ابوظبي - ياسر ابراهيم - الجمعة 31 يوليو 2026 11:36 صباحاً - راهنت «ميتا» بقوة على الذكاء الاصطناعي، وأكدت أنها لن تتراجع عن هذا الرهان بعد تقرير أرباح النصف الثاني، لكن المستثمرين عاقبوها سريعاً. فقد رفعت الشركة، المالكة لفيسبوك وإنستغرام وواتساب، الحد الأدنى لتوقعاتها للإنفاق الرأسمالي لهذا العام إلى 130 مليار دولار، مقارنةً بتوقعاتها السابقة البالغة 125 مليار دولار في أبريل. وسيُخصص جزء كبير من هذا الاستثمار لبناء مراكز البيانات، وهي مرافق الحوسبة التي تُشغّل الذكاء الاصطناعي.
كما ذكرت ميتا أن تكاليفها ونفقاتها ارتفعت بوتيرة أسرع من نمو إيراداتها خلال الربع الثاني. وبلغت الإيرادات 60.8 مليار دولار، بزيادة قدرها 28% عن العام السابق، بينما قفزت التكاليف بنسبة 55% لتصل إلى 42 مليار دولار. وبلغت الأرباح 18.3 مليار دولار، بانخفاض قدره 14% عن العام السابق.
حققت «ميتا» نمواً قوياً في الإيرادات، وواصل نشاطها الإعلاني الأساسي تسجيل أداء يصعب على منافسيها مجاراته، لكن ذلك لم يمنع سهم الشركة من خسارة نحو 10% في تعاملات ما بعد إغلاق السوق أمس، ومحو أكثر من 140 مليار دولار من قيمتها السوقية خلال ساعات.
تكشف هذه المفارقة عن تحوّل عميق في نظرة «وول ستريت» إلى سباق الذكاء الاصطناعي. فبعد سنوات منح خلالها المستثمرون شركات التكنولوجيا الكبرى حرية شبه مطلقة للإنفاق على مراكز البيانات والرقائق والنماذج المتقدمة، انتهت مرحلة «الحب غير المشروط»، وفق تعبير صحيفة وول ستريت جورنال، التي تناولت مفارقة ميتا في تقريرين، مع مقارنة مع شركات التكنولوجيا المنافسة التي تواجه تحديات ممثاثلة لكن بأداء أكثر طمأنة للمستثمرين.
باتت الأسواق تطالب بإجابات ملحة حول متى يتحول هذا الإنفاق الهائل إلى إيرادات؟
بالنسبة إلى «ميتا»، الشركة تنفق بوتيرة متسارعة بينما تعتمد عوائدها المالية بصورة شبه كاملة على الإعلانات. ورغم أن الذكاء الاصطناعي ساعدها بالفعل على تحسين استهداف الإعلانات ورفع فاعليتها، فإن المستثمرين يريدون رؤية مصادر دخل مستقلة ترتبط مباشرة بالبنية التحتية والنماذج التي تنفق الشركة عشرات المليارات لبنائها.
نتائج قوية لا تكفي
أعلنت «ميتا» ارتفاع إيرادات الربع الثاني بنسبة 28%، مدفوعة بصورة شبه كاملة بالإعلانات، وقدمت توقعات بمواصلة النمو القوي خلال الفترة المقبلة.
كما ينظر المحللون بإيجابية إلى موقع الشركة في سوق الإعلانات الرقمية، إذ تبدو قدرتها على استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين أداء الإعلانات من الأقوى في القطاع.
وقال مارك ماهاني، المدير الإداري في «إيفركور آي إس آي»، في تصريح لوول ستريت جورنال، إن «الأعمال الأساسية للشركة تحقق أداءً ممتازاً»، لكنه أوضح أن حجم دورة الاستثمار جعل السوق تطلب مؤشرات على تحقيق الإيرادات تتجاوز النشاط الإعلاني الأساسي.
وتتوقع الشركة أن تبلغ نفقاتها الرأسمالية نحو 137.5 مليار دولار خلال العام الجاري. ويُرجح أن يدفع هذا الإنفاق التدفق النقدي الحر إلى المنطقة السلبية خلال النصف الثاني من العام، للمرة الأولى منذ طرح أسهم «ميتا» للاكتتاب العام في عام 2012.
وكان المحللون يتوقعون أن تسجل الشركة تدفقاً نقدياً حراً سلبياً بالفعل خلال الربع الثاني، لكنها تمكنت من تحقيق 784 مليون دولار فقط، مقارنة بـ12.4 مليار دولار في الربع السابق.
وبذلك نجت «ميتا» مؤقتاً من تجاوز الخط الأحمر، إلا أن الانخفاض الحاد في السيولة أظهر للمستثمرين حجم الضغط الذي تتعرض له الشركة.
تبريرات زوكربيرغ
خلال مكالمة إعلان النتائج، انتظر المحللون أن يقدم مارك زوكربيرغ خطة واضحة لكيفية تحقيق الإيرادات من القدرات الحاسوبية التي تبنيها الشركة، سواء عبر تأجير مراكز البيانات، أو بيع أدوات الذكاء الاصطناعي للمؤسسات، أو منح الشركات والمطورين وصولاً مدفوعاً إلى نماذجها.
لكن زوكربيرغ اكتفى بإشارات عامة. وقال إن «ميتا» تلقت «عدداً كبيراً من العروض بأسعار تزيد بصورة ملموسة على ما دفعناه مقابل القدرات الحاسوبية»، من دون أن يحدد الجهات التي تقدمت بهذه العروض، أو قيمة العقود المحتملة، أو موعد بدء تحقيق الإيرادات.
وعبّر ماهاني عن خيبة أمل المستثمرين قائلاً: «كنا نأمل نوعاً ما في الحصول على معلومات بشأن إعادة بيع فائض قدراتهم الحاسوبية، لكنهم لم يقدموا أي جديد في هذا الشأن».
وطرح برنت ثيل، محلل التكنولوجيا في «جيفريز»، السؤال الذي بدا حاضراً لدى معظم المشاركين في المكالمة: «لماذا لا توجد لدينا خطة أكثر وضوحاً وتحديداً؟».
المشكلة بالنسبة إلى المستثمرين لا تتمثل في غياب الفرص. فـ«ميتا» تستطيع نظرياً بيع قدراتها الحاسوبية إلى مختبرات الذكاء الاصطناعي، وتأجير البنية التحتية غير المستخدمة، وتقديم نماذجها للشركات والمطورين، وبيع روبوتات المحادثة والخدمات المدفوعة.
لكن معظم هذه الأنشطة لا يزال في مراحله الأولى، ولا توجد ضمانات بأنه سيتحول إلى أعمال كبيرة قادرة على تغطية الإنفاق المتسارع.
ودافع زوكربيرغ عن استراتيجية الشركة، معتبراً أن بيع القدرات الحاسوبية مباشرة قد يحقق عوائد أقل من استخدام هذه القدرات في بناء نماذج وتطبيقات ذكاء اصطناعي متقدمة. وقال: «نعتقد أن هوامش الربح من بيع الذكاء ستكون أعلى من هوامش بيع القدرات الحاسوبية مباشرة».
وبحسب رؤيته، فإن الشركة تستطيع تحويل الرقائق والطاقة ومراكز البيانات إلى منتجات أكثر قيمة، تشمل النماذج والتطبيقات وما يسميه «الذكاء الفائق الشخصي».
وأضاف: «أنا متفائل جداً بأننا سنشهد نمواً ملموساً في جميع هذه المجالات، وأعتقد أن لدينا قريباً المزيد لنعلنه بشأن عدد منها».
يحاول زوكربيرغ إقناع الأسواق بأن عدم استعجال تحقيق الإيرادات يعكس ثقة في الفرص طويلة الأجل، وأن بيع جزء كبير من القدرات الحاسوبية الآن قد يحرم الشركة من استخدامها لاحقاً في منتجات أعلى ربحية.
لكن السوق لم تعد مستعدة للاكتفاء بالتفاؤل والوعود العامة. فكلما ارتفع حجم الإنفاق، ارتفعت معه الحاجة إلى أرقام ومواعيد وعقود فعلية.
ولخّص ثيل مضمون مكالمة الشركة بالقول إن رسالة «ميتا» بدت كما لو أنها تقول للمستثمرين: «لن نقدم لكم الكثير من التفاصيل بشأن أعمال القدرات الحاسوبية، ولن نخبركم بالعائد على الاستثمار. كل ما في الأمر أننا نحتاج إلى المزيد من القدرة الحاسوبية، وعليكم فقط أن تثقوا بنا».
إنفاق قد يتجاوز التقديرات
تزداد مخاوف المستثمرين مع احتمال أن تكون تقديرات الإنفاق الحالية أقل كثيراً من الاحتياجات الفعلية للشركة.
وتستند توقعات التدفق النقدي الحر السلبي في العام المقبل إلى افتراض أن النفقات الرأسمالية ستبلغ نحو 174 مليار دولار. لكن تقديرات بعض البنوك أكثر ارتفاعاً.
فبعد تقارير عن احتمال مضاعفة «ميتا» قدرتها الحاسوبية من 7 غيغاواط هذا العام إلى 14 غيغاواط في العام المقبل، توقع محللو «دويتشه بنك» أن يصل الإنفاق إلى 215 مليار دولار.
أما محللو «ريموند جيمس»، فقد رفعوا التقدير إلى 280 مليار دولار.
وفي حال اقتراب الإنفاق من هذه المستويات، قد تواجه «ميتا» عجزاً نقدياً يتجاوز كثيراً التوقعات الحالية التي تشير إلى استنزاف أكثر من 20 مليار دولار في العام المقبل.
كما لم تمنح الشركة المستثمرين رؤية واضحة لما بعد عام 2026. فقد رفعت الحد الأدنى لنطاق نفقاتها الرأسمالية إلى 130 مليار دولار، وأبقت الحد الأعلى عند 145 مليار دولار، بينما امتنعت المديرة المالية سوزان لي عن تقديم تفاصيل محددة عن عام 2027.
وقالت لي إن الشركة تركز على زيادة قدراتها الحاسوبية إلى أقصى حد خلال العام الجاري والعام المقبل، وتحدثت عن إمكانية تقييم الاحتياجات الفعلية في «عام 2028 وما بعده».
لكن المستثمرين لا يرغبون في الانتظار إلى 2028 قبل معرفة ما إذا كانت هذه الاستثمارات قادرة على تحقيق عوائد تتناسب مع حجمها.
الديون تغيّر ميزانية «ميتا»
كانت «ميتا» قبل سنوات قليلة من أكثر شركات التكنولوجيا قدرة على تمويل استثماراتها من التدفقات النقدية الداخلية. ولم تكن لديها ديون تذكر حتى عام 2022.
لكن ديونها طويلة الأجل ارتفعت إلى 83.7 مليار دولار في نهاية الربع الثاني، من دون احتساب عشرات المليارات من الدولارات من الالتزامات خارج الميزانية، والمرتبطة بمشاريع مراكز بيانات ضخمة في لويزيانا وتكساس.
وافقت الشركة على استئجار هذه المواقع وتقديم ضمانات مالية مختلفة مرتبطة بها، ما يعني أن حجم التزاماتها الفعلية أكبر من الرقم الظاهر مباشرة في الميزانية.
كما بدأت تكلفة الاقتراض ترتفع. فقد تراجعت أسعار السندات لأجل 40 عاماً التي أصدرتها «ميتا» في مايو، وارتفعت عوائدها إلى قرابة 7%.
وإذا استمرت شركات التكنولوجيا في إصدار كميات ضخمة من السندات لتمويل سباق الذكاء الاصطناعي، فقد تضطر «ميتا» إلى دفع فوائد أعلى على ديونها المستقبلية.
وبذلك لم تعد المسألة مقتصرة على إنفاق الأرباح الحالية، بل تحولت تدريجياً إلى اقتراض طويل الأجل لتمويل بنية تحتية لا تزال عوائدها غير مؤكدة.
«مايكروسوفت» تقدم الإجابة التي غابت عن «ميتا»
تظهر المقارنة مع «مايكروسوفت» سبب اختلاف رد فعل المستثمرين. ففي اليوم نفسه الذي تراجع فيه سهم «ميتا»، ارتفع سهم «مايكروسوفت» بنحو 9% في تعاملات ما بعد الإغلاق، بعدما أعلنت نمواً قياسياً ومتسارعاً في إيرادات «أزور» السحابية.
تنفق «مايكروسوفت» أيضاً مبالغ ضخمة على الذكاء الاصطناعي، لكن المستثمرين يستطيعون رؤية العلاقة المباشرة بين الإنفاق وارتفاع الطلب على خدمات الحوسبة السحابية. أي أن الشركة قدمت دليلاً على وجود عملاء يدفعون مقابل القدرات التي تبنيها.
أما «ميتا»، فتقول إن لديها عروضاً وإن الطلب موجود، لكنها لم تقدم حتى الآن تفاصيل كافية عن العملاء أو العقود أو الإيرادات المنتظرة.
كما تعرضت «جوجل» للضغط بعد رفع إنفاقها الرأسمالي وهبوطها إلى تدفق نقدي حر سلبي، رغم نمو إيرادات نشاطها السحابي بنسبة 82%.
وتكشف ردود فعل الأسواق على نتائج الشركات الثلاث أن المستثمرين لا يعترضون على الإنفاق في حد ذاته، وإنما على الإنفاق الذي لا يصاحبه مسار واضح وسريع لتحقيق الإيرادات.
رهانات بمليارات الدولارات
تحاول «ميتا» فتح مصادر دخل جديدة. فقد بدأت تسويق اشتراكات مدفوعة في مزايا متقدمة على منصاتها الاجتماعية، ومنحت المطورين وصولاً مدفوعاً إلى نموذج «Muse Spark»، كما تبيع خدمات مثل روبوتات المحادثة للشركات.
وتشير تقديرات «ريموند جيمس» إلى أن إيرادات الحوسبة السحابية المحتملة للشركة قد ترتفع من 4 مليارات دولار هذا العام إلى 120 مليار دولار بحلول عام 2030.
كما قد تصل إيرادات نماذج الذكاء الاصطناعي وخدمات المؤسسات إلى 59 مليار دولار في عام 2030، بعدما كانت تقترب من الصفر هذا العام. لكن هذه التوقعات تفترض نجاح «ميتا» في بناء أعمال لا تمتلك فيها سجلاً قوياً. فالشركة حققت نجاحها الكبير في شبكات التواصل والإعلانات، بينما أخفقت أو حققت نتائج محدودة في عدد من الرهانات السابقة، من أجهزة مؤتمرات الفيديو إلى مشاريع أخرى خارج نشاطها الأساسي.
كما تفتقر إلى مجموعة واسعة من برمجيات المؤسسات التي تمتلكها «مايكروسوفت» و«جوجل» و«أمازون»، وقد تجعل سمعتها السياسية والتنظيمية بعض الشركات أكثر حذراً في الاعتماد عليها.
وقد تجد «ميتا» فرصة واقعية في بيع كميات كبيرة من القدرات الحاسوبية إلى مختبرات كبرى مثل «أنثروبيك»، لكن بناء منصة سحابية تنافس «أمازون» و«مايكروسوفت» و«جوجل»، وتستقطب ملايين العملاء، سيحتاج إلى استثمارات إضافية هائلة.
المطلوب أرباح سريعة
لا تقول السوق إن أعمال «ميتا» ضعيفة. لكن المستثمرين ينظرون إلى ما بعد الربع الحالي. وهم يرون أن الشركة تنتقل من نموذج مالي يقوم على توليد سيولة ضخمة بأصول محدودة، إلى نموذج يعتمد على مراكز بيانات مكلفة، وديون طويلة الأجل، والتزامات بمئات المليارات، دون أرباح سريعة.
لذلك لم يعد تحقيق أرباح كبيرة كافياً لرفع السهم. فالسؤال الذي يحدد تقييم الشركة أصبح يتعلق بحجم الأموال التي ستنفقها قبل أن تبدأ أعمال الذكاء الاصطناعي الجديدة في تحقيق إيرادات حقيقية. ويطلب زوكربيرغ من المستثمرين منحه الوقت والثقة، لكن تراجع السهم أظهر أن رصيد الثقة لم يعد مفتوحاً.
