الأرض تنزف ذهباً … كنز في باطن الأرض يتحرك نحو السطح

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 12 مايو 2026 10:06 صباحاً - كشفت دراسة علمية حديثة عن احتمال أن نواة الأرض قد تُطلق بشكل بطيء للغاية كميات ضئيلة من الذهب والمعادن الثمينة إلى الطبقات العليا من الكوكب، في عملية تمتد عبر مليارات السنين، وذلك استنادا إلى تحليلات دقيقة لصخور بركانية من جزر هاواي.

Advertisements

الدراسة التي نُشرت في مجلة Nature، وقادها باحثون من جامعة غوتنغن في ألمانيا، من بينهم الجيوكيميائي نيلس مسلينغ، اعتمدت على تحليل صخور بازلتية تشكّلت نتيجة صعود أعمدة صهارية من أعماق الأرض، والتي تُعد من أهم الأدلة الجيولوجية على ما يحدث في باطن الكوكب.

إشارات نادرة من عنصر الروثينيوم

أظهرت التحاليل وجود عنصر الروثينيوم، وهو أحد العناصر النادرة المرتبطة عادةً بمواد نواة الأرض، لكن المفاجأة، بحسب الباحثين، كانت في التركيب النظائري للعنصر، إذ لم يتطابق مع الروثينيوم الموجود في النيازك المعروفة أو في مواد الوشاح الأرضي.

هذا الاختلاف دفع العلماء إلى ترجيح أن أصل هذا العنصر يعود إلى منطقة أعمق بكثير من الوشاح، تحديدا عند الحدود الفاصلة بين نواة الأرض ووشاحها.

فرضية تواصل بين النواة والوشاح

تشير النتائج إلى أن نواة الأرض، التي تتكون من قلب داخلي صلب من الحديد والنيكل بقطر يقارب 1221 كيلومترا، محاطة بنواة خارجية سائلة، وقد لا تكون معزولة تماما عن الطبقات العليا كما كان يُعتقد سابقا.

ووفقا للدراسة، قد تتشكل عند الحدود بين النواة والوشاح أعمدة ضخمة من الصخور فائقة السخونة، تُعرف بالأعمدة الحرارية، ترتفع ببطء شديد عبر ملايين السنين، وقد تنقل معها آثارا ضئيلة من المعادن الثقيلة مثل الذهب والبلاتين والروثينيوم إلى مناطق أقرب لسطح الأرض.

جذور الذهب في تاريخ تشكّل الأرض

توضح الدراسة أن الأرض، خلال مراحل تشكّلها قبل نحو 4.5 مليارات سنة، كانت في حالة منصهرة بالكامل تقريبا، وخلال هذه المرحلة، غرقت العناصر الثقيلة مثل الذهب والبلاتين نحو مركز الكوكب، ما أدى إلى احتجاز أكثر من 99.95% من المعادن الثمينة داخل النواة.

كما ساهمت اصطدامات النيازك الغنية بالمعادن الثمينة في تلك الحقبة في إضافة جزء من هذه العناصر إلى القشرة والوشاح، إلا أن التحليل النظائري الجديد يشير إلى أن جزءا من هذه المعادن قد يكون ذا أصل أعمق بكثير من المساهمات السطحية أو الفضائية.

أعمدة الوشاح ودور البراكين في هاواي

تُعد جزر هاواي نموذجا مهما لدراسة هذه الظاهرة، إذ تتكون نتيجة نشاط أعمدة صهارية صاعدة من أعماق الوشاح، وتعمل هذه البراكين، وفق الباحثين، كنافذة طبيعية تتيح دراسة ما يحدث في الطبقات الداخلية العميقة للأرض.

اكتشاف علمي دون قيمة اقتصادية مباشرة

ورغم أهمية النتائج، يؤكد العلماء أن هذه الظاهرة لا تعني وجود مصدر قابل للتعدين من الذهب أو المعادن الثمينة، إذ إن الكميات المحتملة ضئيلة للغاية ولا يمكن الوصول إلى نواة الأرض بتقنيات الحفر الحالية، حيث لا يزال أعمق حفر بشري في التاريخ، وهو "بئر كولا العميق" في روسيا، بعيدا جدا عن هذه الطبقات.

لغز جيولوجي مستمر

لا يزال العلماء غير متأكدين من آلية التفاعل الدقيقة بين نواة الأرض ووشاحها، خاصة أن الفروق في الكثافة بينهما كبيرة جدا، تشبه تقريبا الفرق بين الزيت والماء، ومع ذلك، تشير الأدلة الجيوكيميائية إلى أن تبادلا محدودا للمواد قد يحدث عبر فترات زمنية طويلة جدا قد تصل إلى مئات الملايين أو حتى مليار سنة.

خطوة جديدة لفهم باطن الأرض

يرى خبراء، من بينهم هيلين ويليامز من جامعة كامبريدج وجيسي رايمينك من جامعة ولاية بنسلفانيا، أن هذه النتائج تمثل تطورا مهما في فهم البنية الداخلية للأرض، وتدعم فرضية أن الكوكب أكثر ديناميكية وتعقيدا مما كان يُعتقد سابقا، مع وجود تفاعلات محتملة بين أعمق طبقاته.

وتبقى هذه النتائج خطوة إضافية في محاولة فهم كيفية تشكّل الكواكب وتطورها، وما إذا كانت المواد الثقيلة مثل الذهب يمكن أن تتحرك ببطء من أعماق الأرض إلى سطحها عبر عمليات جيولوجية معقدة تمتد عبر مليارات السنين.

أخبار متعلقة :