ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 26 أبريل 2026 11:06 مساءً - في وقت تتسابق فيه دول العالم نحو تأمين مصادر المعادن الحيوية لثورة السيارات الكهربائية وتخزين الطاقة، ظهر اكتشاف جيولوجي مثير للجدل في غرب الولايات المتحدة قد يغير جزءا من هذه المعادلة. فداخل فوهة بركانية قديمة ضخمة تقع بين ولايتي نيفادا وأوريغون، اكتشف العلماء ما يُعتقد أنه أحد أغنى التراكيز الطبيعية لمعدن الليثيوم في الطين على الإطلاق، مع تقديرات لقيمته قد تتجاوز 400 مليار يورو. لكن خلف هذا الرقم اللامع، تختبئ تعقيدات علمية وبيئية.
يقع هذا الاكتشاف داخل ما يُعرف باسم "كالديرا ماكديرميت"، وهي فوهة بركانية هائلة تشكلت قبل نحو 16.4 مليون سنة نتيجة ثوران بركاني ضخم مرتبط بالنشاط الجيولوجي في منطقة يلوستون. يبلغ عرض هذه الفوهة حوالي 28 ميلاً وطولها 22 ميلاً، وقد امتلأت عبر الزمن ببحيرة قديمة تراكمت فيها طبقات من الرماد البركاني والرواسب المعدنية. ومع مرور ملايين السنين، تحولت هذه الطبقات إلى تشكيلات صخرية وطينية غنية بالعناصر المختلفة.
ما جذب انتباه العلماء بشكل خاص هو منطقة داخل هذه الكالديرا تُعرف باسم "ممر ثاكر"، حيث أظهرت عينات الطين وجود تركيزات مرتفعة بشكل غير عادي من الليثيوم داخل معدن طيني يسمى "الإيليت".
وتشير دراسة نُشرت في مجلة Science Advances إلى أن نسبة الليثيوم في هذا المعدن تتراوح بين 1.3% و2.4% من الوزن، وهي نسبة تفوق بكثير معظم رواسب الليثيوم الطينية في العالم، والتي عادة لا تتجاوز 0.4%.
هذا الفارق الكبير في التركيز هو ما جعل بعض التقديرات تصف الموقع بأنه أكبر مخزون لليثيوم في العالم، بل وذهبت بعض الحسابات غير الرسمية إلى تقدير القيمة الاقتصادية المحتملة للرواسب بمئات المليارات من اليورو. إلا أن الباحثين أنفسهم يحذرون من التعامل مع هذه الأرقام كاحتياطيات مؤكدة، لأنها في الواقع مجرد تقديرات أولية تعتمد على نماذج جيولوجية وليست تقييمًا تعدينياً رسميًا يمكن البناء عليه تجاريًا.
لفهم كيف تكوّن هذا التركيز الفريد، يقترح العلماء سيناريو جيولوجيا من مرحلتين. في المرحلة الأولى، قامت مياه البحيرة القديمة بترشيح الليثيوم من الصخور البركانية وتخزينه في طين غني يُعرف باسم "السميكتايت". ثم جاءت مرحلة ثانية أكثر أهمية، حيث أدت سوائل حرارية مائية ساخنة لاحقة إلى إعادة تشكيل هذا الطين وتحويله إلى معدن الإيليت، مع تركيز أعلى بكثير لليثيوم. هذه العمليات الطبيعية المعقدة، التي استمرت عبر ملايين السنين، يُعتقد أنها وراء هذا “التكثيف الجيولوجي” غير المعتاد.
ورغم الجاذبية الاقتصادية المحتملة لهذا الاكتشاف، فإن الطريق نحو استغلاله ليس بسيطا على الإطلاق. فالموقع المقترح للتعدين، المعروف باسم مشروع "ثاكر باس"، يواجه تحديات بيئية كبيرة. الخطة الصناعية تتضمن تعدينا سطحيا مع استخدام عمليات تكسير وترشيح حمضي، بالإضافة إلى استخدام حمض الكبريتيك داخل الموقع لاستخلاص الليثيوم. هذه العمليات، رغم فعاليتها الصناعية، تُعد مثيرة للجدل بسبب تأثيراتها المحتملة على البيئة المحيطة.
1.6 مليار جالون
أحد أكبر التحديات هو استهلاك المياه. تشير بعض الدراسات إلى أن العمليات في المنطقة قد تتطلب أكثر من 1.6 مليار جالون من المياه سنويا، وهو رقم ضخم في منطقة تُعد من أكثر مناطق الولايات المتحدة جفافًا. هذا الاستخدام الكبير للمياه يثير مخاوف بشأن تأثيره على المياه الجوفية والنظم البيئية المحلية، خاصة في ظل التغيرات المناخية المتزايدة.
إضافة إلى ذلك، هناك مخاوف من التلوث الكيميائي الناتج عن عمليات التعدين، بما في ذلك احتمال تسرب معادن ثقيلة ومركبات حمضية إلى التربة والمياه. مثل هذه المخاطر تجعل من إدارة النفايات والمخلفات التعدينية تحديًا حاسمًا في أي مشروع مستقبلي في المنطقة.
على الجانب الآخر، يأتي هذا الاكتشاف في وقت يشهد فيه العالم طلبا متسارعا على الليثيوم، باعتباره عنصرًا أساسيًا في بطاريات السيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة المتجددة. وتشير تقديرات دولية إلى أن الطلب العالمي على الليثيوم قد يرتفع عدة أضعاف بحلول عام 2040 مقارنة بمستويات العقد الماضي، مدفوعًا بالتحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.
لكن هذا النمو في الطلب يضع ضغطا كبيرا على سلاسل التوريد العالمية، التي تتركز حاليًا في عدد محدود من الشركات والدول. ولهذا السبب، تنظر الحكومات والصناعات إلى أي اكتشافات جديدة مثل كالديرا ماكديرميت بوصفها فرصا استراتيجية لتأمين مستقبل الطاقة.
ومع ذلك، فإن الصورة ليست مجرد سباق نحو الاستخراج. فالتقارير الحديثة تشير إلى أن إعادة تدوير الليثيوم من البطاريات المستعملة قد تلعب دوراً متزايد الأهمية، وقد تقلل الحاجة إلى التعدين الجديد بشكل كبير خلال العقود القادمة. هذا الاتجاه قد يغير المعادلة الاقتصادية والبيئية معا.
هذا الاكتشاف عن معدن الليثيوم مدفون تحت أرض بركانية قديمة، هو انعكاس مباشر للصراع العالمي بين تسريع التحول نحو الطاقة النظيفة وبين الحفاظ على التوازن البيئي. فالأرقام الضخمة التي تُتداول حول قيمة الليثيوم قد تثير الانبهار، لكنها لا تختصر الواقع المعقد خلفها، حيث تختلط الجيولوجيا بالتكنولوجيا والاقتصاد بالبيئة. وبين الفرص الواعدة والتحديات الثقيلة، يظل مستقبل هذا الكنز مرهونا بقدرة الإنسان على استخراجه دون أن يدفع ثمنا بيئيا أكبر من فائدته.
أهمية الليثوم
والليثيوم عنصر كيميائي خفيف جدا يُرمز له بالرمز (Li)، ويُعد من أهم المعادن الاستراتيجية في العالم الحديث، خصوصا مع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة. يتميز بقدرته العالية على تخزين الطاقة، مما جعله المكوّن الأساسي في صناعة بطاريات الليثيوم-أيون المستخدمة في الهواتف الذكية، وأجهزة الحاسوب المحمولة، والسيارات الكهربائية.
تكمن أهمية الليثيوم في دوره الحيوي في دعم ثورة الطاقة المتجددة، إذ تُستخدم بطارياته لتخزين الطاقة الناتجة عن الشمس والرياح، مما يساعد على استقرار شبكات الكهرباء وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
كما يدخل في صناعة بطاريات تخزين الطاقة الكبيرة التي تُستخدم في المنازل والمصانع ومحطات الطاقة، إضافة إلى ذلك، يُستخدم الليثيوم في مجالات صناعية أخرى مثل صناعة الزجاج والسيراميك لتحسين مقاومتهما للحرارة، وفي إنتاج بعض السبائك المعدنية الخفيفة والقوية المستخدمة في الطيران. كما أن لبعض مركبات الليثيوم استخدامات طبية، خاصة في علاج بعض الاضطرابات النفسية مثل اضطراب ثنائي القطب، حيث يساعد على استقرار المزاج.
ومع الارتفاع الكبير في الطلب العالمي على السيارات الكهربائية، أصبح الليثيوم يُلقب بالذهب الأبيض، نظرا لأهميته الاقتصادية والاستراتيجية المتزايدة. ومع ذلك، يظل استخراجه وتوفيره بشكل مستدام تحديا كبيرا بسبب تأثيراته البيئية وتوزيعه الجغرافي المحدود.
