الإمارات تتبنى نهجاً متكاملاً لتعزيز الأمن الغذائي

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 26 مايو 2026 06:36 مساءً - برز الأمن الغذائي محوراً رئيسياً يتصدر أجندة النقاشات العالمية خلال السنوات الأخيرة، لا سيما في ظل الضغوط المتزايدة التي تواجه سلاسل الإمداد، واستناداً إلى الدروس المستفادة من تداعيات جائحة كورونا. وفي دولة ، لم يكن الحديث عن الأمن الغذائي وليد اللحظة، ولم يكن الاهتمام به أمراً طارئاً أو مستجداً، فبفضل أعوام من التخطيط المسبق والاستثمارات المدروسة والخطط الوطنية الطموحة، نجحت الدولة في تعزيز منظومتها الغذائية وترسيخ الثقة في كفاءتها لمواجهة الاضطرابات العالمية في هذا الصدد.

Advertisements

وفي ضوء ذلك، نجحت الإمارات في بناء منظومة غذائية تجمع بين الديناميكية والمرونة، فعلى الرغم من محدودية مواردها الزراعية الطبيعية، تمكنت من ترسيخ موقعها مركزاً عالمياً رائداً في تجارة المواد الغذائية والخدمات اللوجستية. وبفضل موانئها المتطورة وسلاسل التوريد عالية الكفاءة، إلى جانب شراكاتها العالمية القوية، تضمن الإمارات تدفّق الغذاء إلى الأسواق بشكل منتظم وموثوق؛ إذ مكّنها هذا المستوى المتقدم من الاستعداد والجاهزية في الحفاظ على استقرارها، حتى في ظل تقلبات المشهد العالمي.

وفي الوقت ذاته، لا يقتصر مفهوم الأمن الغذائي في الإمارات على توفير المصادر الأولية للغذاء فحسب، بل يمتد ليشمل معالجة وتصنيع وتوزيع الأغذية على نطاق واسع. ويُعد قطاع الصناعات الغذائية ركيزة أساسية لضمان تعزيز الإمدادات وتوافرها ورفع كفاءة المنظومة الغذائية بشكل عام. تمثّل هذه «البنية التحتية غير المرئية» ركيزة أساسية لدعم مجموعة واسعة من المنتجات الغذائية المعلّبة والمصنّعة، التي باتت تشكّل جزءاً لا يتجزأ في منظومات الغذاء الحديثة.

وقال الدكتور طارق عسيلي، أستاذ ونائب عميد كلية العلوم الصحية، قسم التغذية العلاجية والحميات الغذائية في جامعة الشارقة: في إطار هذه المنظومة المتكاملة، لا تقل مكوّنات الأغذية أهمية عن المنتجات النهائية ذاتها، فعلى سبيل المثال، تُعد زيوت الطعام عنصراً أساسياً في إنتاج المواد الغذائية، بدءاً من الطهي وصولاً إلى التصنيع الضخم. ويأتي زيت النخيل في مقدمة هذه الزيوت، نظراً لثباته عند درجات الحرارة المرتفعة، وطول فترة صلاحيته، وكفاءته العالية في عمليات الإنتاج الغذائي. وبفضل هذه الخصائص، يبرز زيت النخيل كخيار موثوق في إنتاج الغذاء على نطاق واسع، ما يسهم في توفير منتجات بأسعار مناسبة، ويدعم استدامة قطاع الصناعات الغذائية.

وأضاف: فيما يتعلق بالدول المعتمدة على المكونات الغذائية المستوردة، لا تقتصر أهمية استدامة إمدادات زيت النخيل وقابلية توسيع نطاق استخدامه على كونها مكاسب ثانوية فحسب، بل تشكل دعامة أساسية لتعزيز مرونة منظوماتها الوطنية في مواجهة التحديات الغذائية.

وتابع: رغم أن الواردات تمثل حجر الزاوية لمنظومة الغذاء في الإمارات، إلا أن التوجه نحو دعم الإنتاج المحلي من خلال حلول ابتكارية يتنامى بشكل متزايد، حيث تؤدي تقنيات كالزراعة المائية والزراعة في بيئات محمية دوراً حيوياً في تنويع المصادر الغذائية، ومع ذلك تكمن قوة هذه المنظومة في تكامل عناصرها المختلفة، حيث يعمل كل من الإنتاج المحلي، والتوريد العالمي، والتصنيع الغذائي بانسجام، لضمان استقرار واستدامة الإمدادات الغذائية وقدرتها على التكيف مع المتغيرات.

وقال: إضافة لما سبق، لا يقتصر مفهوم الأمن الغذائي على توفر الغذاء فحسب، بل يمتد ليشمل سهولة الوصول إليه والقدرة على تحمّل تكاليفه، فقوة النظام الغذائي لا تُقاس بوفرة الغذاء في الأسواق فحسب، بل في وصوله الفعلي إلى جميع شرائح المجتمع. وفي ضوء ذلك، عملت الإمارات جاهدة لترسيخ هذا التوازن من خلال تعزيز استدامة سلاسل التوريد وتحفيز التنافسية في الأسواق. وتسهم المكونات الغذائية ذات الكفاءة العالية وأنظمة الإنتاج المتطورة في ضمان وصول الغذاء بأسعار معقولة مع الالتزام بمعايير الجودة. وفي هذا السياق، يشكّل زيت النخيل نموذجاً مثالياً، إذ يعتبر من أعلى الزيوت النباتية كفاءة في استغلال المساحات الزراعية والأدنى تكلفة عالمياً، ما يساعد على تحقيق استقرار أسعار الأغذية اليومية دون الاعتماد على إمدادات ضخمة تفوق الحاجة الفعلية.

وإضافة إلى ذلك، يبرز بُعد آخر لا يقل أهمية، ألا وهو التغذية، فالحصول على الغذاء لا يُعد سوى جانب واحد من المعادلة، بينما يكمن التحدي الحقيقي في الحصول على غذاء صحي ومتوازن، إذ يعتمد النظام الغذائي المتوازن على تنوع المجموعات الغذائية وتوفّر مصادر مناسبة للدهون. وفي هذا الإطار، يمكن للزيوت النباتية، بما فيها زيت النخيل، أن تسهم بدورٍ فاعل ضمن حمية غذائية متوازنة عند استخدامها بشكل ملائم ضمن أنظمة غذائية متنوعة. ويزوّد زيت النخيل الجسم بالأحماض الدهنية الأساسية والفيتامينات الذائبة في الدهون، وهي عناصر ضرورية لنظام غذائي متكامل. وكما هو الحال مع جميع أنواع الدهون، يكمن السر في استهلاكه بوعي واعتدال ضمن نمط غذائي متنوع، وهو ما يتماشى مع تنوع المطابخ وثقافات الطعام في الإمارات. إلى جانب ذلك، يُعد الحد من هدر الطعام محوراً أساسياً آخر يمكن من خلاله إحداث تقدم ملموس في استدامة منظومتنا الغذائية. أما على مستوى المنازل والمطاعم وقطاع الخدمات الغذائية بشكل عام، قد تتعرض كميات كبيرة من الأطعمة للهدر إذا لم تُدر بطريقة صحيحة. لذا، فإن استخدام مكونات تتميز بجودة ثابتة وصلاحية أطول، يمكن أن يدعم كفاءة عمليات تحضير الطعام، مما يساهم في تقليل الهدر عبر المنظومة الغذائية بأكملها.

وقال: من جهة أخرى، تساعد مكونات غذائية، من بينها زيت النخيل، على إطالة مدة صلاحية الأغذية المُصنَّعة بفضل خصائصها الطبيعية المضادة للأكسدة، وهي ميزة عملية كثيراً ما تُغفَل في منظومات استهلاكية حيوية مثل الموجودة في الإمارات. في المقابل، يظل المستهلك شريكاً أساسياً في حماية الأمن الغذائي؛ إذ إن قراراتنا اليومية المتعلقة بالشراء وتحضير الطعام واستهلاك الوجبات هي التي ترسم ملامح النظام الغذائي العام. ومن هنا، فإن الوعي بحجم الحصص الغذائية، واختيار مزيج متوازن من الأطعمة، والحد من الهدر، هي ممارسات بسيطة لكنها قادرة على إحداث أثرٍ حقيقي مع مرور الوقت.

وهنا لابد لي أن أشير إلى أن قوة النهج الإماراتي في تعزيز منظومة الأمن الغذائي تنبع من التكامل بين رؤية قيادية طموحة ومنظومة متكاملة تربط بفعالية بين سلاسل الاستيراد والإنتاج المحلي وقطاع التصنيع الغذائي. وتسهم هذه الجهود المتناسقة في ضمان استقرار المنظومة الغذائية ورفع كفاءتها وتعزيز قدرتها على التكيّف مع التحديات المستقبلية. ومع استشراف آفاق المستقبل، تبدو المؤشرات إيجابية للغاية؛ إذ تمضي الإمارات قدماً في توسيع استثماراتها في التقنيات الحديثة، وتعزيز شراكاتها العالمية، وتطوير قدراتها في مجالي الإنتاج والتصنيع الغذائي، بما يسهم في تلبية احتياجات اليوم ويرسم مساراً مستداماً لمواجهة تحديات الغد. وختاماً، فإن مفهوم الأمن الغذائي ليس مجرد مجموعة من اللوائح والسياسات فحسب، بل هو ثمرة تكامل هذه المنظومات وتفاعلها على أرض الواقع. وما يميّز دولة الإمارات في هذا السياق هو الترابط الوثيق بين بنيتها التحتية المتقدمة، وكفاءة منظومة الإنتاج، وتوافر المكونات الغذائية الأساسية، بما يُشكل نموذجاً يضمن استقرار الغذاء ويعزز استدامته للأجيال القادمة.

أخبار متعلقة :