ابوظبي - ياسر ابراهيم - الخميس 12 أكتوبر 2023 08:02 مساءً - وسط الصخب في «ليفربول» هذا الأسبوع، والحديث عن «عقد من التجديد الوطني»، يؤكد حزب العمال على سعيه للعودة إلى الحكم. وقد تعهد الحزب في المقام الأول بإعادة بناء الاقتصاد، لكن في عدة لجان على هامش المؤتمر، غمرت حقيقة باردة رؤوس المندوبين المتحمسين، تتعلق بما يتطلبه ويستتبعه حكم بريطانيا في النصف الثاني من هذا العقد.
إنه بعد 15 عاماً من خيبة الأمل منذ الأزمة المالية في عامي 2008 و2009، لن تتجلى الديناميكية وتبرز من تلقاء نفسها لمجرد أن حزب العمال قرر أن يجعل تحقيق نمو أعلى أولوية له، حتى إن شكّل الحكومة. بالفعل، يسجل معدل التوظيف مستويات أعلى بكثير مما كان عليه في 1997، حينما فاز حزب العمال للمرة الأخيرة وهو في موقع المعارضة.
وتصعّب التركيبة السكانية الأكبر سناً من عملية التوسع السريع. وتواجه الخدمات العامة صعوبات، مع قوائم انتظار في هيئة الخدمات الصحية الوطنية تزيد تقريباً عن ضِعف حجم التي كانت بانتظار توني بلير وغوردون براون حينما صعدا إلى السلطة. ويعني العيش في «عصر انعدام الأمن»، كما يحب وزراء الظل أن يرددوا أنه لن تكون هناك مكاسب دفاعية. ويأتي كل ذلك في وقت تشهد فيه المالية العامة ضعفاً أكبر بكثير مما كانت عليه في 1997، ويشكّل الدين العام 100 % من الدخل القومي مقارنة بنسبة 40 %.
بإمكاني، وقد فعلت ذلك، أن أسهب في الحديث عن مدى الصعوبة التي ستؤول إليها الأمور. إنها أمور محبطة. ولكن تُرى ما سيحدث إذا سارت الأمور على ما يرام لحكومة يشكّلها حزب العمال حال انتخابه في العام المقبل؟ وما أفضل ما يمكن لنشطاء ليفربول أن يأملوه بواقعية؟ إنهم سيحتاجون في أول عام بعد تشكيل الحكومة إلى حظ موفق.
لقد أصلح المحافظون بالفعل الضرر الذي جلبته ليز تراس على المالية العامة للمملكة المتحدة، لذا لا يجب أن يتوقع حزب العمل أن نجاحه في الانتخابات سيأتي بمكاسب فورية. لكن أسواق المال قد تعيد سريعاً تقدير مستوى الفائدة المطلوب لخفض التضخم والسيطرة على الأسعار. فقد ارتفعت هذه بما يتراوح بين نقطتين إلى ثلاث نقاط مئوية على المدى المتوسط منذ 2021، وتُقدّر كل نقطة مئوية بقرابة 20 مليار جنيه إسترليني، أو 0.7 % من الدخل القومي، من الاقتراض الحكومي وتعني مزيداً من الأوجاع التي تعتصر ميزانيات الأسر المعيشية أكثر وأكثر. وإذا عادت أسعار الغاز الطبيعي إلى متوسطات ما قبل 2022، فسيمكن حينئذ للبلاد أن تكون في وضع أفضل على الفور، مع توفر أموال للإنفاق دون تحفيز التضخم.
إن حزب العمال سيحتاج بعد ذلك إلى أن يصنع حظه بنفسه. وصحيح أن إزالة العقبات الحالية أمام تشييد الأبنية الجديدة هو أسرع طريق تجاه نمو أعلى، فالسماح بمدن جديدة وتشييد المساكن وإقامة مزارع للطاقة الشمسية والتوربينات الهوائية بالأماكن الممنوعة فيها حالياً من شأنه الاستفادة من الأراضي على نحو أكثر كفاءة ويعزز الإنتاجية. لكن من الصعب مع ذلك الترويج لفوائد التغيير في بلد معروف بمقاومته للتطوير وحيث تعتقد الجماهير فيه بأن حكومتهم المحلية بحاجة إلى قدر أكبر، وليس أقل، من التشريعات التنظيمية، لكنهم قد ينجحون في ذلك.
وسيتعين على رئيس للوزراء من حزب العمال يستهدف النمو أن يتبنى الموقف ذاته إزاء الحواجز التي تعيق التقدم الناجمة عن الـ«بريكست». وعلى المدى الطويل، قد تبدأ استراتيجية الحزب التي تنطوي على تحقيق الاستقرار الطموح في أن تؤتي ثمارها عن طريق استثمارات خاصة وعامة أعلى، مع تحسين نسيج الأمة وتعزيز معدل النمو المُستدام للاقتصاد.
وستحتاج زيادة الإنفاق الرأسمالي، في وقت يقترب فيه الاقتصاد من التوظيف الكامل، إلى أن تصاحبها زيادة في الواردات لمنع الاقتصاد من النمو المفرط، وإلى ضرائب أعلى لخفض الاستهلاك، فضلاً عن زيادة في المدخرات المحلية أو أسعار فائدة أعلى. ويتمثل الخيار الأفضل في إقناع حزب العمال البريطانيين بخفض الاستهلاك قليلاً وزيادة الاستثمار.
ويمكن كذلك لحزب العمال أن يمنح الشعب قدراً أكبر من الأمن ليجدوا سهولة أكبر في تحمل المخاطر وتغيير الوظائف وإعادة النظر في مساراتهم العملية وتغيير مواقعهم، فقد يفضي ذلك إلى ديناميكية أكبر من خلال ما أسماه بلير بـ«يد مرفوعة لأعلى أفضل من يد ممدودة»، أي المساعدة على النهوض والعمل والنشاط بدلاً من مجرد الاكتفاء بتقديم المساعدة. بذلك، بإمكاننا تصور اقتصاد بريطاني أفضل، لكن ذلك سيحتاج إلى كل من الحظ الموفق والجسارة السياسية. ولم يتوفر لنا أي منهما كثيراً في الآونة الأخيرة، لكنه أمر ممكن.
تابعوا حال الخليج الاقتصادي عبر جوجل نيوز
