ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأربعاء 22 أبريل 2026 10:21 صباحاً - يُعد معدل الخصوبة المثالي عالمياً هو 2.1 طفل لكل امرأة، وهو المستوى الذي يضمن استقرار عدد السكان في أي دولة، أما إذا انخفض عنه، يبدأ المجتمع في الانكماش تدريجياً، وتشير البيانات الحديثة إلى أن عدداً متزايداً من دول العالم بات دون هذا الحد، ما يعكس تحولاً ديموغرافياً واسعاً يتمثل في شيخوخة السكان وتراجع القوى العاملة.
في هذا السياق، تُظهر أمريكا اللاتينية أحد أبرز التحولات، حيث تتصدر تشيلي المشهد بمعدل خصوبة يبلغ نحو 1.1 طفل لكل امرأة، لتصبح من أدنى الدول في المنطقة بل وتتجاوز في انخفاضها دولاً مثل اليابان، ويأتي هذا التراجع في وقت تشهد فيه القارة بأكملها انخفاضاً ملحوظاً في المواليد، حيث بلغ المتوسط الإقليمي نحو 1.8 طفل لكل امرأة، وهو أقل من مستوى الإحلال السكاني.
ويمثل هذا التحول قفزة تاريخية مقارنة بالستينيات، حين كان معدل المواليد يقترب من ستة أطفال لكل امرأة، لكن الأرقام الحالية تعكس واقعاً جديداً تتسارع فيه الشيخوخة السكانية في المنطقة، مع تداعيات واضحة على الاقتصاد والسياسة وسوق العمل، من بينها تراجع أعداد الطلاب في المدارس، وضغط متزايد على أنظمة التقاعد، وتغير في البنية الانتخابية لصالح الفئات الأكبر سناً وفق geographical.
وفي تشيلي تحديداً، انخفض معدل الخصوبة من 4.8 طفل عام 1950 إلى 1.1 طفل في عام 2025، مع تراجع إضافي بنسبة تقارب 29% خلال العقد الأخير، ما جعلها صاحبة أدنى معدل إنجاب في الأمريكيتين.
ويعود هذا الانخفاض إلى عوامل متعددة، أبرزها توسع التعليم، خصوصاً بين النساء، وزيادة مشاركتهن في سوق العمل، إلى جانب ضعف سياسات دعم الأسرة مثل رعاية الأطفال.
كما تشير التوقعات الرسمية إلى استمرار هذا التراجع خلال السنوات المقبلة، حتى مع ارتفاع معدلات الهجرة، ما يعني أن الانخفاض السكاني مرشح للتسارع.
ويصف بعض الباحثين هذا التحول بـ"المد الرمادي" الذي يجتاح أمريكا اللاتينية، وهو تحول قد يؤثر على المشهد السياسي أكثر من التحولات السياسية السابقة، مع تزايد نفوذ كبار السن في العملية الانتخابية، وإغلاق مدارس بسبب نقص الطلاب، وتراجع مساهمات أنظمة التقاعد.
وفي المقابل، يرى آخرون أن هذا التحول لا يجب النظر إليه كأزمة فقط، بل كفرصة اقتصادية ناشئة تُعرف بـ"اقتصاد كبار السن"، والذي قد تصل قيمته إلى نحو 650 مليار دولار بحلول 2033، مدفوعاً بالاستثمار في الرعاية الصحية والروبوتات والخدمات المخصصة لكبار السن.
الدول الأكثر انخفاضاً في عدد المواليد
أما على المستوى العالمي، فتتصدّر كوريا الجنوبية قائمة الانخفاض الحاد، حيث هبط معدل الخصوبة إلى نحو 0.7 طفل لكل امرأة، بعد أن كان من بين الأعلى عالمياً في منتصف القرن الماضي.
وقد أعلنت الحكومة الكورية حالة طوارئ ديموغرافية، وضخت استثمارات ضخمة لدعم الإنجاب، إلا أن النتائج بقيت محدودة بفعل ارتفاع تكاليف المعيشة وثقافة العمل الصارمة.
وفي إيطاليا بلغ معدل الخصوبة نحو 1.2 طفل لكل امرأة، مع تسجيل وفيات تفوق المواليد، في ظاهرة توصف بـ"الشتاء الديموغرافي"، حيث يضغط تراجع الولادات على نظام التقاعد وسوق العمل، خصوصاً مع استمرار الأزمات الاقتصادية.
أما في ليتوانيا، فقد تراجع المعدل إلى 1.2 أيضاً، مع خسائر سكانية واضحة بسبب الهجرة وتراجع الزواج وارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى شيخوخة سكانية متسارعة في المناطق الريفية.
وفي اليابان، انخفض معدل الخصوبة إلى نحو 1.2 طفل لكل امرأة، مع توقعات بانكماش كبير في عدد السكان خلال العقود المقبلة، نتيجة ارتفاع تكاليف الحياة، وتأخر الزواج، وثقافة العمل الطويلة، رغم محاولات الحكومة لدعم الأسر.
ويُظهر هذا المشهد العالمي أن تراجع الخصوبة لم يعد حالة محلية أو مؤقتة، بل تحول بنيوي شامل يمس معظم الاقتصادات المتقدمة والناشئة، مع انعكاسات عميقة على النمو الاقتصادي، وسوق العمل، وأنظمة التقاعد والرعاية الصحية. ورغم السياسات التحفيزية المتزايدة، لا يزال الاتجاه العام يميل نحو مزيد من الانخفاض، ما يجعل التحدي الديموغرافي أحد أبرز قضايا القرن الحادي والعشرين.
أخبار متعلقة :