القاهرة تستعيد سهراتها بعد شهر من الهدوء الكئيب

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 27 أبريل 2026 02:21 مساءً - استعادت العاصمة المصرية القاهرة جزءاً من صخبها المعتاد بعد قرار الحكومة تخفيف قيود الإغلاق المبكر التي فُرضت لترشيد استهلاك الطاقة على خلفية ارتفاع أسعارها نتيجة التوترات الإقليمية. القرار أعاد الأمل لسكان المدينة الذين تأثرت حياتهم اليومية بشكل كبير، خاصة أولئك الذين اعتادوا السهر في المقاهي والأسواق حتى ساعات متأخرة.

Advertisements

خلال فترة القيود، اضطر السكان إلى تقليص أنشطتهم المسائية، ما غيّر نمط الحياة في مدينة تُعرف بأنها «لا تنام». المقاهي أغلقت أبوابها مبكراً، وخفتت حركة الشوارع، فيما تكيف البعض مع الوضع عبر تعديل جداولهم اليومية أو العمل من المقاهي خلال النهار.

ومع إعلان العودة إلى مواعيد الإغلاق الطبيعية، عبّر كثيرون عن سعادتهم بعودة الأجواء الحيوية، حيث شهدت بعض المناطق احتفالات عفوية. كما رحّب أصحاب الأعمال بالقرار، لما له من أثر إيجابي على النشاط التجاري.

ورغم ذلك، أظهرت التجربة جوانب مختلفة؛ إذ رأى بعض العاملين أن الإغلاق المبكر أتاح لهم وقتاً أكبر للراحة والحياة الشخصية. في المقابل، بقيت المناطق السياحية أكثر حيوية خلال فترة القيود، نظراً لاستثنائها من الإجراءات حفاظاً على القطاع السياحي.

بشكل عام، يعكس تخفيف القيود عودة تدريجية للحياة الطبيعية في القاهرة، مع استمرار التحديات المرتبطة بأسعار الطاقة وتأثيراتها على الاقتصاد ونمط المعيشة.

اعتاد محمد إسماعيل قضاء معظم أمسياته في مقهى شعبي متواضع قرب منزله، حيث تشكل هذه المقاهي المتواضعة جزءاً أصيلاً من الحياة الاجتماعية في القاهرة.

هناك، كان يدخن الشيشة ويلعب الشطرنج مع أصدقائه، وكانت تمتد سهراتهم غالباً حتى الثانية أو الثالثة فجراً، فيما تبقى شوارع العاصمة المصرية نابضة بالحياة، تعجّ بالمتسوقين والباحثين عن الوجبات الخفيفة وأحاديث السمر.

ومع قفزة أسعار الطاقة، فُرض الإغلاق المبكر على الأنشطة التجارية لترشيد استهلاك الكهرباء، ما أطفأ بريق الحياة الليلية الشهيرة في القاهرة. وعندما أعلنت السلطات أمس الأحد تخفيف القيود التي استمرت شهراً، استقبل إسماعيل الخبر بفرحة عارمة.

ليالي القاهرة تستعيد صخبها

قال الرجل المتقاعد، البالغ من العمر 78 عاماً، بينما كان يجلس في المقهى يحتسي الشاي بالنعناع الطازج ويتناول البذر (اللب) المحمص: «الله يديمها نعمة، وألا تغير الحكومة رأيها وتعود مجدداً إلى الإغلاق المبكر... لقد كانت فترة صعبة ومحبطة».

في ظل قرار الحكومة بإغلاق الأنشطة وإطفاء الأنوار، اضطر سكان المدينة العريقة، التي يزيد عمرها على ألف عام، لتقليص سهراتهم ولقاءاتهم الاجتماعية بعد العمل، لتنتهي بدايةً بحلول التاسعة مساءً، ثم الحادية عشرة ليلاً. وبينما قد يبدو هذا التوقيت متأخراً في الولايات المتحدة أو أوروبا، فإنه قلب نمط حياة سكان القاهرة رأساً على عقب، وفرض هدوءاً قاتماً وغير مألوف على أكبر مدن الشرق الأوسط وأفريقيا.

ومع بقاء أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات، كانت التوقعات تميل إلى أن مصر ستمدد جهودها لترشيد استهلاك الطاقة في قطاع الضيافة.

غير أن مجلس الوزراء المصري أعلن، في بيان، عودة المحال إلى مواعيد الإغلاق الطبيعية اعتباراً من وقت لاحق هذا الأسبوع. كما ذكرت وسائل إعلام محلية أن المقاهي والمطاعم ستغلق عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل بدلاً من الحادية عشرة مساءً، بعدما اعتاد بعضها سابقاً العمل على مدار الساعة.

سكان القاهرة يستعيدون حياتهم الطبيعية

في ميدان الكوربة، الساحة الشهيرة في شرق القاهرة بمبانيها كريمية اللون العائدة إلى أوائل القرن العشرين، وهي منطقة تسكنها الطبقة الوسطى وتعد مركزاً معروفاً لمحال الذهب، تحول المشهد إلى ما يشبه مدينة أشباح. فقد اضطرت المقاهي الراقية ومتاجر الملابس العائلية، ومطاعم الشاورما المنتشرة في الأروقة ذات طراز الفن الزخرفي، إلى إغلاق أبوابها وإطفاء أنوارها.

وبعد أقل من ساعة على إعلان القرار الحكومي، خرج بعض المصريين للاحتفال أمام أحد أقدم المقاهي الشعبية في المنطقة. ورقص أكثر من عشرين شاباً وصفقوا بحماس، بينما ردد آخرون الهتافات وقرعوا الطبول اليدوية الصغيرة.

قال مصطفى خليل، الطالب الجامعي البالغ من العمر 20 عاماً «نحتفل بحريتنا... المصريون لا يستطيعون العيش من دون حياة ليلية. لقد شعرنا وكأننا في سجن».

لطالما عُرفت هذه المدينة مترامية الأطراف، التي يقطنها نحو 20 مليون نسمة، بصخبها وفوضاها. فطرقها السريعة الهادرة، وأسواقها المكتظة، وقوارب السهر في نهر النيل المضاءة بأضواء النيون والصاخبة بالموسيقى، شكلت جميعها تجربة تغمر الحواس. لكن منذ أواخر مارس، خفتت أنوار الشوارع أو انطفأت بالكامل، بما في ذلك في الجادات المحيطة بميدان التحرير والمتحف المصري.

قال أحمد عباس، البالغ من العمر 30 عاماً والمقيم في القاهرة، إن الإغلاق المبكر أثر على نمط حياته بشدة. وكحال إسماعيل، اعتاد هو أيضاً تمضية أمسياته في المقهى الشعبي مع أصدقائه حتى ساعات الفجر الأولى.

وأضاف قبل إعلان يوم الأحد «كانت القاهرة المدينة التي لا تنام... كنت أعتبر ذلك مسلّماً به».

القاهرة تتأقلم مع الإغلاق المبكر

رغم السماح للمطاعم بمواصلة خدمات التوصيل، فإنها كانت تحرص على العمل والطهي خلف واجهات معتمة. أما الإضاءة المحدودة في الشوارع، فأتت في الغالب من الصيدليات والأكشاك الصغيرة، وهي من المرافق المعتادة في المدينة على مدار الساعة، حيث تبيع الوجبات الخفيفة المغلفة والمشروبات والسجائر، وقد سُمح لمعظمها بالاستمرار في العمل.

في المقابل، واجهت الأنشطة التجارية الأخرى التي خالفت اللوائح الجديدة غرامات تصل إلى 50 ألف جنيه مصري (965 دولاراً).

أكدت الحكومة أن هذه الإجراءات كانت مؤقتة، وتشكل بديلاً أفضل من العودة إلى تخفيف الأحمال الذي شهدته القاهرة قبل سنوات، عندما كانت مصر تواجه أزمة اقتصادية تفاقمت جزئياً بفعل الغزو الروسي لأوكرانيا. كما أوضحت السلطات أن الهدف شمل أيضاً خفض استهلاك الوقود، عبر الحد من تنقلات السكان المرتبطة بالتسوق والخروج إلى المطاعم.

وقال مينا يوسف، المهندس البالغ من العمر 46 عاماً، إن رفع القيود جاء في توقيت مثالي.

وأضاف، بينما كان يجلس مع زوجته في أحد المقاهي يوم الأحد ويتناول مشروب الأفوكادو بالمكسرات والعسل: «حياتنا تبدأ بعد التاسعة مساءً، خصوصاً مع اقتراب الصيف... المصريون يحبون السهر، والاستمتاع بحياتهم بعد العمل، وقضاء الوقت مع بعضهم البعض».

ومع ذلك، تأقلمت القاهرة إلى حد ما مع الواقع الجديد.

قال حمادة، وهو نادل في مقهى صغير، إن وتيرة العمل المعتادة استمرت ولكن بحذر: «نبقي الأنوار مطفأة، ونُعد الشاي والقهوة على ضوء هواتفنا المحمولة، لكننا لا نستطيع تقديم العصائر الطازجة لأن صوت الخلاط مرتفع».

أعاد كثير من سكان القاهرة تنظيم يومهم، فباتوا يبدؤون أعمالهم وينهونها في وقت أبكر، لإفساح المجال أمام التسوق والتنزه وتناول الطعام قبل إغلاق المتاجر والمطاعم. فيما اختار البعض الدمج بين العمل وقضاء الوقت خارج المنزل.

ففي ظهيرة أحد أيام الثلاثاء مؤخراً، جلست رشا أحمد مع صديقتين في مقهى فرنسي داخل «سيتي ستارز» (Citystars)، أحد أقدم وأفخم مراكز التسوق الكبرى في مصر، حيث انشغلت كل واحدة منهما بالعمل عن بعد عبر حاسوبها المحمول.

وقالت رشا أحمد، التي تعمل في قطاع الخدمات: «قررنا قضاء يومنا هنا. نعمل من المقهى منذ الصباح، ثم نتناول العشاء ونتسوق بعد انتهاء العمل».

الوجهات السياحية تحافظ على بريق القاهرة

لم تشمل ساعات الإغلاق جميع المناطق. فقد استُثنيت رسمياً الوجهات السياحية، نظراً لأهمية القطاع كأحد أهم مصادر العملة الأجنبية في مصر. وكان من يزور «ممشى أهل مصر» الذي يتطلب تذكرة دخول، على الضفة الشرقية للنيل يكاد يشعر وكأنه خارج البلاد.

هناك، كانت الأضواء متوهجة، والموسيقى العربية تملأ الأجواء، فيما تتجول الحشود على امتداد كورنيش راقٍ تنتشر فيه المقاهي العصرية والنوادي الليلية وأكشاك الوجبات السريعة والهدايا. وظلت الحركة نابضة حتى الثانية فجراً.

ومع ذلك، لم يكن السياح بمنأى تام عن التأثيرات. إذ يشكل الزوار القادمون من الخليج العربي ركناً أساسياً في حركة السياحة بالقاهرة، خصوصاً خلال الربيع والصيف.

رحب محمد، وهو سائح سعودي كان يتسوق برفقة زوجته، بقرار الحكومة المصرية تخفيف القيود. فقد اعتاد الزوجان قضاء عطلتهما الصيفية في القاهرة برفقة العائلة والأصدقاء تجنباً لحرارة الصيف في المملكة. وكانت زوجة محمد تتصل بالأقارب والأصدقاء لإبلاغهم بأن الأوضاع بدأت تعود إلى طبيعتها، مشيرة إلى أنهم أبلغوها أنهم سيحجزون رحلاتهم ويصلون الأسبوع المقبل.

قال محمد «من أجمل الأمور في في مصر أنك تستطيع التسوق عند منتصف الليل، وتناول الطعام في الثالثة فجراً، والاستمتاع بوقتك متى شئت. لكن الشوارع خلال الشهر الماضي بدت كئيبة للغاية».

الإغلاق المبكر... راحة للبعض

فيما عبّر كثير من سكان القاهرة عن استيائهم للافتقاد إلى الحياة الليلية، حملت ساعات الإغلاق الجديدة راحة غير متوقعة لبعض العاملين.

وقالت سهام، التي تعمل في متجر للملابس، إن الإغلاق المبكر عند التاسعة مساءً منحها فرصة العودة إلى المنزل باكراً والاستمتاع بأمسيتها.

وأضافت، مكتفية بذكر اسمها الأول حفاظاً على خصوصيتها «خلال الشهر الماضي، عرفت فعلاً معنى أن تكون لديك حياة ووقت للترفيه بعد العمل... كنت أتمنى لو استمر ذلك للأبد».

أخبار متعلقة :