ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأربعاء 1 يوليو 2026 02:06 صباحاً - اختتمت أسواق النفط العالمية، أمس، ربعاً استثنائياً بكل المقاييس، إذ اتجهت نحو تسجيل أكبر خسائر ربع سنوية منذ تفشي جائحة كوفيد19 في أوائل عام 2020.
وبعد أشهر من التقلبات الحادة التي أعقبت اندلاع الحرب بين أمريكا وإيران، تجد الأسواق نفسها اليوم في مفترق طرق حساس، بين هشاشة وقف إطلاق نار لا يزال متوتراً، ومحادثات دبلوماسية يكتنفها الغموض، وتداعيات اقتصادية بدأت تظهر ملامحها بوضوح من برلين إلى بانكوك مروراً بواشنطن.
ويكشف هذا الزخم من الأخبار عن مشهد عالمي للطاقة يمر بمرحلة إعادة تشكّل عميقة؛ فبينما تتراجع أسعار النفط بوتيرة تاريخية مدفوعة بعودة الإمدادات وتراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية، تبقى الهشاشة السياسية للاتفاق الإيراني الأمريكي عاملاً قادراً على قلب الموازين في أي لحظة.
وفي موازاة ذلك، تتحرك الحكومات حول العالم على جبهات متعددة؛ فواشنطن تراقب جيوب المستهلكين في مناسبة وطنية رمزية، وألمانيا تستعد لعودة الأعباء الضريبية على مواطنيها، وتايلاند تبحث عن ملاذات طاقوية بديلة بعيداً عن مخاطر الشرق الأوسط.
وستبقى الأسابيع القليلة المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان هذا الهدوء النسبي في أسواق النفط سيستمر، أم أن هشاشة الاتفاق الدبلوماسي في الدوحة قد تُعيد إشعال فتيل التقلبات من جديد، في ظل غياب أي مؤشرات حاسمة بعد على نجاح المفاوضات الفنية المرتقبة هذا الأسبوع.
النفط يفقد 38 %
سجّلت أسعار النفط تراجعاً تاريخياً خلال الربع الحالي، إذ هبط خام برنت بنحو 38 %، وتراجع خام غرب تكساس الوسيط بنحو 30 % ، ليقترب الخامان من مستوياتهما قبل اندلاع الحرب.
وفي تداولات أمس، صعد عقد برنت لتسليم أغسطس بشكل طفيف بنسبة 0.21 % إلى 73.30 دولاراً للبرميل، فيما ارتفع عقد سبتمبر الأكثر تداولاً 0.61 بالمئة إلى 74.36 دولاراً، كما زاد خام غرب تكساس الوسيط 0.51 % إلى 71.11 دولاراً للبرميل، إلا أن هذه الارتفاعات الطفيفة لا تغيّر من الصورة العامة لربع سجّل فيه الخام ثالث انخفاض شهري على التوالي، بتراجع بلغ نحو 20% منذ بداية يونيو وحده بالنسبة لبرنت، و19% لخام غرب تكساس.
وفسّر جيوفاني ستانوفو، المحلل لدى بنك يو.بي.إس، هذا الانهيار بقوله إن السفن التي كانت عالقة سابقاً باتت متاحة مع تزايد عدد الناقلات المغادرة للخليج، ما أدى إلى موجة مؤقتة من المعروض الإضافي أغرقت السوق. وفي مؤشر يعزز حالة التشاؤم بشأن الأسعار مستقبلاً، توقع بنك مورجان ستانلي فائضاً ضمنياً في سوق النفط العالمية يبلغ 4.8 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2027، وهو رقم ضخم يعكس حجم التحول الذي طرأ على موازين العرض والطلب.
كما كشف استطلاع أجرته «رويترز» أن المحللين خفّضوا توقعاتهم لأسعار النفط لعام 2026 للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، بعد خمسة أشهر متتالية من رفع التوقعات، في إشارة واضحة إلى أن إعادة فتح مضيق هرمز نجحت في تهدئة مخاوف انقطاع الإمدادات طويلة الأمد.
وفي خطوة تعكس تنافسية السوق المتجددة، عرضت شركة تسويق النفط العراقية الحكومية «سومو» خصومات كبيرة على أسعار البيع الرسمية لتشجيع المشترين على استيراد نفط البصرة الخام خلال يوليو المقبل.
غموض دبلوماسي
على الرغم من التراجع السعري الحاد، لا يزال المشهد السياسي مشوباً بقدر كبير من عدم اليقين.
فقد وصل المبعوثان الأمريكيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى الدوحة، إلا أن مسؤولاً قطرياً أوضح أنهما لن يعقدا اجتماعاً رفيع المستوى مع الجانب الإيراني، وهو ما ألقى بظلال من الشك على مسار الجهود الرامية إلى تحويل وقف إطلاق النار إلى اتفاق دائم وإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل أمام الملاحة.
في خطوة تعكس حساسية الملف السياسي للأسعار محلياً، دعا وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت تجار التجزئة لمحطات الوقود إلى خفض أسعارهم تزامناً مع احتفالات الولايات المتحدة بمرور 250 عاماً على تأسيسها.
وحذّر بيسنت في مقابلة مع قناة فوكس نيوز قائلاً: «أود أن أشجع جميع تجار التجزئة للبنزين، وبعضهم مملوك لشركات النفط الكبرى وبعضهم مستقلون وبعضهم سلاسل متاجر دولية، على التصرف بشكل مسؤول.. لأننا نراقبهم»، في رسالة مباشرة تعكس حرص الإدارة الأمريكية على ترجمة تراجع أسعار الخام العالمية إلى راحة ملموسة للمستهلك الأمريكي في توقيت رمزي بالغ الحساسية سياسياً.
تايلاند تستثمر لتأمين إمداداتها
على الجانب الآخر من العالم، تتحرك تايلاند لتعزيز أمنها الطاقوي بعد أن تعرضت إمداداتها من الغاز الطبيعي المسال لاضطرابات حادة جراء الحرب الإيرانية التي عرقلت الشحنات القادمة من الشرق الأوسط ودفعت الأسعار إلى الارتفاع.
وبحسب ما نقلته وكالة بلومبرج عن مصادر مطلعة، تجري شركة الطاقة الحكومية التايلاندية «بي تي تي» محادثات مع عدد من مطوري مشاريع الغاز المسال الأمريكية للحصول على حصص أسهم وإمدادات طويلة الأجل، من بينها مباحثات مع شركة «وودسايد إنرجي» بشأن منشأتها في ولاية لويزيانا.
ألمانيا تُنهي «خصم الوقود»
وفي تطور محلي بارز، ينتهي اليوم العمل في ألمانيا بما يُعرف بـ«خصم الوقود»، بعد شهرين من تطبيقه، وهو إجراء كان قد أُدخل في أعقاب الارتفاع الحاد لأسعار النفط نتيجة الحرب الإيرانية بهدف تخفيف الأعباء عن السائقين.
ومن المتوقع أن ترتفع أسعار البنزين والديزل بشكل ملحوظ اعتباراً من غد الأربعاء، إذ سيخضع الوقود الذي يغادر مستودعات التخزين والمصافي اعتباراً من الأول من يوليو مجدداً للضريبة الأعلى السابقة، بزيادة تعادل 16.7 سنتاً لكل لتر شاملةً ضريبة القيمة المضافة.
أخبار متعلقة :