شركات السيارات الأمريكية تختار «أموال التعويضات» وتدير ظهرها لتهديدات ترامب

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 3 مايو 2026 10:36 مساءً - شهدت الساحة الاقتصادية والسياسية في واشنطن بوادر أزمة كبرى مع الشركات المصنعة للسيارات، التي أكدت تقاريرها المالية مؤخراً أن ملامح أرباحها الفصلية باتت تعتمد بشكل كلي على استرداد مبالغ الرسوم الجمركية التي أُبطلت قانونيتها، بعيداً عن أداء مبيعاتها الفعلي في الأسواق.

Advertisements

وأكدت القوائم المالية لشركات السيارات الأمريكية الكبرى أن «رهاناً محاسبياً» على مليارات الدولارات من التعويضات الحكومية بات المحرك الرئيسي لأرباح عام 2026، في خطوة كشفت عن تصدع جديد في العلاقة مع الإدارة الأمريكية، بعد أن تفوقت طموحات استرداد الرسوم على عوائد المبيعات التقليدية، إذ كشفت الشركات عن أرباح ضخمة ناتجة عن توقعاتها باستعادة مبالغ جمركية طائلة من الخزانة، مما يضع القطاع في مواجهة مباشرة مع البيت الأبيض وسط تقلبات السياسة الدولية.

هذه الأموال، التي تقدر قيمتها الإجمالية للمستوردين بنحو 166 مليار دولار، تعود لرسوم جمركية فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب سابقاً بموجب «قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية» (IEEPA)، وهي الرسوم التي قضت المحكمة العليا في فبراير الماضي بعدم قانونيتها. وفي ظل أجواء مشحونة بالتوتر العسكري بين الولايات المتحدة وإيران في الشرق الأوسط، يبدو أن شركات السيارات قررت اختيار «مصالح المساهمين» حتى لو كلفها ذلك الدخول في صدام مباشر مع ترامب الذي حذر الشركات من «التمادي» في طلب هذه التعويضات.

تقف شركات مثل فورد وجنرال موتورز وستيلانتيس في مقدمة المطالبين، حيث تتوقع فورد استرداد 1.3 مليار دولار، بينما تسعى جنرال موتورز خلف 500 مليون دولار. هذا الحراك المالي لا يتعلق فقط بالأرقام؛ بل هو «إعلان استقلال» اقتصادي في وقت حرج. فالرئيس ترامب، المعروف بنزعته الانتقامية، لم يخفِ غضبه، مصرحاً بأنه «سيتذكر» الشركات التي اختارت المطالبة بأموالها، ما يضع هذه الشركات تحت خطر التعرض لإجراءات عقابية أو تشريعات مضادة في المستقبل.

ومع ذلك، تبرر الشركات موقفها بـ«الواجب الائتماني». فكما صرحت شيري هاوس، المديرة المالية لفورد، فإن الشركة ملزمة بحماية مساهميها والوقوف في طابور التعويضات. إن هذه المقامرة تأتي في وقت تعاني فيه هذه الشركات أصلاً من نزيف مالي ناتج عن التعريفات الجمركية المستمرة على الصلب والألمنيوم، حيث قدرت جنرال موتورز أن الرسوم ستخفض أرباحها بما يصل إلى 3.5 مليارات دولار هذا العام، إنها محاولة لتعويض الخسائر في سوق يتسم بالتباطؤ والتقلب.

لا يمكن فصل «تمرد» شركات السيارات عن المشهد الأكبر في الشرق الأوسط. فالحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران وما تبعها من إغلاق لمضائق حيوية مثل مضيق هرمز، أدت إلى انفجار في تكاليف الشحن والطاقة. الاقتصاد الأمريكي، الذي يعاني بالفعل من ضغوط تضخمية، يواجه الآن تكاليف إضافية ناتجة عن تأمين سلاسل الإمداد العسكرية والمدنية.

هذا التدهور الاقتصادي يضع ترامب في مأزق؛ فخسارة الحكومة لـ 166 مليار دولار كتعويضات لشركات الاستيراد تعني عجزاً إضافياً في الميزانية في وقت تحتاج فيه الدولة لكل دولار لتمويل المجهود الحربي ودعم حلفائها في المنطقة. إن التداعيات الاقتصادية للحرب في الشرق الأوسط، المتمثلة في ارتفاع أسعار النفط (الذي تجاوز 111 دولاراً للبرميل) وتراجع القوة الشرائية، تجعل من استرداد الرسوم الجمركية طعنة في خاصرة «أجندة ترامب الاقتصادية» التي تعتمد بشكل كبير على الحمائية الجمركية لتمويل المشاريع الوطنية.

استراتيجية ترامب للمواجهة

السؤال الذي يطرح نفسه الآن: كيف سيواجه ترامب هذا الإعصار المزدوج؟ التوقعات تشير إلى أن الإدارة قد تلجأ إلى «مناورات تشريعية» لتأخير صرف هذه المبالغ لعدة أشهر أو سنوات، بحجة عدم وضوح آلية الصرف الحكومي. كما أن ترامب قد يستخدم صلاحياته بموجب «قانون التجارة لعام 1974» لفرض رسوم جديدة قصيرة الأمد (مثل تعريفة الـ 10% التي فرضها لمدة 150 يوماً) لتعويض النقص في الخزانة.

علاوة على ذلك، يخطط ترامب لاستخدام الضغط السياسي عبر ربط «الوطنية الاقتصادية» بدعم المجهود الحربي؛ ففي خطاباته الأخيرة، بدأ يلمح إلى أن الشركات التي تستنزف الخزانة في وقت الحرب تضعف الأمن القومي الأمريكي، لكن الحقيقة المرة هي أن الاقتصاد الأمريكي لم يعد يحتمل المزيد من الصدمات؛ فبين ديون الحرب وتعويضات الشركات الجمركية، يجد ترامب نفسه مضطراً للموازنة بين رغبته في معاقبة الشركات المتمردة وبين حاجته لقطاع صناعي قوي يدعم الاقتصاد المترنح.

أخبار متعلقة :