ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 24 مايو 2026 08:51 مساءً - تواجه خارطة الاقتصاد العالمي في منتصف عام 2026 منعطفاً هو الأخطر منذ أزمة الجائحة، حيث تتقاطع تحذيرات المؤسسات المالية الدولية لتعلن عن مرحلة جديدة من التقلبات الحادة. فقد أطلق البنك الدولي وصندوق النقد الدولي سلسلة من التنبيهات «عالية الخطورة» تتعلق بموجة غلاء مرتقبة تضرب المواد الخام والسلع الأساسية، تزامناً مع تهديدات جدية بانقطاع سلاسل إمدادات الطاقة العالمية.
هذا المشهد المعقد لا ينذر فقط برفع تكلفة المعيشة للأفراد، بل يهدد بتقويض خطط النمو الاقتصادي للدول الناشئة والمتقدمة على حد سواء. إن التداخل بين التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في ممرات الملاحة الدولية والتغيرات المناخية التي أثرت في المحاصيل الزراعية، خلق «عاصفة كاملة» تدفع بأسعار السلع الأساسية نحو مستويات تاريخية غير مسبوقة.
تشير أحدث التقارير الصادرة عن البنك الدولي إلى أن مؤشر أسعار السلع الأساسية قد يرتفع بنسبة تصل إلى 24% خلال الأشهر القادمة. هذا الارتفاع ليس مجرد أرقام على الشاشات، بل هو نتيجة مباشرة للنقص الحاد في المواد الخام التي تدخل في عصب الصناعة والزراعة.
من المعادن النفيسة كالذهب والفضة، وصولاً إلى المعادن الصناعية مثل النحاس والليثيوم (الضروريين للتحول الأخضر)، تلوح في الأفق بوادر «سوبر سايكل» أو دورة صعود فائقة. يعود ذلك بشكل أساسي إلى زيادة الطلب العالمي المفاجئ مقابل تعثر عمليات التعدين والإنتاج في مناطق النزاعات.
وفي الجانب الزراعي، أدت موجات الجفاف والفيضانات غير المتوقعة في عام 2026 إلى تقليص إنتاج المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والذرة، ما وضع منظمة الأغذية والزراعة (فاو) في حالة تأهب قصوى لمواجهة موجة تضخم غذائي قد تدفع بملايين البشر نحو خط الفقر.
إن خطورة هذا التضخم تكمن في كونه «تضخماً مدفوعاً بالتكاليف»، ما يعني أن البنوك المركزية قد تجد صعوبة في كبحه عبر رفع أسعار الفائدة فقط، بل يتطلب الأمر إصلاحات جذرية في سلاسل التوريد وتأمين ممرات تجارية بديلة.
في تقريره الأخير حول «آفاق أسواق السلع»، خصص البنك الدولي حيزاً كبيراً للتحذير من «سيناريو الانقطاع الكبير» لإمدادات النفط والغاز. تتركز المخاوف اليوم حول الممرات المائية الحيوية، وتحديداً مضيق هرمز وممرات البحر الأحمر، حيث إن أي اضطراب أمني في هذه النقاط قد يؤدي إلى سحب ملايين البراميل من السوق يومياً في لحظة واحدة.
ينبه البنك الدولي إلى أن السوق النفطية في عام 2026 تعاني من «فائض طاقة إنتاجية محدود للغاية»، ما يجعلها غير قادرة على امتصاص أي صدمة مفاجئة. وإذا ما تحقق سيناريو الانقطاع، فإن أسعار النفط قد تتجاوز حاجز الـ150 دولاراً للبرميل، وهو رقم كفيل بإصابة قطاع النقل والصناعة العالمي بالشلل.
هذا التحذير لا يتوقف عند النفط فحسب، بل يمتد للغاز الطبيعي المسال، ما يهدد أمن الطاقة في أوروبا وآسيا خلال مواسم الذروة القادمة. إن «قلق الطاقة» هذا دفع الدول الكبرى إلى البدء بسحب كميات من احتياطياتها الاستراتيجية، إلا أن المحللين يرون أن هذه الحلول مؤقتة ولا تعالج أصل الأزمة المتمثل في نقص الاستثمارات طويلة الأمد في قطاع الطاقة التقليدي والبديل على حد سواء.
إن التلازم بين غلاء السلع وانقطاع الطاقة يخلق واقعاً جيوسياسياً جديداً. الدول المصدرة للمواد الخام والطاقة تجد نفسها في موقف تفاوضي أقوى، بينما تعاني الدول المستوردة من نزيف حاد في احتياطياتها من العملات الأجنبية. ويحذر صندوق النقد الدولي من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى اتساع فجوة اللامساواة بين الدول، وقد يفضي إلى اضطرابات اجتماعية في المناطق التي لا تستطيع حكوماتها دعم أسعار الخبز والوقود.
علاوة على ذلك، بدأت «قومية الموارد» بالظهور مجدداً، حيث تفرض بعض الدول قيوداً على تصدير موادها الخام (مثل السكر والأسمدة والمعادن الأرضية النادرة) لتأمين احتياجاتها المحلية أولاً، ما يزيد من تعقيد الأزمة العالمية ويؤدي إلى «تفتيت التجارة الدولية». إن العالم في عام 2026 يواجه اختباراً حقيقياً لمدى قدرة النظام المالي العالمي على الصمود أمام هذه الموجات التضخمية، وسط دعوات دولية لضرورة تنسيق السياسات النقدية وتجنب الحروب التجارية التي لن تزيد النار إلا اشتعالاً.
أخبار متعلقة :