تأمين ناقلات «هرمز» يقفز من 150 ألفاً إلى 14 مليون دولار

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 12 مايو 2026 09:06 مساءً - شهد قطاع تأمين ناقلات النفط ارتفاعاً حاداً في تكاليف التأمين نتيجة للمخاطر الجيوسياسية، لا سيما في منطقة الخليج، حيث زادت أسعار التأمين على ناقلات النفط والغاز، مع قيام شركات مثل جارد وسكولد ونورث ستاندرد بإعادة تقييم تغطية مخاطر الحروب في ظل التطورات الحالية، وقفزت قيمة تأمين ناقلات النفط العملاقة التي تعبر «مضيق هرمز» من 200 ألف دولار إلى 14 مليون دولار بحسب «لويدز ليست».

Advertisements

ولم يشهد سوق تأمين الشحن البحري ارتفاعاً بهذه الحدة منذ عقود. فمنذ الساعات الأولى من توترات حرب إيران، سارعت شركات التأمين إلى تفعيل ما يعرف بـ«شرط الإلغاء خلال 72 ساعة» المنصوص عليه في وثائق تأمين مخاطر الحرب، وهو الشرط الذي يتيح لشركات التأمين إعادة تقييم المخاطر وتسعيرها من الصفر حين تنشب النزاعات المسلحة. وأسفر ذلك عن ارتفاع الأقساط إلى 4 أو 5 أضعاف مستوياتها السابقة، وفقاً لتقرير خدمة أبحاث الكونجرس الأمريكي الصادر في مارس 2026.

وقبل الضربات مباشرة، كانت أقساط تأمين مخاطر الحرب لعبور مضيق هرمز 0.125% من قيمة السفينة لكل رحلة عبور، وهو رقم متواضع مقارنة بما أصبح عليه الوضع لاحقاً؛ إذ قفزت الأقساط إلى ما بين 0.2% و0.4% فور اندلاع للحرب. وبالنسبة لناقلة نفط بقيمة 100 مليون دولار، فإن تكلفة التأمين قبيل الحرب كانت تراوح بين 150 و250 ألف دولار للرحلة، ارتفعت إلى 400 ألف دولار، ووصلت في بعض الأحيان إلى مليون دولار.

إلا أن الصدمة الأكبر جاءت بعد أسبوعين، حين تم إعلان إغلاق المضيق، فتلاشت حركة الناقلات. ورصدت تقارير دولية ارتفاع أسعار التأمين البحري في المضيق إلى 12 ضعفاً، أو 3% من قيمة السفينة، بحسب «فايننشيال تايمز» في السادس من مارس، ما دفع الحكومة الأمريكية إلى التدخل بدعم شركات التأمين بموجب قانون مخاطر الإرهاب، بحسب تقرير الكونجرس نفسه.

وكشفت التقارير الصادرة في الشهر نفسه الواقع الأكثر قتامة؛ إذ رصدت «لويدز ليست» بتاريخ 11 مارس ارتفاع تكلفة تأمين رحلة واحدة لناقلة نفط عملاقة إلى ما بين 10 و14 مليون دولار، مقارنة بـ150 إلى 250 ألف دولار قبل التوترات.

وتجدر الإشارة إلى أن تكلفة انتظار سفينة حاويات مثلاً 50 إلى 80 ألف دولار يومياً، فيما إذا قرر القبطان المغامرة وتعرض لهجمة أتلفت السفينة، فإن التكلفة قد تصل إلى 200 مليون دولار.

وأشارت تقارير إلى أن السوق لم يبلغ ذروته بعد، في ظل توقعات بمزيد من الارتفاع مع تصاعد الهجمات على السفن في المنطقة. غير أن منتصف أبريل 2026 شهد بعض التهدئة الحذرة في أسعار التأمين، عقب صدور أخبار عن مباحثات لوقف إطلاق النار وتراجع نسبي في حدة المواجهات.

إعادة تسعير شاملة للطيران

وأصدرت شركة «وليس تاورز واتسون»، إحدى أكبر شركات وساطة التأمين العالمية، تقريراً عن توقعاتها لسوق تأمين الطيران العالمي، للربع الثاني من 2026. وكشف التقرير ثلاثة ضغوط تزامنت على القطاع في ظل الصراع الإيراني، في أبريل 2026.

ونقل موقع «إنشورانس بيزنس ماج» عن التقرير أن أول المحاور هو اضطراب التشغيل، إذ اضطرت شركات طيران عديدة إلى تعليق رحلاتها وإلغاء جداولها المعتادة في المنطقة. أما المحور الثاني فتضييق نافذة التأمين؛ إذ أصبحت شركات التأمين أكثر تحفظاً في تقديم التغطية، خاصة لمناطق «الطيران المضطرب»، وذلك في الوقت الذي أثرت فيه تداعيات العملية حرب روسيا وأوكرانيا، التي رفعت معدلات التأمين على بدن الطائرات ضد مخاطر الحرب بنسبة 100%.

ولا توجد أرقام مؤكدة بالنسبة لشركات الطيران، وكان موقع Safe Fly Aviation هو الوحيد الذي أشار إلى ارتفاع أقساط تأمين مخاطر الحرب بين 50% و500%، مع إشارة إلى أن شركات الطيران الهندية أصبحت تدفع نحو 120 ألف دولار لكل رحلة ذهاباً وإياباً للطائرات العريضة. مع إضافة ما بين 300 و800 ميل بحري لبعض الرحلات، ما يرفع تكاليف التشغيل بما يصل إلى 60 ألف دولار. في الوقت الذي قفزت فيه أسعار وقود الطائرات أكثر من 120% منذ بدء حرب إيران، لتبلغ 1,838 دولاراً للطن في مطلع أبريل.

وعلى صعيد الأرقام المتوقعة، أكدت تقرير«وليس تاورز واتسون» في تقريرها أن شركات التأمين تتجه نحو رفع الأقساط بنحو 10% على الأقل للمخاطر المنخفضة، مع ارتفاعات أكثر حدة للحسابات المصنفة ضمن المخاطر العالية، مؤكدة أنه «ينبغي توقع ارتفاعات في التسعير على نطاق واسع».

تأمين السيارات عكس السير

أما توقعات تأثير الحرب على تأمين السيارات في الولايات المتحدة فكانت مفاجئة. فبدلاً من الارتفاع المتوقع، تشير التحليلات إلى احتمال انخفاض أسعار هذا القطاع. فقد أدى ارتفاع أسعار الوقود بنسبة 37% منذ اندلاع الحرب وحتى أبريل 2026 إلى تراجع كيلومترات التي يقطعها الأمريكيون بسياراتهم. وحين يقلل الناس القيادة، تنخفض معدلات الحوادث، بالتالي تتراجع تكاليف المطالبات التي تتحملها شركات التأمين.

ونشر موقع «إنشوريفاي» المختص في بيانات تأمين السيارات تحليلاً لـ«إنشورانس نيوز نت» يوضح هذه العلاقة. وخلص التحليل إلى أن الأمريكيين يقللون قيادتهم بنسبة 3% مقابل كل ارتفاع بنسبة 10% في أسعار الوقود. فإذا استمرت الأسعار عند مستوياتها الراهنة وانخفضت المسافات المقطوعة بنسبة 10%، فإن متوسط قسط التأمين الشامل قد يتراجع من 2,222 دولاراً إلى 2,209 دولارات بنهاية عام 2026، مسجلاً انخفاضاً يبلغ 1.2% مقارنة بالتوقعات السابقة للحرب، وفقاً لتحليل نشره موقع إنشورانس نيوز نت بتاريخ أبريل 2026. ويتفاوت الأثر بين الولايات الأمريكية، حيث تستفيد الولايات التي يقطع مواطنوها مسافات طويلة، مثل ولاية وايومنغ التي يبلغ فيها متوسط القيادة السنوية 13,482 ميلاً.

التأمين الصحي.. ضغوط تراكمية

يمثل التأمين الصحي الأمريكي حالة مركبة، إذ لا تؤثر الحرب فيه مباشرة، لكنها تعمق أزمة قائمة أصلاً. فقد شهد عام 2026 أكبر ارتفاع في أقساط التأمين الصحي بالسوق الأمريكية منذ 2018، بنسبة تراوحت بين 18% و20%، بسبب انتهاء الإعانات الحكومية التي كانت سارية منذ 2021، فضلاً عن ارتفاع تكاليف الدواء والرعاية الصحية. وعلى هذه الخلفية الصعبة، جاءت الحرب لتضغط على مستويات التضخم العام عبر ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء والبضائع، ما زاد الضغط على المستهلكين بصورة غير مباشرة، وفقاً لموقع آر كيه إيه إنشورانس آدفيزور في أبريل 2026.

إعادة رسم خريطة المخاطر

تكشف هذه التحولات في سوق التأمين العالمي أن الصراع المسلح لا يظل محصوراً في نطاقه الجغرافي، بل يتسرب إلى شرايين الاقتصاد العالمي عبر قنوات متشعبة. ومضيق هرمز، الذي يعبر عبره نحو 20% من نفط العالم، ويظل نقطة محورية تتحدد عندها درجة انعكاس الصراع على أسواق التأمين والشحن والطاقة. ولا يبدو أن هذه الأسعار ستعود إلى مستوياتها السابقة قريباً، ما لم تشهد المنطقة استقراراً حقيقياً يعيد الثقة إلى شركات التأمين وملاك السفن على حد سواء.

أخبار متعلقة :