ثروات مخفية بمليارات الدولارات.. والخريطة المفقودة تحدد مواقعها

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الخميس 28 مايو 2026 11:51 صباحاً - نجح فريق دولي من الباحثين في تطوير خريطة جيولوجية عالمية جديدة قد تُحدث تحولاً جذرياً في أساليب البحث عن العناصر الأرضية النادرة، عبر تحديد المناطق الأكثر احتمالاً لاحتواء رواسب مخفية تقدر بمليارات الدولارات تحت أقدم وأسمك أجزاء القارات على سطح الأرض.

Advertisements

الدراسة، التي نُشرت في دورية Nature Geoscience العلمية، قادها باحثون من جامعة كامبريدج، وكشفت عن وجود نمط جيولوجي عميق يربط بين رواسب العناصر الأرضية النادرة وصخور بركانية غير مألوفة غنية بثاني أكسيد الكربون، إلى جانب خصائص محددة في البنية الداخلية للأرض.

وتُعد العناصر الأرضية النادرة من المواد الحيوية للصناعات التكنولوجية الحديثة، إذ تدخل في تصنيع الهواتف الذكية والسيارات الكهربائية وتوربينات الرياح والعديد من التقنيات المتقدمة، ما جعلها محور تنافس عالمي متزايد مع سعي الدول إلى تأمين سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على الواردات الخارجية.

لغز جيولوجي حيّر العلماء لعقود

ولسنوات طويلة، لاحظ الجيولوجيون أن رواسب العناصر الأرضية النادرة تتجمع في مناطق معينة من العالم، إلا أن السبب العلمي الدقيق وراء هذا التركز ظل غير مفهوم بشكل كامل.

وركزت معظم الدراسات السابقة على مواقع منفردة أو مناجم محددة، من دون التوصل إلى نموذج عالمي يفسر كيفية تشكل هذه الرواسب أو يساعد على التنبؤ بمواقعها المحتملة.

لكن فريق البحث الجديد قرر التعامل مع القضية من منظور كوكبي شامل، من خلال دمج بيانات كيميائية لآلاف عينات الصخور مع صور زلزالية تكشف البنية العميقة لطبقات الأرض.

تحليل 9 آلاف عينة صخرية من مختلف أنحاء العالم

واعتمدت الدراسة على تحليل نحو 9 آلاف عينة من الصخور النارية جُمعت من مناطق متعددة حول العالم، جميعها تتميز بارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون المذاب فيها.

وقادت الباحثة الرئيسية الدكتورة إيميلي بومان عملية جمع وتحليل البيانات الكيميائية، موضحة أن الهدف لم يكن فقط تحديد أماكن وجود هذه الصخور، بل استخدام توزيعها الجغرافي للتنبؤ بالمناطق التي قد تحتوي على رواسب للعناصر الأرضية النادرة.

وقالت بومان إن البحث بدأ يمنح العلماء "قدرة تنبؤية" تساعد على معرفة الأماكن التي يُحتمل أن تتشكل فيها هذه الصخور، وبالتالي الرواسب المعدنية المرتبطة بها.

صخور "غريبة" أهملها العلماء لسنوات

من جهتها، أوضحت البروفيسورة سالي جيبسون، المشاركة في الدراسة، أن هذه الصخور تمتلك تاريخاً معقداً في علم الجيولوجيا، إذ جرى توثيقها وتصنيفها منذ القرن التاسع عشر، لكنها غالباً ما اعتُبرت مجرد ظواهر جيولوجية شاذة من دون أهمية اقتصادية واضحة.

وأضافت أن كثرة الأسماء والتصنيفات الخاصة بهذه الصخور، إضافة إلى تعقيدها العلمي، ساهمت في عزوف كثير من الباحثين عن دراستها بشكل معمق.

بيانات الزلازل كشفت النمط الخفي

ولفهم ما يجري في أعماق الأرض، استخدم الفريق تقنيات التصوير الزلزالي المعتمدة على تحليل الموجات الناتجة عن الزلازل، ما سمح برسم خرائط دقيقة لسماكة وبنية الغلاف الصخري، وهو الطبقة الخارجية الصلبة للأرض.

وأوضح البروفيسور سيرغي ليبيديف أن البيانات الزلزالية تتيح تكوين صورة داخلية للكوكب بطريقة مشابهة لتقنيات السونار المستخدمة تحت الماء.

وعند مقارنة الخرائط الزلزالية بقاعدة بيانات الصخور، اكتشف الباحثون أن الصخور المرتبطة بالعناصر الأرضية النادرة تتركز غالباً قرب الحواف الحادة لأكثر مناطق الغلاف الصخري سماكة وقدماً على سطح الأرض.

وأكدت جيبسون أن الربط بين "كيمياء الصخور" و"البيانات الزلزالية" كان المفتاح الحقيقي لفهم العلاقة الجيولوجية، مشيرة إلى أن الصخور ذات التركيب الملائم لتركز العناصر النادرة لا تظهر إلا في مواقع محددة للغاية.

كيف تتشكل هذه الرواسب النادرة؟

وطرح الباحثون تفسيراً جيولوجياً جديداً لسبب تشكل هذه الرواسب في تلك المناطق تحديداً.

فبحسب الدراسة، فإن الغلاف الصخري السميك يخلق ظروفاً عالية الضغط ومنخفضة الحرارة نسبياً داخل الوشاح الأرضي، ما يقلل من معدلات الانصهار ويؤدي إلى تكوّن كميات محدودة من الصهارة في الأعماق.

وتبقى هذه الصهارة محاصرة تحت الغلاف الصخري لفترات طويلة، قبل أن تبرد تدريجياً وتتحول إلى صخور نارية غنية بثاني أكسيد الكربون.

ومع مرور الزمن، قد تتعرض هذه الصخور إلى عمليات انصهار جزئي جديدة بفعل النشاط الجيولوجي، الأمر الذي يؤدي تدريجياً إلى تركيز العناصر الأرضية النادرة داخلها.

المرحلة المقبلة.. العودة مئات الملايين من السنين إلى الوراء

وركزت المرحلة الأولى من الدراسة على الصخور التي تشكلت خلال آخر 200 مليون سنة فقط، نظراً لأن الصخور الأقدم تعرضت لتغيرات جيولوجية معقدة بفعل تشكل الجبال أو تفتت القارات، ما يجعل تحليلها أكثر صعوبة.

ويخطط الفريق حالياً لتطبيق المنهجية الجديدة على سجلات جيولوجية أقدم تحتوي على العديد من رواسب العناصر الأرضية النادرة المعروفة اليوم.

وختمت جيبسون بالقول إن إثبات وجود هذا "السلوك المنهجي" يمثل خطوة أساسية نحو تطوير أدوات أكثر دقة للتنبؤ بمواقع الثروات المعدنية المستقبلية، رغم أن دراسة الفترات الجيولوجية الأقدم ستكون أكثر تعقيداً.

أخبار متعلقة :