ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 2 مارس 2026 03:36 مساءً - على مدى عقود، ارتبط اسم بوتسوانا بالألماس، حتى أصبحت إحدى أبرز قصص النجاح الاقتصادي في أفريقيا بفضل ثروتها من الأحجار الكريمة، لكن اليوم، تقف البلاد على أعتاب تحول استراتيجي قد ينقلها من سوق المجوهرات إلى قلب سباق عالمي أكثر تعقيدا وحساسية، سباق العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية.
ففي وقت تتسابق فيه القوى الكبرى لتأمين إمدادات المعادن اللازمة لصناعة السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح والتقنيات الدفاعية، برز اكتشاف جديد في شمال غرب بوتسوانا ليضع الدولة الأفريقية ضمن خريطة الموردين المحتملين لهذه الموارد الاستراتيجية. هذا التطور لا يمثل مجرد خبر جيولوجي، بل إشارة إلى إعادة تموضع اقتصادي قد تعيد رسم دور بوتسوانا في سلاسل التوريد العالمية.
ففي قلب الجنوب الأفريقي، حيث تمتد محمية كافانغو زامبيزي العابرة للحدود على مساحة تقارب 520 ألف كيلومتر مربع عبر خمس دول، يعرف الزوار المنطقة بوصفها ملاذًا للحياة البرية وأكبر تجمع للأفيال في العالم. لكن بعيدًا عن عدسات السياح، وتحديدًا شمال غرب بوتسوانا قرب قرية شاكاوي، كانت فرق جيولوجية تحفر في الصخور بحثًا عن ثروة من نوع آخر ثروة قد تغيّر موقع البلاد على خريطة سلاسل التوريد العالمية.
شركة تسوديلو ريسورسز ليمتد الكندية أمضت شهورا في تحليل عينات من موقعين أطلقت عليهما C26 وC27 ضمن مشروع "غتشويهابا". النتائج التي كُشف عنها في فبراير 2026 أظهرت وجود العناصر الأرضية النادرة الخمسة عشر المدرجة ضمن قائمة المعادن الحيوية لعام 2025 الصادرة عن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية.
ويعد الاكتشاف تطور مهم في ظل احتدام المنافسة بين واشنطن وبكين على المعادن الاستراتيجية.
الرواسب المكتشفة تقع على عمق يتراوح بين 20 و50 مترًا فقط، وهو عامل جوهري لأن الرواسب السطحية أقل تكلفة في الاستخراج. وأظهرت عمليات الحفر وجود تمعدن من نوع “السكارن”، وهو تكوين صخري ينشأ عندما تؤثر سوائل حرارية ناتجة عن تبريد الصهارة في الصخور الكربوناتية، ما يؤدي إلى تركيز معادن متعددة في مساحة محدودة. إلى جانب العناصر الأرضية النادرة، كشفت النتائج عن وجود النحاس والكوبالت والنيكل والفاناديوم والفضة، ما يعزز القيمة الاقتصادية المحتملة للمشروع، وفقا لموقع " Business Insider "
لطالما ارتبط اسم بوتسوانا بالألماس عبر شراكتها التاريخية مع مجموعة دي بيرز، التي شكّلت العمود الفقري لاقتصادها لعقود. لكن الحكومة اليوم تسعى إلى تنويع مصادر الدخل، وقد أكدت غرفة مناجم بوتسوانا توجه البلاد نحو جذب استثمارات في المعادن الحيوية، مستفيدة من سمعتها كواحدة من أكثر الدول الأفريقية استقرارًا سياسيًا وتنظيميًا.
تكتسب هذه الخطوة أهمية مضاعفة في سياق التحول العالمي للطاقة. فبحسب وكالة الطاقة الدولية، قد يتضاعف الطلب على المعادن الحيوية أكثر من مرتين بحلول 2030 في ظل سياسات الانتقال الطاقي الحالية. تعتمد السيارات الكهربائية على مغناطيسات دائمة تحتوي على عناصر أرضية نادرة، كما تستخدمها توربينات الرياح وأنظمة الدفاع والتقنيات المتقدمة.
غير أن العثور على الخام ليس سوى نصف المعادلة. إذ تسيطر الصين حاليا على نحو 85% من قدرات معالجة وفصل العناصر الأرضية النادرة عالميًا، ما يجعل عنق الزجاجة الحقيقي في مرحلة التكرير لا الاستخراج. ورغم أن الاكتشاف في بوتسوانا واعد، فإنه لا يزال في مراحله الاستكشافية المبكرة، دون تقدير نهائي للموارد أو دراسة جدوى تعدين مكتملة.
تقديرات الشركة الأولية تشير إلى هدف استكشافي يتراوح بين 81 و97 مليون طن من خام السكارن، بنسبة إجمالية لأكاسيد العناصر الأرضية النادرة بين 0.05% و1.5%. أعلى نسبة مسجلة بلغت 1.49% في أحد الآبار، وهي نسبة تقع ضمن نطاق مشاريع مماثلة عالميا، مع أهمية خاصة لتركيب المعادن مثل الباستناسيت والمونازيت والألانايت، المعروفة بوجود مسارات معالجة صناعية لها.
إذا نجح المشروع تجاريا، فقد تنتقل بوتسوانا من اقتصاد يعتمد على الأحجار الكريمة إلى لاعب في سلاسل إمداد الطاقة النظيفة والتصنيع المتقدم. وبينما يبقى الطريق طويلًا من الحفر إلى الإنتاج، فإن هذا الاكتشاف يضع بوتسوانا في قلب معركة المعادن التي سترسم ملامح الاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.
