ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 18 يناير 2026 01:21 مساءً - يسبب تزايد شعبية السيارات الكهربائية القادمة من الصين صداعا متزايدا لمنتجي السيارات في أوروبا، وللاتحاد الأوروبي، في ظل مطالبة عواصم التكتل بحماية الشركات الوطنية.
وتجد المفوضية الأوروبية، وهي المسؤولة عن الإشراف على سياسة التجارة بالاتحاد الأوروبي، نفسها أمام معادلة صعبة: تجنب حرب تجارية من جهة، وبث بعض الحيوية في اقتصاد التكتل الذي يعاني من الركود، من ناحية أخرى.
ويحاول الاتحاد الأوروبي الآن تطبيق حد أدنى للأسعار على السيارات الكهربائية الصينية، لتعويض آثار الدعم الحكومي الذي تقدمه بكين، بدلا من فرض مزيد من الرسوم الجمركية.
وكان الاتحاد الأوروبي فرض في عام 2024 رسوما جمركية وصلت إلى 3ر35% على السيارات الكهربائية الصينية، بعدما خلص تحقيق بشأن الدعم إلى أن دعم بكين للمنتجين الصينيين يقوض قدرة نظرائهم الأوروبيين على المنافسة، ويمنحهم أفضلية واسعة.
ومنذ ذلك الحين، يجري الجانبان محادثات بحثا عن حلول بديلة.
إلى أي مدى يكون السعر رخيصا أكثر من اللازم؟
وبموجب إرشادات جديدة نشرتها المفوضية الأوروبية الأسبوع الماضي، يمكن للشركات الالتزام بتحديد أسعار منخفضة للسيارات التي يستوردها الاتحاد الأوروبي لتجنب الرسوم الإضافية على الأسعار.
وبحسب الإرشادات الجديدة، سوف يتم تقييم هذه العروض بشكل موضوعي وعادل من جانب المفوضية، على أن يكون الشرط الأساسي هو أن تقضي هذه الإجراءات على الآثار الضارة للدعم، وأن يكون لها أثر يعادل تأثير الرسوم الجمركية.
وقال المتحدث باسم المفوضية، أولوف جيل، إن الوثيقة المنشورة "تهدف إلى تقديم إرشادات للمصدرين الصينيين الذين قد يفكرون في تقديم عروض التزام سعري لصادرات السيارات الكهربائية التي تعمل بالبطاريات للاتحاد الأوروبي، والتي تخضع حاليا لرسوم تعويضية."
وأضاف أن المفوضية تلقت حتى عرض التزام سعري وحيد، دون تحديد الشركة أو الطراز، مشيرا إلى أن المفوضية ستنظر في مقترحات أخرى شريطة أن "تعالج بشكل كاف الميزة التنافسية غير العادلة" وأن تكون "قابلة للتطبيق عمليا."
ولكن خبير السيارات الألماني فرديناند دودنهوفر، رئيس معهد أبحاث السيارات، الخاص، أعرب عن تشككه في تأثير فرض حد أدنى للأسعار على المنافسة.
ووفقا لحسابات الاتحاد الأوروبي، تمنح الإعانات غير العادلة المنتجين الصينيين ميزة سعرية تقارب 20% في السوق الأوروبية. ولهذا السبب، تم منذ عام 2024 فرض رسوم تتراوح بين 8ر7% و3ر35% بحسب الشركة المنتجة.
وتتأثر بهذه الرسوم أيضا شركات ألمانية وأمريكية تقوم بتصنيع سياراتها في الصين.
وفي رد فعل على ذلك، فرضت الصين رسوما خاصة على سلع أوروبية مثل المشروبات الروحية ولحوم الخنزير ومنتجات الألبان.
وبحسب المعهد، يبيع المصنعون الصينيون طرازاتهم في الاتحاد الأوروبي بمتوسط هامش ربح بواقع 118%، فوق السعر المحلي.
الضغوط من جميع الاتجاهات
وأظهر أحدث تقرير لوكالة الأبحاث الأوروبية (يوروفاوند) أن صناعة السيارات بالاتحاد الأوروبي توظف نحو 6 ملايين عامل بشكل مباشر، و6 ملايين آخرين في القطاعات المرتبطة بها.
ومنذ عام 2019، تسارعت بشكل واضح وتيرة فقدان الوظائف في هذا القطاع: ففي عام 2024 وحده وبداية عام 2025، أعلنت شركات أوروبية عمليات تسريح عمال، طالت نحو 100 ألف وظيفة.
وجاءت أكبر خسائر الوظائف في الدول التي تتمتع فيها كبرى شركات السيارات الأوروبية بحضور قوي، مثل فرنسا - حيث ثارت مخاوف من تراجع هيكلي - وكذلك ألمانيا وإيطاليا، ثم إسبانيا بدرجة أقل.
كما تواجه دول وسط وشرق أوروبا، مثل جمهورية التشيك والمجر وبولندا ورومانيا وسلوفاكيا، احتمال نقل عمليات الإنتاج إلى خارج الاتحاد الأوروبي، إلى دول تقل فيها تكاليف العمالة.
قلق صناعة السيارات الألمانية
وتواجه ألمانيا، التي كانت على مدار سنوات طويلة قوة عالمية في صناعة السيارات، مشكلة خاصة: فالطلب على السيارات الكهربائية يزداد، فيما لا يتجه المستهلكون بالضرورة إلى السيارات الكهربائية من "فولكسفاغن" أو "بي إم دبليو"، في ظل وجود نماذج صينية أقل سعرا بالسوق.
وبحسب بيانات رسمية صدرت مطلع يناير الجاري، شهدت مبيعات السيارات الكهربائية في ألمانيا انتعاشا قويا في عام 2025، وحقق المنتجون الصينيون تقدما قويا انطلاقا من قاعدة منخفضة في أكبر اقتصاد بأوروبا، رغم الرسوم الجمركية.
وارتفعت مبيعات السيارات الكهربائية بنسبة 2ر43%العام الماضي لتصل إلى 545,142 سيارة، حوالي1ر19% من إجمالي السيارات الجديدة المباعة، بحسب إدارة المرور الفيدرالية الألمانية (كيه بي أيه).
وسجلت شركة "بي واي دي"، الصينية العملاقة- التي تجاوزت العام الماضي شركة "تسلا" المملوكة للملياردير إيلون ماسك لتصبح أكبر منتجي للسيارات الكهربائية في العالم - زيادة في مبيعاتها بألمانيا تجاوزت 700%، لتصل إلى أكثر من 23 ألف سيارة، بحصة سوقية بلغت 8ر0%.
وجاء هذا الارتفاع بعد تراجع قارب 30% في 2024، عقب سحب الدعم الحكومي، ولا تزال سوق السيارات الكهربائية في ألمانيا أصغر مما كان يأمله المتفائلون.
وبعد تراجع المبيعات في 2024، أعلنت الحكومة في ديسمبر الماضي إعادة العمل بالدعم.
وسوف يستفيد بعض المشترين من دعم قدره 5000 يورو (800ر5 آلاف دولار) لشراء سيارة كهربائية أو هجينة جديدة، شريطة أن تكون مكوناتها مصنعة، إلى حد كبير، في ألمانيا.
ولكن أوساط الصناعة تعتقد أن تحسين البنية التحتية لمحطات الشحن وخفض أسعار الطاقة أمران ضروريان لتعزيز الاعتماد على السيارات الكهربائية، وحذرت من أن الدعم المقرر سوف يكون له أثر محدود.
وفي الوقت نفسه، أشارت شركات السيارات الألمانية إلى تراجع حاد في مبيعاتها بالصين.
وأعلنت فولكسفاغن في يناير الجاري أن مبيعاتها في 2025 انخفضت بنسبة 8% على أساس سنوي، نتيجة المنافسة الشديدة من المنتجين المحليين. كما سجلت "مرسيدس-بنز" تراجعا بنسبة 19%، في حين باعت "بي إم دبليو" عددا أقل من السيارات بنسبة 5ر12% في السوق الصينية.
ويبيع المصنعون الألمان، مثل مرسيدس أو فولكسفاغن، نحو 30% من سياراتهم في السوق الصينية.
تداعيات غير مباشرة
ولا يقتصر الشد والجذب على الشركات الكبرى، بل يشمل قطاع السيارات في القارة كلها.
وتزداد أهمية بلغاريا كمورد لمكونات السيارات بالنسبة للمصنعين الأوروبيين. وأصبح هذا القطاع أحد أقوى فروع الصناعة في البلاد، وقد حقق إيرادات سنوية تقارب 11 مليار يورو، بحسب وسائل إعلام وتحليلات صناعية.
وأدى ذلك إلى تعرض البلاد بشكل غير مباشر للنزاع مع الصين فيما يتعلق بالسيارات الكهربائية، حيث قد يقلص تراجع مبيعات منتجي السيارات الأوروبيين الطلبات على الموردين البلغار، في حين يصبح لتعافي الأسواق الرئيسية مثل ألمانيا أثر معاكس.
وفي الوقت نفسه، يرى المحللون أن بلغاريا تلعب دورا يزداد أهمية في استراتيجية الصين لقطاع السيارات، حيث لا تكتفي الشركات الصينية بتصدير السيارات لأوروبا، بل توسع أيضا إنتاجها وشراكاتها داخل التكتل.
ويؤدي ذلك إلى تأثير مزدوج: فإجراءات الاتحاد الأوروبي التجارية قد تحمي صانعي السيارات الأوروبيين، لكن الوجود الصناعي الصيني داخل أوروبا من شأنه أن يتيح فرصا جديدة أمام الموردين من بلغاريا.
ويتوقع دودنهوفر تقلص قطاع السيارات في ألمانيا وبقية أوروبا خلال السنوات المقبلة، مع نقل المصنعين إنتاجهم إلى أمريكا أو آسيا، وذلك وفق توقعاته لسوق عام 2026.
التحول العكسي من الأخضر إلى البنزين
وتتعقد الصورة أكثر بفعل السياسات الخضراء للاتحاد الأوروبي. ففي ديسمبر الماضي، تراجع الاتحاد عن حظر كان مقررا فرضه في 2035 على بيع السيارات الجديدة التي تعمل بالبنزين والديزل، والذي كان يعد محطة رئيسية في مكافحة تغير المناخ، واتجه التكتل بدلا من ذلك إلى دعم قطاع السيارات الذي يعاني أزمة.
وبموجب مقترحات انتقدتها جماعات بيئية ووصفتها بأنها "تخريب ذاتي"، سوف يطلب من شركات السيارات الآن خفض انبعاثات العوادم من المركبات الجديدة بنسبة 90% مقارنة بمستويات عام 2021، بدلا من خفض كامل بنسبة 100%.
وأكد مفوض الصناعة في الاتحاد الأوروبي، ستيفان سيجورنيه، أن الطموحات الخضراء للتكتل لا تزال قائمة، وهو يطرح خطة وصفها بأنها "شريان حياة" لصناعة السيارات الأوروبية.
وكان حظر محركات الاحتراق الداخلي قوبل بترحاب واسع لدى إقراره في 2023 باعتباره انتصارا هائلا لمعركة حماية المناخ وأداة أساسية لدفع الاستثمارات نحو التحول الكهربائي.
ولكن الخطة التوفيقية الجديدة تعرضت لانتقادات حادة من نشطاء البيئة ومن جماعات الصناعة على حد سواء.
وقالت هيلديغارد مولر، رئيسة اتحاد صناعة السيارات في ألمانيا (في دي أيه)، إن المقترح "مثقل بعدد كبير من العقبات لدرجة تهدد بجعله غير فعال عمليا".
وأضافت: "في زمن تشتد فيه المنافسة الدولية، وتكون فيه القوة الاقتصادية الأوروبية أمرا حيويا، فإن هذه الحزمة الشاملة الصادرة عن بروكسل كارثية."
ويرى دودنهوفر أن مستقبل صناعة السيارات الألمانية مرتبط على نحو وثيق بالسوق الصينية، ودعا جميع المصنعين إلى تطوير وإنتاج سيارات كهربائية "في الصين من أجل الصين".
وفي هذا السياق، انتقد دودنهوفر تخفيف خطة التخلص من محركات الاحتراق، وأكد أن الحل ليس الانفصال عن التطورات، بل مواجهة المنافسة في السوق الصينية الصعبة.
واختتم بالقول: "إذا لم تكن في الصين، فأنت خارج صناعة السيارات."
أخبار متعلقة :