حال المال والاقتصاد

دبي تخرج من كل تحدٍ أكثر قوة وتنافسية

دبي تخرج من كل تحدٍ أكثر قوة وتنافسية

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 19 أبريل 2026 11:36 مساءً - أكد معالي المهندس سلطان بن سعيد المنصوري رئيس مجلس إدارة غرف دبي، أن دبي تواصل ترسيخ نموذج اقتصادي متفرد في التعامل مع التحديات العالمية، مستندة إلى رؤية استراتيجية، يقودها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله»، تقوم على تحويل الأزمات إلى فرص للنمو والتطوير، وتعزيز مرونة الاقتصاد وقدرته على التكيف مع مختلف المتغيرات.

وقال المنصوري في حوار خاص مع «حال الخليج»، إن دبي واجهت عبر تاريخها سلسلة من الأزمات العالمية والإقليمية، ونجحت في بناء نموذج اقتصادي مرن، وقادر على التكيف السريع مع مختلف المتغيرات، مشيراً إلى أنه رغم الظروف الاستثنائية الأخيرة، فقد سجلت غرف دبي خلال الفترة من بداية شهر مارس وحتى 10 أبريل الجاري، أي خلال 40 يوماً، انضمام أكثر من 3900 شركة جديدة إلى عضويتها، منها 1217 شركة خلال الأيام العشر الأولى من شهر أبريل، الأمر الذي يعكس استمرار ثقة المستثمرين في دبي مركزاً عالمياً رائداً لتأسيس وتوسع الأعمال.

وأضاف المنصوري أن دبي اليوم تمثل واحدة من أكثر البيئات أماناً واستقراراً على مستوى العالم، بفضل نهج القيادة الرشيدة، التي تضع الأمن والنمو الاقتصادي في صدارة الأولويات، مشيراً إلى أن هذا الاستقرار لم يكن وليد اللحظة، بل ثمرة منظومة متكاملة، تجمع بين قوة الاقتصاد وصلابة المؤسسات، وانفتاح الدولة على مختلف الجنسيات والثقافات، متوقعاً أن تشهد المرحلة المقبلة زخماً أكبر في النمو، مدفوعاً برؤية استراتيجية واضحة، تواصل بناء اقتصاد أكثر تنافسية واستدامة.

وأشار إلى أن غرف دبي تلعب دوراً محورياً في تمكين القطاع الخاص، من خلال تمثيل مصالحه، وتعزيز قنوات التواصل مع الجهات الحكومية والمؤسسات المالية، وتوفير حلول تدعم استمرارية الأعمال، خاصة للشركات الصغيرة والمتوسطة، في ظل التحديات المرتبطة بسلاسل الإمداد والتقلبات الاقتصادية العالمية.

وفي ما يتعلق بحركة تأسيس الأعمال، أكد المنصوري أن المؤشرات الإيجابية لا تقتصر على تسجيل الشركات، بل تشمل أيضاً تزايد إقبال المستثمرين الدوليين على الاستقرار في دبي، مدفوعين بعوامل الأمن والاستقرار، والتي تشكل ركائز أساسية للنمو الاقتصادي المستدام.

وبيّن أن قطاع العقارات وخدمات الأعمال تصدر قائمة الأنشطة الأكثر جذباً للشركات الجديدة، تلاه قطاع التجارة والخدمات، ثم قطاع البناء، ما يعكس تنوع القاعدة الاقتصادية، واستمرار الزخم في المشاريع التنموية.

وفي ما يلي نص الحوار:

ما دور غرف دبي في تمكين القطاع الخاص وتعزيز مرونته وقدرته على النمو، في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة والتحديات الجيوسياسية الراهنة؟

تضطلع غرف دبي بدور محوري في دعم وتمكين القطاع الخاص، باعتباره جزءاً أساسياً من المنظومة الاقتصادية المتكاملة في إمارة دبي، ورافعة رئيسة لتعزيز تنافسية اقتصاد دولة .

وتعمل غرف دبي على تمثيل صوت القطاع الخاص ونقل تحدياته إلى الجهات المعنية، لا سيما في ظل المتغيرات الجديدة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، مثل اضطرابات سلاسل الإمداد، والتغيرات في بيئة الأعمال. كما تواصل الغرف تعزيز قنوات التواصل بين الشركات والمؤسسات المالية، لضمان توفير حلول تمويلية مرنة، تدعم استمرارية الأعمال، خصوصاً للشركات الصغيرة والمتوسطة.

وتركز غرف دبي على تطوير بيئة الأعمال، وإطلاق مبادرات نوعية تسهم في رفع كفاءة الشركات، وتعزيز قدرتها على التكيف مع المتغيرات. كما تحرص على تمكين القطاع الخاص من الاستفادة من الفرص الجديدة، وترسيخ مكانة دبي مركزاً اقتصادياً عالمياً، يتمتع بالمرونة والقدرة على النمو المستدام.

وأثبتت الغرف جاهزيتها للتعامل مع المتغيرات المختلفة، مستندة إلى علاقاتها الوثيقة مع مجتمع الأعمال، حيث تضم الغرف في عضويتها أكثر من 292 ألف شركة، إلى جانب أكثر من 70 مجموعة أعمال، تمثل قطاعات اقتصادية متنوعة. وتعد مجموعات ومجالس الأعمال منصة أساسية للتواصل المباشر مع مختلف القطاعات، خصوصاً خلال فترات الأزمات، بما يتيح رصد التحديات والاستجابة لها بفعالية.

وتمتلك دبي سجلاً حافلاً في التعامل مع الأزمات والتحديات، بدءاً من تداعيات الأزمات الجيوسياسية، مروراً بالأزمة المالية العالمية في 2008، وصولاً إلى جائحة كوفيد 19، حيث نجحت الإمارة في تحويل التحديات إلى فرص للنمو والتطوير، مستندةً إلى رؤية القيادة الرشيدة التي تركز على استخلاص الدروس، وتعزيز الجاهزية المستقبلية.

زخم تأسيس الأعمال

كيف تقيمون حركة تأسيس الأعمال في دبي في ظل الظروف الإقليمية الراهنة، وما مدى تأثر بيئة الاستثمار بهذه المستجدات؟

تواصل دبي ترسيخ مكانتها بيئة مستقرة وآمنة وجاذبة للأعمال، تتمتع بفرص نمو قوية، مدعومة بالأداء المتميز للمؤسسات الحكومية على المستويين المحلي والاتحادي، إلى جانب التعاون الفعّال مع القطاع الخاص.

ورغم الظروف الاستثنائية التي شهدتها المنطقة مؤخراً، فقد سجلت غرفة تجارة دبي خلال الفترة من بداية شهر مارس وحتى 10 أبريل، أي خلال نحو 40 يوماً، انضمام أكثر من 3900 شركة جديدة إلى عضويتها، منها نحو 1217 شركة خلال الأيام العشر الأولى من أبريل الجاري، وهو ما يعكس استمرار ثقة المستثمرين في دبي مركزاً رئيساً لتأسيس وتوسيع الأعمال. ولا تقتصر المؤشرات الإيجابية على تسجيل الشركات فحسب، بل تشمل أيضاً تزايد إقبال مستثمرين من الخارج على الاستقرار في دبي، رغم التحديات الإقليمية القائمة والظروف الجيوسياسية في المنطقة. وهو ما يعكس قوة الانتماء والثقة التي يشعر بها المستثمرون والأفراد تجاه دبي.

ولا شك أن الشعور بالاطمئنان والأمان في أي دولة، هو نتاج بناء منظومة متكاملة على المدى الطويل، يقوم أحد أركانها على اقتصاد قوي، فيما يقوم الركن الآخر على قوة دفاعية راسخة. وإن ما تشهده دولة الإمارات من استقرار وأمان، يعكس تكامل هذه المنظومة، وفي هذا السياق، لعبت القوات المسلحة الإماراتية دوراً محورياً في تعزيز الثقة بين المستثمرين، وهو ما لمسناه بشكل مباشر، من خلال تواصلنا مع مجتمع الأعمال، حيث أسهمت جاهزيتها وكفاءتها في ترسيخ بيئة آمنة ومستقرة، تشكل أساساً صلباً لجذب الاستثمارات. فالأمن والاستقرار كانا وسيبقيان من أهم ركائز النمو الاقتصادي في الدولة.

وما التوزيع القطاعي للشركات الجديدة المنضمة إلى عضوية غرفة تجارة دبي؟

يعكس التوزيع القطاعي للشركات الجديدة تنوعاً واضحاً في الأنشطة الاقتصادية، حيث تصدر قطاع العقارات والتأجير وخدمات الأعمال القائمة، بحصة بلغت 40.6 % من إجمالي أنشطة الأعضاء الجدد، ما يؤكد جاذبية هذا القطاع في السوق المحلي. وجاء في المرتبة الثانية قطاع التجارة والخدمات بنسبة 29.6 %، فيما حل قطاع البناء ثالثاً بحصة بلغت 16.2 %، وهو ما يعكس استمرار الزخم في المشاريع العمرانية. أما قطاع الخدمات الاجتماعية والشخصية، فحل رابعاً بنسبة 8.9 %، ما يعكس أهمية هذا النوع من الأنشطة المرتبطة بالأفراد والمجتمع.

دعم توسع الشركات

كيف تعمل غرف دبي على دعم توسع الشركات نحو الأسواق العالمية، وما الدور الذي تلعبه مكاتبها الخارجية في فتح آفاق استثمارية جديدة، وتعزيز حضور دبي دولياً؟

المستهدفات الاستراتيجية لغرف دبي لا تقتصر على دعم بيئة الأعمال المحلية، بل تمتد إلى تمكين الشركات من الوصول إلى مختلف الأسواق العالمية، عبر شبكة متنامية من المكاتب الخارجية، التي تعد بوابة رئيسة لربط مجتمع الأعمال في دبي بالاقتصادات الدولية.

وتمتلك غرف دبي حالياً نحو 38 مكتباً حول العالم، مع خطة للتوسع إلى 50 مكتباً خلال المرحلة المقبلة، بما يتماشى مع مستهدفات أجندة دبي الاقتصادية D33، وبما يعزز التكامل مع الاستراتيجية الشاملة للإمارة في توسيع نطاق حضورها الاقتصادي عالمياً.

وخلال العام الماضي والجاري، تم افتتاح 10 مكاتب تمثيلية جديدة، فيما تتواصل الجهود لتعزيز هذا الانتشار، من خلال تنسيق مستمر مع مختلف الشركاء، بما يضمن تحقيق أقصى استفادة من هذه المكاتب في فتح أسواق جديدة أمام الشركات الإماراتية، واستقطاب الاستثمارات إلى دبي. وتتضمن أجندة العام الجاري لغرف دبي، تنظيم والمشاركة في عدد من الفعاليات الاقتصادية الكبرى، من بينها منتدى دبي للأعمال في الصين، إلى جانب تنظيم زيارات لوفود تجارية إلى أسواق واعدة في العديد من الأسواق.

ونجحت غرفة تجارة دبي خلال عام 2025 بدعم التوسّع العالمي لـ 130 شركة محلية، بنسبة نمو بلغت 14 %، مقارنةً بعدد الشركات المحلية التي تم دعم توسعها في الأسواق الخارجية خلال عام 2024.

كيف تتعامل غرف دبي مع التحديات التي تواجه قطاع الشحن وسلاسل الإمداد، وما أبرز الإجراءات المتخذة لدعم استمرارية الأعمال، خاصة للشركات الصغيرة والمتوسطة؟

يعد قطاع الشحن وسلاسل الإمداد من أكثر القطاعات تأثراً بالتحديات الراهنة، لذلك أولت غرف دبي هذا الملف أولوية، من خلال عقد سلسلة من اللقاءات والاجتماعات مع مختلف الجهات المعنية، بما في ذلك موانئ دبي العالمية وجمارك دبي، وعدد من الشركات العاملة في قطاع الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد. وتم خلال هذه الاجتماعات تطوير تصور عملي للتعامل مع التحديات القائمة، يرتكز على تعزيز كفاءة سلاسل الإمداد، وفتح مسارات بديلة لنقل البضائع والسلع، عبر موانئ إقليمية، مثل خورفكان والفجيرة وميناء صحار، بما يضمن استمرارية تدفق التجارة، وتقليل أثر الاضطرابات في حركة الشحن.

وتمثل الجانب الآخر من الجهود التي قامت بها غرف دبي، في الحفاظ على الاستقرار المالي ودعم استمرارية الشركات، لا سيما الشركات الصغيرة والمتوسطة، حيث تم عقد لقاءات مع مؤسسات مصرفية عاملة في الدولة، بما فيها بنك الإمارات دبي الوطني، بهدف توضيح حجم التحديات التي تواجه هذا القطاع الحيوي، والعمل على توفير الدعم المالي اللازم لضمان استمرار نشاطه وقدرته على النمو في ظل الظروف الحالية.

التوسع الخارجي

في ظل توجه غرف دبي نحو تعزيز حضورها العالمي، كيف تقيمون أهمية الأسواق الأفريقية ضمن استراتيجية التوسع الخارجي، وما أبرز الجهود المبذولة لفتح هذه الأسواق أمام الشركات المحلية وجذب الاستثمارات منها؟

تعد الأسواق الأفريقية من أهم المحاور الاستراتيجية في خطط التوسع الخارجي لغرف دبي، نظراً لما تتمتع به القارة من معدلات نمو اقتصادي مرتفعة، وفرص استثمارية واعدة في مختلف القطاعات.

وتولي غرف دبي اهتماماً خاصاً بالقارة الأفريقية، حيث تمتلك حالياً 7 مكاتب، تمثل جسوراً مباشرة للتواصل مع الأسواق المحلية هناك، وتعمل على تسهيل دخول الشركات الإماراتية إلى تلك الأسواق، إلى جانب استقطاب الاستثمارات من أفريقيا إلى دبي ودولة الإمارات.

وتأتي جهود غرف دبي ضمن استراتيجية أوسع لتعزيز التبادل التجاري وفتح أسواق جديدة، حيث تتضمن أجندة غرف دبي خلال العام الجاري تنظيم زيارات لوفود تجارية إلى عدد من الدول الأفريقية، من بينها غانا وإثيوبيا، بهدف بناء شراكات اقتصادية مستدامة، واستكشاف فرص التعاون في قطاعات متعددة. ويعكس التركيز على أفريقيا إدراكاً لأهمية هذه القارة، باعتبارها من أسرع مناطق العالم نمواً اقتصادياً، وتعمل غرف دبي على تعزيز الحضور في الأسواق الأفريقية، بما يتماشى مع رؤية الإمارة في توسيع شبكة علاقاتها الاقتصادية عالمياً، ودعم توسع الشركات الإماراتية في الأسواق الدولية.

وتسهم هذه الجهود في بناء منظومة متكاملة من العلاقات الاقتصادية الدولية، وتوفر فرصاً واسعة للشركات العائلية والقطاع الخاص، وكذلك الصناديق الاستثمارية العاملة في الدولة، بما يعزز مكانة دبي مركزاً عالمياً للأعمال والاستثمار.

من التشريع إلى التنفيذ

ما دور غرف دبي في تطوير التشريعات وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص؟

تُعدّ البنية التشريعية في دبي من أبرز عناصر قوة الاقتصاد المحلي، حيث تم تصميمها برؤية استباقية، تضع المستقبل في صميم أولوياتها. فالتشريعات لا تُصاغ كردة فعل، بل يتم تطويرها بشكل مستمر بالتعاون مع القطاع الخاص، قبل أن تفرضها المتغيرات، ما يجعلها أكثر مرونة وجاهزية لمواكبة التحولات العالمية.

وقد أصبحت هذه المرونة التشريعية معياراً عالمياً، إذ تمنح المستثمرين ثقة عالية بقدرة دبي على تحديث قوانينها بسرعة وكفاءة، بما يتلاءم مع احتياجات السوق. كما أن هذه المنظومة التشريعية تشجع على الابتكار، وتدعم تبنّي نماذج أعمال جديدة، الأمر الذي يسهم في تعزيز تنوع الاقتصاد واستدامته.

وماذا عن دور غرف دبي في تطور هذه المنظومة التشريعية؟

تلعب غرف دبي دوراً محورياً ضمن منظومة حكومة دبي في تطوير القوانين، حيث تعمل حلقة وصل فاعلة بين القطاع الخاص والجهات التشريعية. ولدينا لجنة متخصصة تُعنى بدراسة القوانين والتشريعات بالتنسيق مع الجهات المعنية في حكومة دبي والمجلس التنفيذي، بهدف تقييم أثرها في بيئة الأعمال وتطويرها بما يحقق أفضل النتائج.

وتقوم غرف دبي بنقل تجارب القطاع الخاص بشكل مباشر من خلال مجموعات ومجالس الأعمال، حيث تعمل على إيصال تحدياتهم واحتياجاتهم إلى صناع القرار، بما يسهم في صياغة تشريعات عملية وسهلة التطبيق. ويستند نموذج دبي الاقتصادي إلى شراكة استراتيجية وثيقة بين القطاعين العام والخاص، ويشارك القطاع الخاص بفاعلية في مناقشة مشاريع القوانين، فيما تحافظ الجهات الحكومية على تواصل دائم مع متطلباته عبر قنوات مؤسسية فاعلة.

وخلال عام 2025، قامت غرف دبي بالتعاون مع مجموعات الأعمال بمراجعة 54 قانوناً ومشروع قانون، وبلغت نسبة اعتماد توصيات القطاع الخاص نحو 60 %، ما يعكس مستوى التكامل والثقة بين مختلف الأطراف. كما عقدنا 250 اجتماعاً مع مجموعات ومجالس الأعمال، وفي شهر مارس وحده تم عقد 62 اجتماعاً، وهو ما يعكس وتيرة العمل المتسارعة، وحرصنا المستمر على دعم نمو القطاع الخاص.

ومن خلال هذا الدور، نعمل على تيسير إدارة المخاطر عبر رصد التحديات المحتملة، والتنسيق السريع مع الجهات المعنية لإيجاد حلول فعّالة، بما يضمن استمرارية نمو الأعمال، وتعزيز تنافسية دبي عالمياً.

من المعرفة إلى الريادة

تشهد دبي تحولاً متسارعاً نحو الاقتصاد الرقمي، كيف تقرأون هذا التوجه، وما انعكاسه على مستقبل القطاعات الاقتصادية في الإمارة؟

اتبعت دبي على مدى السنوات الماضية نهجاً استراتيجياً يقوم على التركيز المرحلي على قطاعات اقتصادية محددة، وهو نهج أثبت نجاحه في ترسيخ ريادة الإمارة في أكثر من مجال. وخلال الأعوام الأربعة الأخيرة، برز توجه واضح نحو الاقتصاد الرقمي واقتصاد المعرفة، باعتبارهما أحد الأعمدة الرئيسة لاقتصاد المستقبل، ليس فقط على مستوى دبي، بل على مستوى المنطقة ككل.

وتؤكد التجربة أن دبي، متى ما حددت قطاعاً استراتيجياً، نجحت في تطويره وتحقيق الريادة فيه، كما حدث في قطاعات التجارة والخدمات والسياحة، بل وحتى الصناعة، حيث وصلت هذه القطاعات إلى مستويات متقدمة عالمياً، مع استمرار وجود فرص إضافية للنمو والتوسع.

ومع ذلك، فإن الزخم الأكبر للنمو خلال المرحلة المقبلة، يُتوقع أن يكون في مجالات الاقتصاد الرقمي، الذي يشكل اليوم محوراً رئيساً في سياسات حكومة دولة الإمارات وإمارة دبي على حد سواء. ويعكس هذا التوجه حجم الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية، إلى جانب تأسيس مؤسسات وهيئات جديدة خلال السنوات الأخيرة، صُممت خصيصاً لدعم هذا التحول، وتعظيم الاستفادة من الفرص التي يتيحها الاقتصاد الرقمي.

ودعمت غرفة دبي للاقتصاد الرقمي تأسيس وتوسيع أعمال 1690 شركة رقمية ناشئة في دبي خلال عام 2025، بنمو سنوي قدره 39.7 %، ما يجسد دور الغرفة في دعم مكانة دبي وجهة مفضلة عالمياً لنمو الشركات الرقمية والمشاريع الريادية.

وتمضي دبي بخطى واثقة نحو ترسيخ مكانتها مركزاً إقليمياً وعالمياً للاقتصاد الرقمي، مستندة إلى بيئة تشريعية مرنة، وبنية تحتية متقدمة، وشراكة فاعلة بين القطاعين العام والخاص، بما يعزز قدرتها على قيادة هذا التحول في المنطقة خلال السنوات المقبلة.

مرونة اقتصادية واستراتيجية

كيف تتعامل غرف دبي مع المتغيرات والأزمات العالمية، وما النهج الذي تتبعه لتعزيز استمرارية وتنافسية بيئة الأعمال في الإمارة؟

يعتمد نهج غرف دبي على رؤية استراتيجية متجددة، تقوم على الانفتاح الاستباقي، الذي يدعم مختلف القطاعات الاقتصادية، إلى جانب تكامل ديناميكي، يعزز حضور دبي في الأسواق العالمية، ومرونة ذكية تتيح استيعاب المتغيرات المتسارعة بكفاءة عالية. كما تحرص على تبنّي نهج ابتكاري في التعامل مع التحديات، بما يسهم في إعادة تعريف تجربة ممارسة الأعمال والارتقاء بتنافسيتها إلى آفاق جديدة.

ولم تعد دبي تكتفي بإدارة الأزمات بالأساليب التقليدية، بل أعادت صياغة مفهوم إدارة الأزمات، محوّلة التحديات إلى نقطة انطلاق لتطوير نماذج عمل أكثر مرونة واستدامة.

وقد أثبتت التجربة أن دبي تخرج من كل تحدٍ أكثر قوة وتنافسية، بفضل تكامل الجهود بين مختلف الجهات، ومرونة السياسات الاقتصادية، وسرعة الاستجابة للمتغيرات. واليوم، يواصل قطاع الأعمال نشاطه بشكل طبيعي ودون أي انقطاع، مدعوماً بمنظومة متكاملة من الجهات المعنية، فيما يواصل القطاع الخاص أداءه بكفاءة عالية، عبر مختلف القطاعات الاقتصادية.

ما أبرز توجهات وجهود غرف دبي في المرحلة المقبلة لدعم الشركات المحلية والعالمية وتعزيز تنافسية القطاع الخاص؟

نستعد في المرحلة المقبلة لمرحلة جديدة، عنوانها تكامل الجهود لتعزيز استدامة النمو الاقتصادي، ورفع تنافسية القطاع الخاص على مختلف المستويات، إلى جانب توسيع نطاق الشراكات الدولية، بما يرسخ مكانة دبي مركزاً عالمياً للأعمال.

ويقوم نهجنا على استمرار الحوار المؤسسي بين القطاعين العام والخاص، كما سنواصل توسيع شبكة مكاتبنا الدولية لتمكين الشركات العاملة في دبي من الوصول إلى أسواق جديدة، وفي الوقت نفسه، جذب مزيد من الاستثمارات العالمية إلى الإمارة، إلى جانب إطلاق بعثات تجارية موسعة خلال المرحلة المقبلة، لتعزيز آفاق التعاون الاقتصادي والتجاري مع الأسواق الواعدة.

وتلتزم الغرفة بمواصلة البناء على الإنجازات الاستثنائية التي حققتها غرفة دبي خلال عام 2025، حيث سجلت غرفة تجارة دبي رقماً قياسياً غير مسبوق في قيمة صادرات وإعادة صادرات الأعضاء، بلغت 356.5 مليار درهم، بنمو 15.1 % على أساس سنوي.

نقلة نوعية في الشراكات

كيف تقيمون أثر الشراكات والاتفاقيات الاقتصادية الشاملة التي وقعتها دولة الإمارات في حركة التجارة والاستثمار مع الدول الشريكة؟

أسهمت الشراكات الاقتصادية الشاملة التي وقعتها دولة الإمارات مع عدد من الدول في إحداث نقلة نوعية في مستوى التبادل التجاري وتعزيز انسيابية الأعمال، حيث انعكست هذه الاتفاقيات بشكل مباشر على نمو التجارة الثنائية، وفتح آفاق أوسع أمام القطاع الخاص.

فعلى سبيل المثال، شهدت التجارة مع تركيا نمواً ملحوظاً، تراوح بين 45 % و50 % بعد توقيع الاتفاقية، مدفوعة بشكل خاص بارتفاع كبير في تجارة الذهب والمجوهرات. ولوحظ زيادة كبيرة في التبادل التجاري مع كندا، لا سيما في سلع استراتيجية ومهمة لاقتصادات الدولتين، خصوصاً خلال فترات التحديات الأخيرة. وشهدت العلاقات الاستثمارية مع كندا تطوراً لافتاً، حيث تجاوزت الاستثمارات الإماراتية هناك 8 مليارات دولار، فيما بلغت الاستثمارات الكندية في الإمارات نحو 8 مليارات دولار أيضاً، ما يعكس مستوى متقدماً من التكامل الاقتصادي.

ومن أبرز مكاسب هذه الاتفاقيات أيضاً، تعزيز سهولة ممارسة الأعمال مع الدول الشريكة، وهو ما يُعد عاملاً محورياً في دعم توسع الشركات الإماراتية في الأسواق الخارجية، إلى جانب استقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية. وقد لعبت وزارة التجارة الخارجية الإماراتية دوراً محورياً وفعالاً في إنجاز هذه الاتفاقيات وتفعيلها بما يخدم المصالح الاقتصادية للدولة.

وبشكل عام، تؤكد هذه المؤشرات أن استراتيجية الإمارات في بناء شراكات اقتصادية عالمية باتت تشكل رافعة رئيسة للنمو، وتسهم في ترسيخ مكانة الدولة مركزاً تجارياً واستثمارياً عالمياً، يتمتع بالمرونة والانفتاح.

سابجيكت 1:

تسهيلات مرنة واستباقية ترسخ صلابة بيئة الأعمال

حول أهمية حزم التسهيلات التي تم الإعلان عنها في دعم الاقتصاد، خصوصاً في ظل التحديات العالمية الراهنة، وكيف تنعكس على الشركات الصغيرة والمتوسطة؟ أجاب معالي المهندس سلطان بن سعيد المنصوري رئيس مجلس إدارة غرف دبي، وقال: «تمثل حزم التسهيلات التي تم الإعلان عنها ركيزة أساسية في تعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة التحديات العالمية، إذ جاءت ضمن منظومة متكاملة، تجمع بين الجهود الاتحادية والمحلية، بهدف الحد من تأثير هذه المتغيرات في بيئة الأعمال، وبالأخص في الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تُعدّ محركاً رئيساً للنمو الاقتصادي».

وأضاف المنصوري أن هذه الحزم شملت مبادرات متعددة، من أبرزها التسهيلات التي أقرها المصرف المركزي، والتي انعكست بشكل مباشر على البنوك المحلية، لا سيما في ما يتعلق بتوفير السيولة والتسهيلات الائتمانية للشركات خلال هذه المرحلة، بما يسهم في دعم استمرارية أعمالها، وتعزيز قدرتها على التكيف مع الظروف الراهنة.

وعلى المستوى المحلي، أطلقت حكومة دبي مجموعة من الإجراءات التي استهدفت تخفيف الأعباء التشغيلية، من خلال تقليل بعض الرسوم والتكاليف عبر جهات مختلفة، بما في ذلك دائرة الاقتصاد والسياحة بدبي وجمارك دبي، إلى جانب مبادرات أخرى، ساهمت في دعم القطاع الخاص، وتحفيز النشاط الاقتصادي.

وقال المنصوري، لا يُعدّ هذا النهج جديداً على دبي، حيث أثبتت التجربة خلال أزمة جائحة «كوفيد 19»، فعالية هذه الحزم في دعم الاقتصاد والحفاظ على استقراره. ويتم تصميم هذه المبادرات وفقاً لمراحل تطور الوضع الاقتصادي، بحيث تتناسب مع حجم التحديات وتأثيرها في كل مرحلة، ما يعكس مرونة السياسات الاقتصادية وقدرتها على الاستجابة السريعة. ويواصل الاقتصاد الوطني مسار نموه بثقة، مدعوماً بهذه السياسات الداعمة، وهو ما يعزز التوقعات بدخول دبي مرحلة جديدة من النمو القوي خلال الفترة المقبلة، مستندة إلى بيئة أعمال مرنة، وقدرة عالية على التكيف مع المتغيرات.

سابجيكت 2:

استقرار وأمن ورؤية طموحة

وحول الرسالة التي يود توجيهها إلى المستثمرين، في ظل المتغيرات الراهنة، وكيف يرى مستقبل الاستثمار في دولة الإمارات ودبي؟ أجاب معالي المهندس سلطان بن سعيد المنصوري رئيس مجلس إدارة غرف دبي، وقال: «نؤكد بدايةً ما على ما قاله صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله»: «الأزمات هي أفضل وقت للتطوير والتفكير خارج المألوف»، وهذه الرؤية تجسد واقع دبي اليوم، التي أثبتت أنها قادرة على العمل خارج الأطر التقليدية، حيث لم تؤثر التطورات الراهنة في استمرارية الخدمات الأساسية أو في نشاط الأعمال، بل واصلت مختلف القطاعات عملها بكفاءة عالية، مدعومة بكوادر وطنية تعمل على مدار الساعة لتحقيق رؤية القيادة الرشيدة».

ونؤمن بأن الإبداع والابتكار يولدان من رحم التحديات، وأن سقف الطموحات في دبي أعلى من أي ظرف، وهو ما ينعكس في استمرارية الأعمال بوتيرة قوية، بالتوازي مع تنفيذ مشاريع البنية التحتية والخدمية وفق خطط استراتيجية واضحة، وجداول زمنية مدروسة، بما يعزز الجاهزية للمستقبل، ويدعم مسيرة التنمية المستدامة.

ونؤكد أن دولة الإمارات تواصل ترسيخ مكانتها واحدة من أكثر الدول أماناً واستقراراً على مستوى العالم، بفضل التزام قيادتها الراسخ بمبادئ الأمن والنمو الاقتصادي والانفتاح، حيث تحتضن الدولة مختلف الجنسيات، وتوفر بيئة أعمال تنافسية وعادلة للجميع.

ونحن على ثقة بأن هذا الزخم الإيجابي سينعكس بشكل واضح خلال الأشهر والسنوات المقبلة، حيث تتجه دبي نحو مرحلة جديدة من النمو القوي، مدفوعة برؤية استراتيجية واضحة، تركز على تطوير القدرات الوطنية، وتعزيز تنافسية الاقتصاد، بما يفتح آفاقاً واسعة أمام المستثمرين لتحقيق النجاح والنمو المستدام.

Advertisements

قد تقرأ أيضا