ابوظبي - ياسر ابراهيم - الجمعة 30 أكتوبر 2026 10:21 صباحاً - كشفت منصة "بينانس" (Binance)، أكبر منصة لتداول العملات المشفرة في العالم، عن تعرض أنظمتها لاختراق أمني واسع النطاق، يُقدر حجم تأثيره بنحو 6.3 مليارات دولار من الأصول الرقمية، في حادثة قد تُصنف ضمن أكبر الاختراقات في تاريخ سوق العملات المشفرة.
وأوضحت المنصة، أن التحقيقات الأولية تشير إلى احتمال تمكن المهاجمين من اختراق الحاسوب المحمول الخاص بأحد مهندسي البنية التحتية التقنية (DevOps)، واستغلال الصلاحيات المرتبطة به للوصول إلى أنظمة داخلية، وتنفيذ عمليات سحب للعملات الرقمية دون الحصول على موافقة المنصة.
وأضافت "بينانس" أنها لم ترصد حتى الآن أي أدلة على تسريب المفاتيح الخاصة لمحافظ العملات المشفرة، مشيرة إلى أن التحقيقات لا تزال جارية لتحديد الآلية الدقيقة التي استُخدمت في تنفيذ الهجوم، مع التعهد بنشر تقرير تفصيلي فور استكمال التحقيقات والإجراءات الأمنية.
3 مليارات دولار مجمدة وتعهد بتغطية الخسائر
وفي محاولة لاحتواء تداعيات الاختراق، أعلنت "بينانس" تعاونها مع شركات متخصصة في تحليل شبكات البلوك تشين والجهات المعنية، لتعقب الأصول المتضررة وتجميدها، مؤكدة نجاح الجهود في تجميد نحو 3 مليارات دولار من الأصول على الشبكات الرقمية، وفق تقديراتها الأولية.
وشددت المنصة على أن أموال العملاء لن تتأثر بالحادثة، متعهدة بتغطية جميع الخسائر من خلال صندوق الأصول الآمنة للمستخدمين (SAFU)، إلى جانب الموارد المالية الخاصة بالشركة.
كما أعلنت عزمها نشر تحديث جديد لبيانات إثبات الاحتياطيات (Proof of Reserves)، عقب الانتهاء من إجراءات المعالجة الأمنية، في خطوة تستهدف تعزيز الشفافية واستعادة ثقة المستثمرين.
اختراق يبدأ من جهاز موظف
وتشير التحقيقات الأولية إلى أن نقطة الدخول المحتملة للهجوم كانت حاسوباً محمولاً تابعاً لأحد مهندسي DevOps، وهو تخصص يجمع بين تطوير البرمجيات وإدارة البنية التحتية التقنية وتشغيل الأنظمة.
وبحسب التفسير الأولي للحادثة، ربما استغل المهاجمون الوصول إلى جهاز الموظف للتسلل إلى بيئة برمجية داخلية معزولة تُعرف باسم "حاوية الخدمات" (Service Container)، واستخدموها لإرسال معاملات سحب غير مصرح بها.
ولم تكشف المنصة حتى الآن ما إذا كان الاختراق قد تم عبر سرقة بيانات اعتماد الموظف أو استغلال ثغرة برمجية، كما لم توضح طبيعة الصلاحيات التي حصل عليها المهاجمون أو كيفية تجاوز آليات اعتماد المعاملات.
ويشير هذا السيناريو إلى أن الاختراق ربما استهدف أنظمة الوصول والتفويض الخاصة بتنفيذ المعاملات، بدلاً من الاستيلاء المباشر على المفاتيح الخاصة للمحافظ.
تحركات بمليارات الدولارات خلال 20 دقيقة
وفي سياق متصل، كشفت شركة "TRM Labs" المتخصصة في أمن وتحليل البلوك تشين، أن نحو 6.36 مليارات دولار من العملات المشفرة جرى تحويلها من محافظ مرتبطة بـ"بينانس" عبر 10 شبكات بلوك تشين.
وأشارت الشركة إلى أن الجزء الأكبر من التحويلات نُفذ خلال فترة زمنية قصيرة لم تتجاوز نحو 20 دقيقة، بدءاً من الساعة 20:05 بالتوقيت العالمي يوم 29 أكتوبر.
كما رصدت الشركة استخدام المهاجمين معيار "EIP-7702" على شبكة إيثيريوم، وهو معيار تقني يسمح بتفويض بعض وظائف المحفظة إلى عقد ذكي، بما أتاح، وفق تحليل الشركة، إعادة توجيه الأموال تلقائياً إلى عنوان خاضع لسيطرة المهاجمين.
وأضافت أن التحركات المسجلة على شبكات أخرى تشير إلى احتمال تعرض البنية التحتية المسؤولة عن توقيع المعاملات في المنصة للاختراق.
تعليق عمليات السحب والإيداع وإجراءات أمنية عاجلة
وعقب اكتشاف الحادثة، اتخذت "بينانس" إجراءات احترازية شملت تعليق عمليات الإيداع والسحب مؤقتاً، وإلغاء صلاحيات العناوين المتأثرة، إلى جانب مراجعة البنية التحتية للمحافظ وتعزيز إجراءات الحماية.
كما استعانت المنصة بجهات إنفاذ القانون وشركات تحليل البلوك تشين لتعقب الأموال وتحديد المسؤولين عن الهجوم.
وتأتي هذه الإجراءات بالتزامن مع تعهد الشركة بتحمل كامل الخسائر، في محاولة للحد من المخاوف المتعلقة بسلامة أموال العملاء واستقرار عمليات المنصة.
وألقى الاختراق بظلاله على سوق العملات الرقمية، وسط مخاوف من انعكاساته على ثقة المستثمرين في منصات التداول المركزية، التي تتولى حفظ وإدارة أصول العملاء.
وتكتسب الحادثة أهمية خاصة بالنظر إلى حجم أعمال "بينانس"، التي تجاوز عدد مستخدميها المسجلين 335 مليون مستخدم، فيما بلغت قيمة الأصول المحتفظ بها لديها نحو 162.8 مليار دولار، وفق بيانات تقريرها السنوي لعام 2025.
تحقيقات مستمرة وأسئلة بلا إجابات
ورغم إعلان المنصة تعهدها بتغطية الخسائر، لا تزال عدة تفاصيل جوهرية غير محسومة، أبرزها الآلية الدقيقة التي مكّنت المهاجمين من الوصول إلى الأنظمة الداخلية، والقيمة النهائية للأصول التي خرجت من المحافظ، فضلاً عن حجم الأموال التي يمكن استعادتها فعلياً.
وفي هذا السياق، رجحت بعض التحليلات الأمنية احتمال ارتباط الهجوم بمجموعة "Lazarus" الكورية الشمالية، إلا أنه لم يصدر تأكيد رسمي يثبت مسؤوليتها عن الحادثة.
وتعيد هذه الواقعة تسليط الضوء على التحديات الأمنية التي تواجه منصات تداول العملات المشفرة، خصوصاً أن حماية الأصول الرقمية لم تعد تقتصر على تأمين المفاتيح الخاصة، بل أصبحت تشمل أيضاً أجهزة الموظفين، وأنظمة إدارة الصلاحيات، والبنية التحتية المسؤولة عن اعتماد المعاملات وتنفيذها.
