كيف واصلت الصين الهيمنة التجارية رغم الرسوم؟

ابوظبي - ياسر ابراهيم - السبت 2 مايو 2026 09:06 مساءً - في عالم يفترض أن الحروب التجارية تطفئ محركات التصدير، تبدو الصين وكأنها تعيد كتابة القواعد من جديد. فبينما كانت التوقعات تشير إلى تباطؤ حاد في تجارتها الخارجية تحت وطأة الرسوم الجمركية والتوترات الجيوسياسية، جاءت الأرقام لتروي قصة مختلفة تماماً: آلة تصدير لا تتباطأ، بل تعيد تشكيل نفسها، وتبحث عن مسارات وأسواق وفرص جديدة.

Advertisements

ففي قلب هذا التحول، يقف مديرو مشتريات مثل دينغ لي، العامل في شركة لتجارة الرقائق في شنتشن، ممن يعيشون عاماً استثنائياً. شركته، التي تبيع أشباه الموصلات، بما في ذلك ترانزستورات تنظيم الطاقة، وسّعت حضورها ليشمل شركات تصنيع دراجات نارية في إسبانيا ومصانع في رومانيا وعملاء في جنوب شرق آسيا.

وتعكس هذه الصورة المصغّرة واقعاً أوسع: صادرات الصين من الترانزستورات وحدها قفزت بنسبة 26% في الربع الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، في إشارة واضحة إلى استمرار الزخم.

قبل عام فقط، بدا المشهد مختلفاً تماماً. فقد أدت سياسات الرسوم الجمركية التي تبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي وصلت في بعض الفترات إلى 145% على السلع الصينية، إلى توقعات واسعة بانكماش التجارة الصينية. ورغم أن هذه الرسوم انخفضت لاحقاً إلى 10% بعد حكم قضائي، فإن كثيرين اعتقدوا أن الضرر قد وقع بالفعل. غير أن الواقع خالف تلك التوقعات: الصين أنهت عام 2025 بفائض تجاري قياسي بلغ 1.2 تريليون دولار، وارتفعت صادراتها إلى 3.8 تريليونات دولار. ومع بداية عام 2026، واصلت الصادرات نموها، مسجلة زيادة بنسبة 14.7% في الربع الأول مقارنة بالعام السابق.

ولفهم هذا الأداء اللافت، أظهرت تحليلات دقيقة لبيانات التجارة العالمية أن التحول في بنية الصادرات الصينية بدأ قبل اندلاع الحرب التجارية بسنوات. فقد تراجعت أهمية السوق الأمريكية تدريجياً، إذ انخفضت حصتها من الصادرات الصينية من 17% في عام 2014 إلى 14.7% بعد عقد. في المقابل، اتجهت الصين إلى ترقية نوعية صادراتها، متقدمة نحو سلع أكثر تعقيداً وقيمة مضافة أعلى.

ورغم أن الصين لا تزال لاعباً رئيسياً في صادرات الملابس والأحذية، فإن هيمنتها في هذه القطاعات بدأت تتراجع. بالمقابل، عززت حضورها في صناعات متقدمة مثل السيارات، حيث ارتفعت حصتها من الصادرات العالمية من 4.5% إلى 11.4% بين عامي 2014 و2024. كما واصلت توسيع تفوقها في قطاع الإلكترونيات، لترتفع حصتها من 20.7% إلى 26.1% خلال الفترة نفسها.

وتعكس هذه التحولات ارتفاع مستوى «تعقيد» الصادرات الصينية، وفق مقاييس أكاديمية تقيس مدى صعوبة إنتاج السلع. فقد ارتفع هذا المؤشر من 0.29 إلى 0.36 خلال عقد، في حين شهدت الولايات المتحدة تراجعاً في المؤشر نفسه. هذه الأرقام تعكس انتقال الصين من مصنع للسلع البسيطة إلى منتج متقدم يزاحم في القطاعات التقنية.

ومع تصاعد التوترات التجارية، انخفضت صادرات الصين إلى الولايات المتحدة بأكثر من 100 مليار دولار في عام 2025، أي بنحو 20% مقارنة بالعام السابق. لكن هذا التراجع عُوّض بأكثر من الضعف، إذ ارتفعت صادراتها إلى بقية دول العالم بنحو 300 مليار دولار. واللافت أن العديد من الدول التي زادت وارداتها من الصين، مثل فيتنام، عززت أيضاً صادراتها إلى الولايات المتحدة، ما يعكس إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية.

أخبار متعلقة :