ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 13 أبريل 2026 04:51 مساءً - العالم لم يعد كما كان، فخلال السنوات الماضية تحولت خريطة الاقتصاد من ساحة نمو وتكامل إلى مسرح مفتوح للأزمات والصدمات جراء وتيرة الأحداث التي شهدها العالم، حيث بدأت القصة مع جائحة «كوفيد 19» التي شلّت الاقتصاد العالمي وأوقفت سلاسل الإمداد. ثم جاءت الحرب بين روسيا وأوكرانيا لتفجر أزمة طاقة وغذاء هزت الأسواق من أوروبا إلى أفريقيا، وفي الشرق الأوسط. ولم يكد العالم يفيق من تلك الأزمات، حتى عادت التوترات الجيوسياسية لتتصاعد مجدداً مع الحرب الأمريكية الإيرانية.
ولم تتوقف تداعيات هذه الضربات عند حدود المواجهة العسكرية، بل امتدت سريعاً إلى شريان الطاقة العالمي، حيث شهد مضيق هرمز اضطرابات حادة في حركة الملاحة، وسط مخاوف من إغلاق جزئي أو استهداف ناقلات النفط.
ويعد المضيق ممراً حيوياً يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية يومياً، ما جعل أي توتر فيه ينعكس فوراً على الأسواق، سواء من خلال ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين أو تقلبات أسعار الطاقة.
وهكذا، لم تعد الأزمات الجيوسياسية مجرد أحداث إقليمية، بل تحولت إلى صدمات عالمية سريعة الانتقال، تضغط على الاقتصاد الدولي وتزيد من هشاشته في توقيت لم يتعافَ فيه بالكامل بعد من أزمات سابقة.
وفي عالم تتداخل فيه الحروب مع الأزمات الصحية والاضطرابات السياسية، يبدو أن الاقتصاد لم يعد يواجه أزمات دورية، بل يعيش داخلها بشكل دائم، وكأن حالة الطوارئ أصبحت هي الوضع الطبيعي الجديد ليتأرجح من صدمة إلى أخرى.
ولا يعكس تصاعد التوترات الجيوسياسية مجرد حالة من القلق النظري، بل تؤكده مؤشرات وبيانات حديثة، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 70 % من البنوك المركزية حول العالم باتت تعتبر هذه التوترات الخطر الأكبر على الاقتصاد العالمي في الوقت الراهن.
فخلال العقد الماضي، تشكل الاقتصاد العالمي عبر صدمات متداخلة، وليس عبر أحداث منفصلة، فبعد تداعيات جائحة كوفيد 19، جاءت الحرب بين روسيا وأوكرانيا، ثم تصاعدت التوترات في الشرق الأوسط.
يأتي هذا إلى جانب أزمات فرعية أخرى مثل احتدام المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، لتخلق ما يسميه بعض الاقتصاديين بـ«تعدد الأزمات».
وتكشف البيانات الحديثة حجم هذا التحول، فوفقاً لتحليلات صادرة عن صندوق النقد الدولي، يمكن للنزاعات المستمرة أن تخفض الناتج الاقتصادي للدول بنحو 7 % خلال خمس سنوات، مع آثار تمتد لأكثر من عقد كامل، هذه ليست صدمة مؤقتة، بل هي ضرر هيكلي طويل الأمد.
وعلى المستوى العالمي، تتسع رقعة عدم الاستقرار، فخلال عام 2024، كانت أكثر من 35 دولة تعيش في حالة نزاع، ما يؤثر على ما يقارب نصف سكان العالم، مع الإشارة إلى أن هذا الحجم من الاضطرابات لم يُسجل في العصر الحديث خارج نطاق الحروب العالمية. ورغم استمرار النمو في بعض المؤشرات، فإنه يأتي تحت ضغط واضح.
وبلغ حجم التجارة العالمية نحو 35 تريليون دولار في 2025، إلا أن هذا النمو يخفي وراءه هشاشة متزايدة، إذ بات مدفوعاً بارتفاع الأسعار وإعادة تشكيل العلاقات التجارية أكثر من كونه ناتجاً عن طلب مستقر.
كما أن بنية العولمة نفسها تتغير، إذ تشير تقديرات إلى أن تفكك الاقتصاد العالمي إلى كتل جيوسياسية قد يؤدي إلى تراجع الناتج العالمي بنسبة تصل إلى 7 % على المدى الطويل.
وفي الوقت ذاته، تؤكد دراسات أن ارتفاع المخاطر الجيوسياسية يحد بشكل مباشر من انفتاح التجارة العالمية.
وفي ظل هذه الأجواء المضطربة، يُتوقع أن يسجل الاقتصاد العالمي نمواً لا يتجاوز 2.7 % في عام 2026، وهو مستوى يقل بشكل ملحوظ عن متوسط النمو البالغ 3.2 % خلال الفترة التي سبقت جائحة كورونا، ما يعكس تباطؤاً هيكلياً تحت ضغط الأزمات المتلاحقة.
باختصار، لم تعد الأزمات أحداثاً منفصلة، بل أصبحت متراكمة ومتشابكة ومترسخة في صميم النظام الاقتصادي العالمي.
ويعد التضخم من أبرز القنوات التي تنتقل عبرها آثار التوترات الجيوسياسية إلى الاقتصاد، خاصة من خلال أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.
التطورات الأخيرة تقدم مثالاً واضحاً، فقد وُصفت الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط بأنها ثالث صدمة اقتصادية كبرى عالمياً خلال سنوات قليلة، بعد جائحة كوفيد 19 والحرب في أوكرانيا، وقد أدت بالفعل إلى خفض توقعات النمو العالمي ورفع توقعات التضخم.
وفي الولايات المتحدة، خفض الاقتصاديون توقعات نمو الناتج المحلي لعام 2026 إلى نحو 2 %، مع رفع توقعات التضخم إلى 3.2 %، نتيجة اضطرابات مرتبطة بالحروب.
كما أن أسعار البنزين قفزت هناك بنسبة 21 % خلال شهر واحد فقط، وهي أكبر زيادة شهرية منذ عام 1967، ما يعكس سرعة انتقال الصدمات الجيوسياسية إلى المستهلكين.
وتبقى أسواق الطاقة في قلب هذه التقلبات، فقد أدى إعلان وقف إطلاق نار مؤقت في الشرق الأوسط إلى هبوط أسعار النفط بنسبة 15.5 % خلال يوم واحد، ما يوضح مدى حساسية الأسواق لأي تطور سياسي.
ولا تتوقف تداعيات الأزمات العالمية عند حدود دول بعينها، بل تنتقل إلى بقية دول العالم عبر ما يُعرف بـ«التضخم المستورد»، ويقصد به ببساطة أن ترتفع أسعار السلع والخدمات داخل الدولة نتيجة ارتفاع تكلفة شرائها أو شحنها من الخارج، وليس بسبب عوامل اقتصادية داخلية.
وتعد الهند نموذجاً واضحاً لهذا التأثير؛ حيث سجل التضخم المستورد في بعض مناطقها مستويات قياسية وصلت إلى 9.5 %.
ويعود هذا الارتفاع بشكل مباشر إلى التوترات الجيوسياسية العالمية، التي تسببت في زيادة تكاليف استيراد المواد الأساسية والطاقة، مما انعكس في نهاية المطاف على أسعار المستهلك النهائي.
ولا تقتصر تداعيات هذه الاضطرابات على مؤشرات التضخم فحسب، بل تمتد إلى الأبعاد الإنسانية، حيث يواجه نحو 45 مليون شخص حول العالم خطر انعدام الأمن الغذائي نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الغذاء المرتبط بالنزاعات. بمعنى آخر، لم يعد التضخم ظاهرة اقتصادية تقليدية، بل أصبح انعكاساً مباشراً للتوترات الجيوسياسية. وربما يكون التأثير الأعمق لتصاعد التوترات هو إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي نفسه.
وعلى مدى عقود، قامت العولمة على مبدأ الكفاءة، حيث سعت الشركات إلى تقليل التكاليف عبر توزيع الإنتاج عالمياً، أما اليوم، فقد أصبحت الأولوية للمرونة والأمن، حتى لو كان ذلك على حساب الكفاءة.
وتشير المؤشرات إلى تغير واضح في أنماط التجارة، فالولايات المتحدة تتجه نحو تنويع سلاسل الإمداد بعيداً عن الصين، فيما يُعرف باستراتيجية «الصين +1»، مع تزايد الاعتماد على دول جنوب شرق آسيا.
وفي الوقت ذاته، تتزايد تدخلات الحكومات، فقد ارتفعت التعريفات الجمركية في الاقتصادات الكبرى إلى مستويات تُعد من الأعلى تاريخياً في العصر الحديث.
ووفق بيانات صادرة عن مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، فإن التعريفات التي فرضتها الولايات المتحدة بلغت في بعض الفترات خلال العام الماضي أعلى مستوياتها منذ عام 1910 أي ما يزيد على قرن.
ورغم ذلك، لم تشهد التجارة العالمية انهيارًا، بل استمرت في النمو، حيث ارتفعت بنحو 500 مليار دولار خلال النصف الأول من 2025، إلا أن هذا النمو أصبح غير متوازن، ويعتمد بشكل أكبر على اعتبارات غير اقتصادية.
في المقابل، تزداد حاليًا هشاشة النظام الاقتصادي العالمي في ظل الاعتماد الكبير على البنية المالية، إذ تعتمد أكثر من 80% من التجارة العالمية على النظام المالي العالمي، ما يجعل أي اضطراب فيه كفيلًا بإحداث تأثيرات متسلسلة وسريعة على حركة التجارة والنمو الاقتصادي.
وتشير هذه البيانات إلى أن الاقتصاد العالمي بات أقل تكاملًا، وأكثر عرضة للتقلبات، وأقل قدرة على امتصاص الصدمات. وتشير المعطيات إلى أن الاقتصاد العالمي لا يمر بفترة اضطراب عابرة، بل يعيش تحولًا هيكليًا عميقًا.
لم تعد الأزمات أحداثًا مؤقتة يعقبها تعافٍ، بل أصبحت عوامل مستمرة تؤثر في كل جوانب الاقتصاد، من التضخم إلى التجارة، ومن الاستثمار إلى السياسات النقدية، كل أزمة تغذي الأخرى، في سلسلة متشابكة يصعب كسرها.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن الاقتصاد العالمي يتجه نحو الانهيار، فالنمو لا يزال قائمًا، والتجارة مستمرة، والابتكار لم يتوقف، لكن طبيعة هذا النمو تغيّرت، إذ أصبحت أكثر هشاشة، وأكثر ارتباطًا بالتطورات السياسية.
ويبقى السؤال الحقيقي: ليس ما إذا كنا دخلنا عصر الاقتصاد القائم على الأزمات، بل ما إذا كان العالم مستعدًا للتكيف مع واقع أصبحت فيه الأزمات هي الوضع الطبيعي.
