لصوص "التوكنات" يسرقون 4.8 مليار دولار من جيوب الشركات الناشئة

ابوظبي - ياسر ابراهيم - السبت 9 مايو 2026 04:21 مساءً - "1 من كل 6".. ليسوا عملاء، بل قناصي "توكنات".. خلف بريق الواجهات الزجاجية لشركات التكنولوجيا، تدور معركة استنزاف صامتة تُدار بـ "سرعة الآلة".

Advertisements

 لم يعد السطو يحتاج إلى أقنعة أو أسلحة، بل يكفي "وكيل ذكي" يقتحم جيوب الشركات الناشئة لينهب 400 مليون دولار شهرياً من طاقة الحوسبة، فهي مكيدة جعلت الابتكار ضحية لنوع جديد من 'النشل الرقمي الذي لا يترك بصمات، بل يترك خلفه ميزانيات محترقة."

العملة المشفرة

بعيداً عن التعقيدات التقنية، يمثل "التوكن" (Token) وحدة القياس الأساسية لقوة الحوسبة؛ فهو بمثابة "الوقود" الذي تستهلكه الخوارزميات لمعالجة البيانات وتوليد الإجابات.

في عالم الأعمال الرقمية ، لم يعد التوكن مجرد كود برمجـي، بل تحول إلى عملة سيولة حوسبية لها قيمة مالية مباشرة؛ فكل ألف "توكن" يتم استهلاكها تكلف الشركات مبالغ طائلة من فواتير الكهرباء وصيانة الخوادم العملاقة.

هذا التحول هو ما جعل التوكنات "صيداً ثميناً"؛ فسرقتها لا تعني اختراق بيانات، بل تعني الاستيلاء على قدرات معالجة هائلة وإعادة بيعها في السوق السوداء لمن يرغب في تشغيل برمجيات ثقيلة أو هجمات سيبرانية دون دفع ثمن "الطاقة" المحركة لها.

المكيدة الآلية

تكمن خطورة هذه الجريمة في سرعتها الفائقة التي تتجاوز القدرة البشرية على الرصد؛ حيث يعتمد لصوص التوكنات على برمجيات متطورة لتنفيذ عمليات التسجيل واستهلاك القوة الحوسبية في غضون ثوانٍ.

وبحسب تصريحات "إميلي ساندز"، رئيسة قسم البيانات في Stripe، فإن المهاجمين يرفعون فواتير الاستخدام إلى مستويات جنونية، ثم يختفون قبل حلول موعد الدفع.

هذا النمط، المعروف بـ "Dine and Dash" (تناول الطعام والهروب الرقمي)، تسبب في رفع تكاليف التشغيل لدى الشركات الناشئة بنسبة 18%، مما أجبر الكثير منها على إلغاء ميزات "التجربة المجانية" لحماية ما تبقى في جيوبها من ميزانيات الابتكار.

الأرقام المسجلة في النصف الأول من عام 2026 تكشف عن حجم الكارثة؛ إذ يُقدر حجم سوق التوكنات المسروقة بمليارات الدولارات.

وبحسب تقارير (بلومبرغ التقنية - مايو 2026)، فإن تكلفة هذه السرقات وصلت إلى ذروتها كخسائر مباشرة لقطاع الحوسبة السحابية، بإجمالي تقديري يبلغ 4.8 مليار دولار سنوياً.

هؤلاء اللصوص لا ينهبون سيولة نقدية، بل يختطفون "طاقة معالجة" باهظة الثمن، ثم يعيدون توجيهها لتشغيل عمليات إجرامية كبرى، مثل هجمات سيبرانية شاملة أو تعدين عملات مشفرة مخفية، مما يجعل "التوكن" الوقود المفضل للجريمة المنظمة عالمياً.

أحدثت هذه الظاهرة هزة في استراتيجيات الشركات الناشئة التي وجدت نفسها بين مطرقة الحاجة للنمو وسندان "النشالين الآليين".

هذه المكيدة الرقمية أجبرت المنصات العالمية على إعادة هيكلة أنظمتها الدفاعية، حيث يتم الآن تخصيص نحو 12% من ميزانيات البحث والتطوير لمحاربة لصوص التوكنات وحدهم، وهو ما يعيق سرعة التطوير الفعلي للنماذج التقنية.

وفي ظل بيئة اقتصادية تعاني من ضغوط جيوسياسية وارتفاع تكاليف الطاقة، تصبح هذه السرقات بمثابة استنزاف لموارد المستقبل قبل أن تولد.

نهاية المجانية

تؤكد الإحصائيات الموثقة لعام 2026 أن عصر "الوصول المجاني" للتقنيات المتقدمة يلفظ أنفاسه الأخيرة. فمع وصول نسبة الاحتيال في التسجيلات الجديدة إلى 16.6%، بات من المستحيل اقتصادياً الاستمرار في منح أرصدة مجانية للمبتكرين.

إننا أمام واقع مرير حيث ينهب لصوص التوكنات جيوب الشركات الناشئة أسرع من قدرة هذه الشركات على حماية بواباتها، مما يهدد بتحويل الابتكار إلى خدمة حصرية للأثرياء فقط، نتيجة مكيدة حولت "طاقة الحوسبة" إلى غنيمة سهلة في أيدي عصابات لا تنام.

أخبار متعلقة :