ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 13 أبريل 2026 09:06 مساءً - عندما يُذكر الذهب في الولايات المتحدة، يتبادر إلى الذهن فوراً اسم "فورت نوكس"، أو رسمياً مستودع سبائك الذهب الأمريكي، في ولاية كنتاكي، والذي يُعد أحد أكثر المواقع تحصيناً في العالم.
هذا القبو العسكري الشديد الأمان يحتفظ بجزء كبير من احتياطي الذهب الأمريكي، ويُقدَّر أنه يضم أكثر من 4,500 طن متري من الذهب، أي ما يعادل مئات الملايين من الأونصات، وهو ما يشكّل نسبة صغيرة من إجمالي الذهب المستخرج عالميا عبر التاريخ، لكن المفاجأة أن "فورت نوكس" ليس أكبر مخزن للذهب النقدي في العالم.
المكان الحقيقي يعود إلى مكان أكثر هدوءا وسط صخب مانهاتن، قبو الذهب في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك (Federal Reserve Bank of New York) هذا القبو الواقع على عمق يقارب 24 مترا تحت الأرض يُعد أكبر مخزن للذهب النقدي في العالم، إذ يحتوي على نحو 6,300 طن متري من الذهب، موزعة في مئات الآلاف من السبائك.
المفارقة أن هذا الذهب ليس ملكا للاحتياطي الفيدرالي نفسه، بل يُحفظ لصالح دول وبنوك مركزية من مختلف أنحاء العالم، ما يجعل القبو بمثابة "خزنة عالمية" تحت إدارة أمريكية. ومن بين هذه الاحتياطيات، توجد أصول تعود لحكومات ومنظمات دولية، وقد أثارت بعض الكميات المتنازع عليها جدلًا عبر السنوات.
لا تعود ملكية هذا الذهب إلى نظام الاحتياطي الفيدرالي نفسه، بل يعمل كجهة وصاية، يحتفظ بهذه الثروات نيابةً عن أطراف متعددة، تشمل حكومات أجنبية وبنوكاً مركزية ومنظمات دولية رسمية.
كما تضم هذه الخزائن كميات محدودة لكنها ذات حساسية تاريخية، من بينها ذهب ارتبط بفترات اضطراب كبرى مثل الحرب العالمية الثانية، حيث تنقّل عبر أنظمة مالية أوروبية قبل أن يستقر في هذه المواقع الآمنة.
لكن لماذا تفضّل الدول تخزين ذهبها خارج حدودها؟
تعود الإجابة إلى مزيج من الثقة والاعتبارات العملية. فبعد الحرب العالمية الثانية، برزت الولايات المتحدة كقوة اقتصادية مستقرة تمتلك بنية تحتية متقدمة، ما جعلها خيارا موثوقا لحفظ الاحتياطيات السيادية.
إلى جانب ذلك، يوفّر هذا النظام ميزة مهمة؛ إذ يمكن تسوية المعاملات الدولية عبر نقل ملكية السبائك داخل القبو نفسه، دون الحاجة إلى شحنها فعليًا عبر القارات، مما يقلل المخاطر ويزيد من سرعة وكفاءة التعاملات المالية.
أما في "فورت نوكس"، فيبقى الذهب الأمريكي الرسمي جزءا من احتياطي الخزانة، موزعا بين عدة مواقع محصنة داخل الولايات المتحدة، وفق تقرير لموقع "iflscience".
اليوم، ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية عالميا، عاد هذا النظام إلى دائرة النقاش، حيث بدأت بعض الدول الكبرى مثل ألمانيا وإيطاليا بإعادة تقييم فكرة إبقاء ذهبها في الخارج، وسط دعوات متزايدة لإعادته إلى الداخل.
لم يعد الذهب مجرد ثروة خاملة في خزائن مغلقة، بل تحوّل إلى أداة نفوذ حقيقية تُستخدم في رسم ملامح التوازنات الدولية.
في عالم اليوم، حيث تتصاعد التوترات بين القوى الكبرى وتزداد الشكوك في استقرار الأنظمة المالية، يستعيد الذهب مكانته كـ"ملاذ أخير". فعلى عكس العملات الورقية التي يمكن أن تتأثر بالتضخم أو القرارات السياسية، يظل الذهب أصلا ماديا لا يرتبط مباشرة بسياسات دولة بعينها، وهذا ما يمنحه قيمة استراتيجية عالية.
خلال السنوات الأخيرة، بدأت بنوك مركزية عديدة في زيادة احتياطياتها من الذهب بشكل ملحوظ، ليس فقط كتنويع مالي، بل كتحوّط سياسي أيضا.
ويلعب الذهب دورا غير مباشر في تقويض الهيمنة التقليدية لبعض العملات العالمية، خصوصا مع توجه بعض الاقتصادات الكبرى إلى تقليل اعتمادها على الدولار في التجارة الدولية. في هذا السياق، يُستخدم الذهب كوسيلة لتسوية المعاملات أو كضمان لتعزيز الثقة في الاتفاقيات الثنائية، فالذهب لم يعد مجرد احتياطي مالي، بل أصبح عنصرا في لعبة النفوذ العالمي، ُيستخدم كدرع ضد الأزمات، وكأداة لتقليل التبعية الاقتصادية ووسيلة لتعزيز السيادة الوطنية.
أخبار متعلقة :