ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 13 أبريل 2026 08:36 مساءً - دخلت أزمة مضيق هرمز مرحلة أشد خطورة بعد إعلان القيادة المركزية الأمريكية الشرق الأوسط (سينتكوم) بدء حصار بحري على حركة السفن الداخلة إلى الموانئ الإيرانية والخارجة منها، مع الإبقاء على عبور السفن غير المتجهة إلى إيران.
وما إن أُعلن الحصار حتى قفز خام برنت 7% ليبلغ 102 دولار للبرميل، بارتفاع إجمالي بلغ 40% منذ اندلاع الحرب، فيما صعد خام وسيط تكساس الأمريكي 7.8% إلى 104 دولارات للبرميل، أي بأكثر من 50% مقارنة بما كان عليه قبل إغلاق المضيق. وقد وصف فاتح بيرول، رئيس وكالة الطاقة الدولية، هذا التعطل بأنه "أسوأ صدمة طاقة شهدها العالم على الإطلاق، وهي أشد وطأةً من أزمتَي النفط في السبعينيات وأزمة الحرب على أوكرانيا مجتمعَتين".
ويُخاطر الحصار بتوتر دبلوماسي خطير مع الصين إن أوقفت البحرية الأمريكية سفنها، في وقت يستعد فيه ترامب لقمة مرتقبة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ.
الخاسر الأكبر
ولو أردنا الحديث عن المتضررين في هذه الأزمة نجد أن الضرر الأكبر يقع على إيران؛ فهي تخسر إيراداتها البحرية وقدرتها على التصدير في آنٍ واحد. وقد كانت وزارة الخزانة الأمريكية فرضت في ديسمبر الماضي عقوبات على أكثر من 180 سفينة ضمن ما تُسميه "أسطول الظل" المستخدم لنقل النفط الإيراني. هذه الإجراءات رفعت كلفة التصدير وخفضت الإيراد المحقق من كل برميل. ومع الطوق البحري المعلن الآن، نقلت رويترز أن نحو مليوني برميل يومياً من النفط الإيراني مهددة بالاحتجاز خارج السوق، ما يعني أن إيران لا تخسر فقط حرية الحركة، بل تخسر أيضاً العائد النقدي، والمرونة اللوجستية، وقدرة المشترين على المجازفة بالوصول إلى موانئها.
اقتصادات آسيا
تُعدّ الاقتصادات الآسيوية المستوردة للطاقة من أشد المتضررين؛ إذ تؤكد وكالة الطاقة الدولية أن نحو 20 مليون برميل يومياً مرّت عبر المضيق في 2025، وأن 80% منها تتجه إلى آسيا.
تواجه دول جنوب آسيا الاضطراب الأشد حدة، لا سيما في الغاز الطبيعي المسال؛ إذ تأتي عبر هرمز 99% من واردات باكستان من الغاز المسال، و72% من واردات بنغلاديش، و53% من واردات الهند. وتبقى باكستان وبنغلاديش الأكثر هشاشةً بسبب محدودية احتياطياتهما.
أما الصين، فهي الأكثر مرونةً نسبياً رغم انكشافها الكبير؛ إذ يمر نحو 40% من وارداتها النفطية عبر هرمز، و30% من وارداتها من الغاز المسال. غير أن احتياطياتها من الغاز المسال توفر لها هامشاً للمناورة في المدى القصير.
في المقابل، تُعدّ اليابان وكوريا الجنوبية من الأكثر تضرراً، إذ يأتي 75% من واردات اليابان النفطية و70% من واردات كوريا عبر مضيق هرمز، فيما لا تتجاوز احتياطياتهما من الغاز المسال ما يكفي لأسبوعين إلى أربعة أسابيع.
أوروبا والولايات المتحدة
تعاني أوروبا من ثاني أزمة طاقة كبرى منذ الحرب على أوكرانيا؛ إذ تزامنت الأزمة مع مستويات تاريخية متدنية لاحتياطيات الغاز الأوروبية عند 30% فقط عقب شتاء 2025-2026 القارس، ما دفع مؤشر TTF الهولندي للغاز (هو مركز تداول افتراضي في هولندا يُعدّ المعيار الأساسي لأسعار الغاز الطبيعي في أوروبا) إلى ما يقارب الضعف ليبلغ أكثر من 60 يورو لكل ميغاواط ساعة.
كم أجّل البنك المركزي الأوروبي تخفيضاته المقررة لأسعار الفائدة، مع رفع توقعاته للتضخم وخفض توقعات النمو، فيما يتوقع اقتصاديون أن يتجاوز التضخم في بريطانيا 5% خلال 2026.
تبقى الولايات المتحدة الأقل تضرراً؛ إذ لا تعتمد على هرمز إلا في 7% من وارداتها النفطية. بيد أن التضخم ارتفع إلى 3.3% في مارس من 2.4% في فبراير الماضي، وتجاوز سعر غالون البنزين 4 دولارات، وهو ما يُشكّل ضغطاً سياسياً داخلياً على إدارة ترامب قبيل الانتخابات النصفية.
وأعلنت وكالة الطاقة الدولية عن إطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية، غير أن هذه الكمية لا تعادل سوى أربعة أيام من الاستهلاك العالمي البالغ 105 ملايين برميل يومياً، وعشرين يوماً فقط من حركة هرمز المعتادة. وخلص المحللون إلى أن هذه الاحتياطيات قادرة على تهدئة الأسواق مؤقتاً لا على حل الأزمة البنيوية.
قطاع الشحن والغذاء العالمي
قبل تصاعد الأزمة، كانت نحو 150 سفينة تعبر المضيق يومياً، أما في مارس بأكمله، فلم يتجاوز عدد السفن العابرة 150 سفينة طوال الشهر، وهو انهيار شبه تام في حركة الملاحة. وتمتد الأضرار إلى قطاعات غير مباشرة؛ فقد أسهم تعطل الرحلات الجوية عبر إغلاق المجال الجوي في ممرات رئيسية بين أفريقيا وآسيا وأوروبا في رفع تكاليف السفر وأسعار وقود الطيران بأكثر من ضعفَين.
تتشابك في هذه الأزمة مصالح دول وقارات، ويمتد أثرها من ناقلات النفط العملاقة إلى المستهلك الفقير في دول نامية بعيدة جغرافياً عن مضيق هرمز لكنها مرتبطة به عبر أسواق الطاقة والغذاء والشحن. ويرى المحللون أن تصريف الأسواق للسفن المتوقفة على جانبي المضيق قد يستغرق أسابيع حتى بعد التوصل إلى أي حل، في حين يحذر بعضهم من أن الأسعار قد تبلغ 150 دولاراً للبرميل إن تفاقم الوضع.
