ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأربعاء 11 مارس 2026 09:36 مساءً - تشهد أسواق النفط العالمية مجدداً حالة من التوتر الجيوسياسي المتصاعد، مع تزايد تركيز المتعاملين والمحللين على الهشاشة الاستراتيجية لمضيق هرمز. ويعد هذا الممر البحري الضيق أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، إذ تمر عبره قرابة خُمس إمدادات النفط العالمية، ما يجعله عاملاً رئيسياً في تشكيل توقعات أسعار النفط، خصوصاً بالنسبة لخام غرب تكساس الوسيط.
وتشير مؤشرات السوق إلى أن مجرد التهديد باضطراب حركة الملاحة في المضيق، حتى دون إغلاق فعلي، كفيل بإضافة علاوة مخاطر واضحة إلى أسواق الطاقة، ويؤدي ذلك عادة إلى ارتفاع مستويات التقلب في عقود النفط الخام والغاز الطبيعي على حد سواء. وقد انعكس هذا الواقع على أداء خام غرب تكساس الوسيط، الذي يتحرك حالياً في نطاق يتسم بالحذر والترقب، في ظل إدراك الأسواق أن أي تعطل ملموس لحركة الشحن عبر المضيق قد يخلق اختلالاً فورياً في توازن العرض العالمي.
ويكتسب المضيق أهمية استثنائية باعتباره المسار الرئيسي لصادرات النفط القادمة من دول الخليج، بما في ذلك المملكة العربية السعودية والعراق والكويت والإمارات العربية المتحدة. ورغم امتلاك أرامكو السعودية بعض القدرة على تحويل جزء من صادراتها عبر خطوط أنابيب تصل إلى البحر الأحمر، فإن هذه البدائل تبقى محدودة مقارنة بحجم التدفقات التي تعبر المضيق يومياً. وتشير الحقائق اللوجستية إلى أن الجزء الأكبر من صادرات النفط الخليجية لا يزال يعتمد على هذا الممر الاستراتيجي، ما يجعله إحدى أكثر النقاط الجغرافية حساسية في معادلة أمن الطاقة العالمي.
وفي موازاة ذلك، تواصل منظمة البلدان المصدرة للبترول وشركاؤها في تحالف أوبك+ لعب دور مهم في تحقيق التوازن في سوق النفط من خلال سياسات إدارة الإنتاج، وقد أسهم التزام التحالف بخفض الإمدادات في الحد من تضخم المخزونات العالمية، رغم التفاوت في وتيرة نمو الطلب، إلا أن أي اضطراب في مضيق هرمز قد يضع هذه المعادلة الدقيقة تحت ضغط كبير، إذ تصبح وفرة الإمدادات الفعلية العامل الحاسم في تحديد اتجاه الأسعار في ظل القيود المحتملة على حركة الشحن.
وفي مثل هذا السيناريو، قد يشهد خام غرب تكساس الوسيط موجة إعادة تسعير صعودية حادة، مع تسارع المتعاملين لتسعير احتمال فقدان مفاجئ في القدرة التصديرية لعدد من كبار المنتجين في آن واحد.
وفي هذا السياق، قالت رزان هلال، محللة الأسواق في «فوركس دوت كوم»: إن خام غرب تكساس الوسيط يواصل التداول بالقرب من مستوى 80 دولاراً للبرميل في ظل ارتفاع التكاليف المرتبطة باضطرابات مضيق هرمز، وهو ما يدعم قوة الدولار الأمريكي نتيجة تجدد التوقعات باستمرار الضغوط التضخمية واحتمال تثبيت أسعار الفائدة.
وأضافت أن هذا الوضع يفرض ضغوطاً على مؤشرات الأسهم العالمية، ولا سيما في الاقتصادات الأكثر اعتماداً على الطاقة، مشيرة إلى أنه إذا استمرت هذه الظروف لفترة أطول فقد تتزايد احتمالات حدوث تراجع أوسع في الأسواق العالمية. كما رجحت أن يحافظ النفط على اتجاه صعودي قوي يعيد إلى الأذهان التقلبات التي شهدتها الأسواق خلال الحرب الروسية الأوكرانية، ما لم يتم التوصل إلى حلول تخفف من حدة التوترات.
ولا تقتصر التداعيات المحتملة على أسواق النفط فقط، إذ تظهر أسواق الغاز الطبيعي أيضاً حساسية مماثلة للتطورات في الخليج، خصوصاً أن قطر، إحدى أكبر الدول المصدرة للغاز الطبيعي المسال في العالم، تعتمد بشكل كبير على مضيق هرمز لنقل شحناتها إلى الأسواق الدولية.
ورغم أن تجارة الغاز الطبيعي المسال تتمتع بمرونة نسبية مقارنة بتدفقات النفط الخام، فإن الموقع الجغرافي لقطر يحد من خياراتها البديلة في حال تعرض حركة الملاحة البحرية لقيود أو اضطرابات.
وأوضحت هلال أن أسعار الغاز الطبيعي، رغم ارتفاعها، لا تزال تواجه صعوبة في تجاوز مستويات مقاومة ممتدة منذ نحو ثلاث سنوات، في وقت يظل الحذر السمة الأبرز في توجهات السوق، لكنها أشارت إلى أن أي تصعيد إضافي في اضطرابات الإمدادات حول مضيق هرمز قد يغير هذه المعادلة سريعاً، خصوصاً أن القيود الحالية تهدد ما يقارب خُمس تدفقات الغاز الطبيعي المسال عالمياً.
وأضافت أن توقف الإنتاج في بعض المنشآت القطرية عقب ضربات استهدفت مرافق رئيسية يسلط الضوء على هشاشة الإمدادات، لافتة إلى أن أي تعطل مطوّل لحركة الشحن عبر المضيق قد يدفع الأسعار إلى ارتفاعات ملموسة ويشدد ظروف السوق في الدول المستوردة للطاقة، ما سيدفع المشترين إلى تكثيف عمليات التحوط تحسباً لمزيد من الاضطرابات.
وفي المحصلة، تعكس هذه التطورات الهشاشة الهيكلية التي تميز مشهد الطاقة العالمي حالياً، حيث تحاول الأسواق الموازنة بين مؤشرات دبلوماسية تبدو أكثر إيجابية من جهة، وبين المخاطر الجيوسياسية الكامنة في واحد من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم من جهة أخرى.
وفي الوقت الراهن، يبدو أن المتعاملين في الأسواق يفترضون استمرار بقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام حركة الملاحة، غير أن تجارب التاريخ تشير إلى أن أسواق الطاقة لا تحتاج إلا إلى اضطراب قصير في توقيت حساس كي يتحول الخطر المحتمل إلى واقع ملموس بسرعة.
أخبار متعلقة :