع الطلب

ويرى مختصون في القطاع أن هذه الإضافات الجديدة لا تعني تراجع جاذبية المراكز التجارية الكبرى، بقدر ما تعكس توجهاً نحو إعادة توزيع الطلب بين المولات الرئيسة والمراكز المجتمعية والأسواق الحديثة.

ففي الوقت الذي تحافظ فيه المواقع المتميزة على معدلات إشغال مرتفعة وقدرة أكبر على تمرير الزيادات الإيجارية، بدأت المراكز الأصغر تستقطب علامات تبحث عن القرب من الأحياء السكنية وتكلفة تشغيل أكثر مرونة.

وكان الربع الثالث من 2025 قد شهد قفزة قياسية في مبيعات أصول التجزئة، تجاوزت 1.1 مليار درهم في ربع واحد، ما عزز ثقة المستثمرين بهذا القطاع بوصفه أصلاً مدرّاً للدخل ومستقر العوائد. ومع مطلع 2026، لا تزال هذه الثقة قائمة، وخصوصاً تجاه الأصول المرتبطة بالمراكز الكبرى والمواقع ذات الكثافة السياحية العالية.

وتأتي هذه التحولات في ظل استمرار الزخم السياحي والنمو السكاني في دبي، ما يحافظ على مستويات مرتفعة من الطلب الاستهلاكي، ويدعم أداء قطاع التجزئة رغم ارتفاع التكاليف التشغيلية في بعض المواقع، وخاصة خلال مواسم الذروة ومهرجانات التسوق.

ويخلص محللون إلى أن المقارنة بين أداء الربع الثالث من 2025 وبدايات 2026 تظهر انتقال سوق التجزئة في دبي من مرحلة ذروة الطلب وشح المعروض إلى مرحلة إدارة النمو، حيث يصبح التحدي الأساسي هو تحقيق توازن دقيق بين توسعة العرض، والحفاظ على جودة المواقع، وضمان استدامة العوائد الاستثمارية في سوق تتسم بالتنافسية العالية.

نمو سنوي

ويمثل قطاع تجارة الجملة والتجزئة أحد أكبر المكونات في الاقتصاد المحلي لدبي، حيث سجل خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 قيمة بلغت 86.9 مليار درهم، مع نمو سنوي قدره 4.6 % مقارنة بعام 2024، مساهماً بنسبة 25.9 % من الناتج المحلي الإجمالي للإمارة، وهو ما يجعله أكبر قطاع اقتصادي من حيث المساهمة في الناتج المحلي.

وتعكس هذه الأرقام الدور الحيوي الذي يلعبه القطاع في دعم النشاط الاقتصادي، إذ لا يقتصر تأثيره على عمليات البيع المباشر، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية والنقل والتخزين والتسويق والخدمات المالية. كما أظهرت البيانات الاقتصادية أن القطاع حافظ على نمو مستقر خلال عام 2025، حيث استمر في دعم الاقتصاد المتنوع لدبي وسط التحديات الاقتصادية العالمية وتقلبات الأسواق الدولية.

وتتمتع دبي بموقع فريد يربط بين أسواق آسيا وأوروبا وأفريقيا، ما جعلها مركزاً عالمياً لإعادة التصدير والتجارة الدولية. هذا الموقع ساهم في تحويل الإمارة إلى منصة رئيسة للعلامات التجارية العالمية التي تتخذ منها نقطة انطلاق للأسواق الإقليمية.

وارتبط نمو تجارة التجزئة ارتباطاً وثيقاً بانتعاش السياحة في دبي، حيث استقبلت الإمارة نحو 13.95 مليون زائر دولي خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025، بنمو بلغ 5 % مقارنة بالعام السابق. ويمثل السياح شريحة إنفاق رئيسة في مراكز التسوق والأسواق التقليدية، وخصوصاً في قطاعات الأزياء والمجوهرات والإلكترونيات والمنتجات الفاخرة.

تجارة وخدمات

ويشكل قطاع التجزئة إحدى أهم أدوات دبي لتحقيق التحول نحو اقتصاد قائم على الخدمات والتجارة بدلاً من النفط. وتشير التقديرات إلى أن القطاع غير النفطي يمثل أكثر من 77 % من الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات، ما يعكس نجاح سياسات التنويع الاقتصادي.

ويلعب قطاع التجزئة دوراً محورياً في هذا التحول من خلال تعزيز الاستهلاك المحلي، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، وخلق فرص عمل واسعة.

وقد تصدر قطاع تجارة الجملة والتجزئة توزيع المنشآت الاقتصادية في الدولة بنسبة 30.22 % خلال عام 2025، ما يؤكد اتساع قاعدة النشاط التجاري. وشهد عام 2025 اهتماماً متزايداً من المستثمرين الدوليين بقطاع التجزئة في دبي، وخاصة في تجارة السلع الفاخرة.

ومن أبرز الأمثلة إعلان شركة تيتان الهندية نيتها الاستحواذ على حصة أغلبية في شركة «داماس» للمجوهرات، في صفقة قدرت قيمتها بأكثر من 1.04 مليار درهم، بهدف تعزيز وجودها في سوق الشرق الأوسط انطلاقاً من دبي. وتعكس هذه الاستثمارات الثقة العالمية ببيئة الأعمال بدبي، وقوة الطلب الاستهلاكي، ومكانة الإمارة كمركز إقليمي للبيع بالتجزئة.

ويعد قطاع التجزئة من أكبر مولدات الوظائف في دبي، إذ يوفر فرص عمل مباشرة في المبيعات والتسويق والإدارة والخدمات اللوجستية والتجارة الإلكترونية. كما يخلق وظائف غير مباشرة في قطاعات النقل والتخزين والتكنولوجيا والسياحة. ويسهم توسع المتاجر ومراكز التسوق والمنصات الرقمية في استيعاب أعداد كبيرة من القوى العاملة متعددة المهارات.

وتشكل التسوق أحد أهم دوافع زيارة دبي، حيث تعد الإمارة وجهة عالمية للسياحة التجارية والترفيهية. كما يؤدي توسع مراكز التسوق والمجمعات التجارية إلى زيادة الطلب على المشاريع العقارية التجارية والسكنية.

Advertisements

قد تقرأ أيضا