ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 25 يناير 2026 07:21 مساءً - تحدى الرئيس التنفيذي لمنصة «كوينباس» محافظ بنك فرنسا، فرانسوا فيليروي دي غالهو، بشكل مباشر بشأن استقلالية العملات السيادية والعملات المشفرة، فلم يعد الجدل حول بيتكوين والعملات المشفرة يدور فقط حول التقلبات السعرية أو مخاطر المضاربة، بل اتخذ في السنوات الأخيرة طابعاً أعمق، يمس جوهر السيادة النقدية، ودور الدولة في إدارة المال.
النقاش الذي دار في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي بين محافظ البنك المركزي الفرنسي ورئيس منصة «كوينباس» بريان أرمسترونغ جاء بالتوازي مع رسائل أكثر حدة، أطلقها الأخير عن إدراك البنوك العالمية لما يسميه «التهديد الوجودي»، الذي تمثله العملات المشفرة لنموذجها التقليدي.
بدا غالهو حاسماً في رفض فكرة معيار بيتكوين، في رده على ما إذا كان يرى خطراً من العملات المشفرة يهدد اليورو، مؤكداً أن النقود ليست أداة تقنية محايدة، بل وظيفة سيادية مرتبطة بالديمقراطية. وبرأيه فإن التخلي عن الدور العام للنقود يعني فقدان إحدى الركائز الأساسية، التي تقوم عليها الدولة الحديثة، حتى لو تغيرت الأشكال من الذهب والفضة إلى الأوراق النقدية، وصولاً إلى العملات الرقمية للبنوك المركزية أو ما يعرف بـ«CBDCs».
هذا الطرح يعكس القلق المركزي لدى صناع السياسة النقدية، حيث يشير إلى مخاوف تتركز حول خروج مرساة الثقة من يد الدولة نهائياً.
في المقابل قدم بريان أرمسترونغ رؤية مختلفة، لا تنكر دور العملات التقليدية، لكنها تضع بيتكوين في موقع آلية رقابية طبيعية على سلوك الحكومات المالية، فحين تهتز الثقة بالعملات الورقية، بسبب التضخم أو العجز أو سياسات «طباعة النقود»، يتجه الأفراد نحو أصل محدود المعروض لا تملكه دولة، ولا تتحكم به مؤسسة.
واستشهد أرمسترونغ بحالات دولية مثل الأرجنتين وتركيا ونيجيريا، حيث تحول البيتكوين – وفق منطقه – إلى مخزن قيمة بديل، تماماً كما لعب الذهب هذا الدور تاريخياً، ولكن الفارق أن بيتكوين، كما يقول «لا تملك مطبعة نقود».
تفويض ديمقراطي أم استقلال مطلق؟
القاسم المشترك بين الطرفين هو الثقة، لكن الخلاف يكمن في مصدرها، فالبنوك المركزية ترى أن استقلالها، المقترن بتفويض ديمقراطي، هو الضمانة الأساسية للاستقرار النقدي، أما منظومة بيتكوين، فيراها أرمسترونغ أكثر استقلالاً من أي بنك مركزي، لأنها ببساطة بلا مصدر، وبلا دولة، وبلا مالك.
هذا التضاد يبرز مناطق الخوف لدى البنوك المركزية، والتي لا تنظر لبيتكوين فقط أصلاً مالياً بل فكرة سياسية واقتصادية في آن.
خارج دافوس.. البنوك تشعر بالتهديد
في رسالة لافتة نشرها أرمسترونغ بعد عودته من دافوس كشف أن أحد كبار التنفيذيين في أحد أكبر 10 بنوك عالمية وصف العملات المشفرة بأنها «الأولوية الأولى» لبنكه، وتهديد وجودي لنموذج أعماله، اللافت أن هذا الاعتراف لم يكن دفاعياً بل مقروناً بمحاولات جادة للانخراط في البنية التحتية للعملات المشفرة.
وبحسب أرمسترونغ فإن عدداً متزايداً من قادة القطاع المالي التقليدي باتوا يرون في التشفير فرصة بقدر ما هو تحدٍ، خصوصاً مع تسارع النقاش حول ترميز الأصول، من العملات المستقرة إلى الأسهم والديون.
الخوف الأعمق لدى البنوك لا يرتبط ببيتكوين وحده، بل بإمكانية تفكيك دور الوسيط المالي، فترميز الأصول قد يتيح مستقبلاً تحويل القيمة وتسوية الصفقات فورياً، دون غرف مقاصة أو شبكات دفع تقليدية، ومع وجود مليارات من البالغين عالمياً خارج النظام الاستثماري يراهن أنصار التشفير على أن هذه التكنولوجيا ستعيد رسم خريطة الوصول إلى الخدمات المالية.
لماذا بيتكوين تحديداً؟
رغم تعدد تطبيقات «الكريبتو»، يبقى بيتكوين هو الرمز الأكثر إزعاجاً للبنوك المركزية، ليس لأنه سيحل محل اليورو أو الدولار غداً، بل لأنه، يقدم بديلاً رمزياً للثقة خارج الدولة، ويعمل كـ«ميزان قوى» ضد التوسع المالي غير المنضبط، كما يمنح الأفراد خياراً في أوقات عدم اليقين.
ما بين خطاب السيادة الذي تتبناه البنوك المركزية، وخطاب اللامركزية الذي يرفعه قادة منصات العملات المشفرة، يتشكل صراع مرشح للاستمرار لسنوات،
فحتى مع التنظيم، ومع تبني البنوك للتقنيات الجديدة يبقى السؤال الجوهري عالقاً: هل يمكن للنقود أن تبقى أداة دولة في عصر البروتوكولات المفتوحة؟ أم أن بيتكوين، دون أن يصبح معياراً رسمياً، سيبقى تذكيراً دائماً بحدود السلطة النقدية؟
أخبار متعلقة :