ابوظبي - ياسر ابراهيم - الخميس 23 أبريل 2026 05:06 مساءً - كشف تقرير حديث أصدرته مؤسسة «ألتراتا» (Altrata)، المتخصصة في أبحاث الثروات، بالتعاون مع «أرتون كابيتال»، عن تحولات جوهرية في خارطة الثروات العالمية، مؤكداً أن دبي رسخت مكانتها واحدة من أبرز مناطق الجذب لرؤوس الأموال المتنقلة والمبتكرين من أصحاب الثروات الفائقة، ووضعتها على مسار لتصبح في قلب التوجهات العالمية بحلول 2030.
وأشار التقرير، الذي يحمل عنوان «المواطنون العالميون: ريادة الأعمال، والتنقل، والأثرياء»، إلى أن دبي لم تعد مجرد وجهة سياحية أو مركز مالي إقليمي، بل تحولت إلى قاعدة سكنية وتجارية عالمية، تستقطب النخبة التي ولدت خارج حدودها.
وفقاً للبيانات التي رصدها التقرير، يشهد العالم نمواً متسارعاً في فئة أصحاب الثروات الطائلة (UHNW)، الذين تتجاوز ثرواتهم 30 مليون دولار، ومن المتوقع أن يصل عددهم عالمياً إلى 734,100 فرد بحلول عام 2030، بزيادة قدرها 34 % مقارنة بعام 2025، وتُقدر الثروة الصافية الإجمالية لهذه الشريحة بنحو 84 تريليون دولار.
خلق القيمة
وحسب التقرير «يشكل المولودون في الخارج خمس سكان العالم من أصحاب الثروات الفائقة، ما يعكس الدور المحوري للهجرة في دفع عجلة الابتكار وخلق القيمة».
وأكد التقرير أن دبي تتميز بأنها واحدة من أكثر الوجهات جاذبية لهذه الفئة، حيث تبرز ضمن قائمة تضم سويسرا، والمملكة المتحدة، وسنغافورة، وموناكو. وتنفرد دبي بخصائص ديموغرافية واقتصادية تجعلها نموذجاً فريداً.
وتتميز دبي عن مراكز الثروة التقليدية بامتلاكها شريحة شبابية حيوية من الأثرياء المولودين في الخارج، حيث يقل عمر نحو 20 % من هؤلاء الأفراد عن 50 عاماً، وهي نسبة استثنائية، تعادل 3 أضعاف نظيرتها في مركز مالي عريق مثل سنغافورة.
ولا تقتصر قوة هذه الثروات على ديموغرافية أصحابها فحسب، بل تمتد لتشمل تنوعاً قطاعياً واسعاً يعكس مرونة الاقتصاد المحلي وجاذبيته، إذ لا ترتهن الثروات في الإمارة لقطاع واحد، بل تتوزع بتوازن دقيق بين التكتلات الصناعية، والخدمات المصرفية، والتكنولوجيا، والعقارات، والإنشاءات.
ويعزز هذا المشهد طبيعة هذه الثروات، التي يتسم جزء كبير منها بالطابع العصامي أو الهجين، حيث تشير البيانات إلى أن 40 % من أثرياء دبي نجحوا في بناء ثرواتهم عبر مزيج من الجهد الذاتي والميراث، في حين تتضاءل نسبة الاعتماد الكلي على الميراث إلى مستويات ضئيلة جداً، ما يرسخ مكانة دبي حاضنة ريادية تُعلي من قيمة الابتكار والجهد الشخصي في بناء الإمبراطوريات المالية.
جاذبية استثنائية
وأرجعت مؤسسة ألتراتا، الجاذبية الاستثنائية التي تتمتع بها دبي كوجهة عالمية مفضلة لاستقطاب أثرياء آسيا وأوروبا والولايات المتحدة، وصولاً إلى أمريكا اللاتينية، إلى حزمة متكاملة من المحفزات الاستراتيجية، حيث تبرز المنظومة الضريبية التنافسية ركيزة أساسية توفر بيئة منخفضة التكاليف، تضمن للأفراد الحفاظ على ثرواتهم وتنميتها بفاعلية.
ويتعزز هذا التوجه من خلال برامج الإقامة والتأشيرات المبتكرة، وفي مقدمها «التأشيرة الذهبية»، ومسارات الإقامة السريعة، التي لعبت دوراً حاسماً في تسهيل انتقال العائلات الثرية، وضمان استقرارها طويل الأمد.
كما يسهم نمط الحياة الفاخر، المستند إلى بنية تحتية متطورة وخدمات راقية، في جعل المدينة الخيار الأول للباحثين عن جودة الحياة والأمان الشخصي. وتكتمل هذه المنظومة بالتنظيمات المرنة والسياسات الاقتصادية غير المقيدة، التي ساعدت في ترسيخ مكانة الإمارة مركزاً عالمياً رائداً للمكاتب العائلية وإدارة الأصول، ما يعزز من كفاءة بيئة الأعمال، وتدفق الاستثمارات الدولية.
وسلط التقرير الضوء على حقيقة أن الأفراد المولودين في الخارج، هم الأكثر ميلاً لبدء أعمال تجارية، وتأسيس شركات سريعة النمو. ففي الولايات المتحدة، مثلاً، يمثل المهاجرون 13 % من الأثرياء، لكنهم يساهمون في تأسيس نحو نصف شركات «فورتشن 500»، والشركات «الناشئة المليارية» (Unicorns).
وتعد نماذج مثل إيلون ماسك، وجينسن هوانغ (مؤسس إنفيديا)، وسيرجي برين (مؤسس جوجل)، أمثلة حية على «المواطنين العالميين»، الذين ولدوا في بلدان وانطلقوا من بلدان أخرى، ليغيروا وجه الاقتصاد العالمي.
التأمين والتحوط
ومع تزايد حالة عدم اليقين الجيوسياسي، يشير الخبراء إلى تغير في سلوك الأثرياء. يقول يان مرازيك، الشريك الإداري في «إم/إتش كيو»: «يتجه العديد من العملاء الآن للبحث عن مناطق موازية، ليس بهدف مغادرة أوطانهم بالضرورة، بل كنوع من التأمين والتحوط».
وفي هذا السياق، تبرز دبي كـ «ملاذ آمن» يوفر الاستقرار السياسي والقانوني، وهو ما أكده بينيديكت تيكسيرا من مجموعة «سوذبيز إنترناشونال ريالتي»، مشيراً إلى تحول واضح نحو التركيز على الخصوصية والاستقرار والحفاظ على القيمة طويلة الأمد.
ولا تقتصر اهتمامات هؤلاء الأثرياء على تنمية المال فقط، فالتقرير يوضح أن الأعمال الخيرية تأتي في مقدم اهتماماتهم بعد الرياضة. ويظل التعليم هو السبب الأكثر شيوعاً للتبرعات، حيث يحرص الأثرياء المولودون في الخارج على دعم الجامعات التي تخرجوا فيها، لا سيما المبادرات التي توفر فرصاً للطلاب من بلدانهم الأصلية.
الابتكار الرقمي
بحلول عام 2030، ومع وصول الثروات الخاصة إلى مستويات قياسية، ستكون دبي في قلب «الاتجاهات الكبرى»، مثل الابتكار الرقمي، والتوسع الحضري. إن قدرة دبي على دمج رواد الأعمال المهاجرين في نسيجها الاقتصادي، لم تجعل منها مركزاً للثروة فحسب، بل محركاً للابتكار العالمي، ما يعزز ريادتها عاصمة اقتصادية للمستقبل.
أخبار متعلقة :