ابوظبي - ياسر ابراهيم - الخميس 2 يوليو 2026 02:51 صباحاً - مع دمج ثلاث جهات اتحادية في هيئة واحدة للذكاء الاصطناعي والبيانات، تطرح طموحات الإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي سؤالاً مثيراً للاهتمام: من يضمن أن البيانات أصلية وموثوقة قبل أن تتخذ الخوارزمية أي إجراء؟
ففي 14 يونيو 2026، اتخذت الإمارات قراراً مفصلياً في مسار بناء الدولة، تمثل في الإعلان عن إنشاء الهيئة الاتحادية للذكاء الاصطناعي والبيانات، من خلال دمج مكتب وزير دولة للذكاء الاصطناعي، وقطاع المعلومات والحكومة الرقمية في الهيئة العامة لتنظيم قطاع الاتصالات والحكومة الرقمية، ومكتب الإمارات للبيانات.
ويعكس هذا القرار بوضوح تحولاً جوهرياً في النظرة إلى البيانات والذكاء الاصطناعي، فلم يعودا مسارين منفصلين، بل ركيزتين متكاملتين ضمن منظومة تشغيل واحدة لـ«حكومة المستقبل» التي تعمل بالاعتماد على البيانات والذكاء الاصطناعي الوكيل بدلاً من المعاملات الورقية، وتتمحور حول المواطن لا حول الإجراءات. ويُعد مصطلح الذكاء الاصطناعي الوكيل العبارة المحورية في هذا السياق؛ فبينما تتعامل معظم الحكومات مع الذكاء الاصطناعي كأداة تُضاف إلى القرارات البشرية، تنظر إليه دولة الإمارات كمبدأ تشغيلي قائم على أنظمة ذاتية تتصرف بالاستناد إلى بيانات مشتركة، مع قدر محدود من المراجعة البشرية.
وتتمثل مهمة الهيئة في ضمان دقة البيانات الحكومية وقابليتها للمشاركة، وبناء منصات لاتخاذ القرار مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتصميم خدمات تتمحور حول المواطن. غير أن هناك شرطاً أساسياً غير مُعلن: فالحكومة القائمة على الذكاء الاصطناعي الوكيل لا يمكن أن تكون موثوقة إلا بقدر موثوقية بياناتها. فعندما تبدأ الأنظمة الذاتية باتخاذ إجراءات استناداً إلى بيانات مشتركة من دون رقابة بشرية مباشرة، تصبح سلامة البيانات ونزاهتها، من حيث مصدرها، وما إذا كانت قد تعرّضت للتعديل، وما إذا كان الملف لا يزال بصيغته الأصلية، مسألة أمن وطني، لا مجرد مهمة صيانة تقنية أو شأناً من شؤون تكنولوجيا المعلومات.
وعلى مدى عدة سنوات، طوّرت شركة Neurovia AI، وهي شركة إماراتية متخصصة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، حلاً يستهدف أحد أكبر أنواع البيانات الحكومية وأقلها خضوعاً للفحص والتحليل: البيانات المرئية.
وتعمل Neurovia AI في طبقة أعمق من النقاش المعتاد حول قدرات الحوسبة والرقائق والسحابة. فمنتجها الرئيسي، NeuroStream، يقوم بضغط البيانات المرئية، بما في ذلك مقاطع الفيديو والصور الصادرة عن الكاميرات وأجهزة الاستشعار، عند نقطة الالتقاط مباشرة، وقبل وصولها إلى وحدات التخزين أو إلى نماذج الذكاء الاصطناعي. وخلال عروض توضيحية في معرض آيسنار أبوظبي والقمة الحكومية للأمن السيبراني، نجحت المنصة في ضغط مقطع فيديو بدقة 4K بمعدل 60 إطاراً في الثانية من حجم 12.15 جيجابايت إلى 421 ميجابايت، بما يمثل خفضاً بنسبة 96.37 % مع الحفاظ على جودة بصرية شبه مطابقة للأصل، إلى جانب تقليل استهلاك الطاقة بنسبة 74% ومعالجة البيانات بسرعة تفوق الطرق التقليدية بثلاث مرات. وتستند هذه النتائج إلى بيانات Neurovia AI وتجاربها الفعلية. ولا يقتصر الطرح هنا على توفير مساحات التخزين، بل يتجاوزه إلى نقطة أكثر جوهرية: فعندما تبدأ وكلاء الذكاء الاصطناعي باتخاذ إجراءات تلقائية استناداً إلى البيانات، لا بد أن تكون هذه البيانات خفيفة وموثوقة أولاً.
وعقّب منصور علي خان، الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في Neurovia AI قائلاً: تركّز الحديث حول الذكاء الاصطناعي في القطاع الحكومي غالباً على النماذج: من يمتلك النموذج الأذكى، ومن ينجح في نشره بالسرعة الأكبر. لكن بمجرد أن تسمح للأنظمة الوكيلة باتخاذ إجراءات استناداً إلى بيانات مشتركة من دون تدقيق، يصبح السؤال الحقيقي أكثر تحديداً: هل هذه البيانات هي فعلاً ما تدّعي أنها عليه؟ وهل بقيت كذلك منذ لحظة التقاطها وحتى لحظة اتخاذ القرار؟ هذه مشكلة في طبقة البيانات قبل أن تكون مشكلة في النموذج.
وتقدّم Neurovia AI إجابة قائمة على البنية التقنية، لا على الإجراءات التشغيلية. إذ يعمل NeuroStream وفق تصميم مغلق قائم على مبدأ «الثقة الصفرية»، حيث يتم التحقق من البيانات المرئية عند نقطة الالتقاط، وتبقى ضمن حدود موثّقة وآمنة، من دون الحاجة إلى مغادرة البنية التحتية الخاصة بالمؤسسة من أجل معالجتها. وبالنسبة للعملاء الحكوميين، يرى خان أن هذا الأمر بات أكثر أهمية من الموقع الجغرافي للخادم.
ويضيف: "كانت السيادة تُقاس سابقاً بمكان وجود الخادم. أما اليوم، فلم يعد الأمر كذلك. السؤال الأهم الآن هو: هل تحتاج بياناتك الأكثر حساسية إلى مغادرة جدران مؤسستك حتى تصبح قابلة للاستخدام؟ لقد صممنا بنيتنا التقنية بحيث تكون الإجابة: لا."
ويضع خان هذا التحول في إطار أوسع من الأمن وحده، واصفاً إياه بأنه انتقال تأخر القطاع في تسميته بوضوح. ويقول: "على مدى عشرين عاماً، صُممت البيانات المرئية ليشاهدها الإنسان، سواء كان حارساً يراقب شاشة، أو محللاً يراجع تسجيلات لاحقاً. لكن هذه المرحلة تقترب من نهايتها. فالبيانات المرئية اليوم تُصمم لكي تفهمها الآلات وتتصرف بناءً عليها في الوقت الفعلي، وغالباً من دون وجود إنسان ضمن حلقة القرار. والبنية التحتية التي بُنيت للمشاهدة البشرية لم تُصمم أساساً لهذا الغرض. أما بنيتنا، فقد صُممت له."
وتخضع Neurovia AI، وهي شركة تابعة لـ Robo.ai Inc. المدرجة في بورصة ناسداك تحت الرمز (AIIO)، حالياً للتقييم من قبل عملاء حكوميين ومؤسسيين في مختلف أنحاء دول مجلس التعاون الخليجي. ولا تنافس الشركة مزودي الخدمات السحابية أو شركات الأمن السيبراني أو مطوري نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تعمل في طبقة تقع أسفل هذه المجالات الثلاثة، لتحدد ما إذا كانت البيانات التي تعتمد عليها موثوقة من الأساس.
وسيستمر السباق نحو تطوير ذكاء اصطناعي أكثر تقدماً. لكن مع بدء الحكومات بالاعتماد على الأنظمة الذاتية لدعم قرارات تؤثر في الواقع الفعلي، لن يكون الذكاء وحده كافياً. فالسؤال الحاسم سيصبح: هل يمكن الوثوق بالبيانات التي تعتمد عليها هذه الأنظمة؟ وهذا هو التحدي الذي تعمل Neurovia AI على معالجته، ليس من خلال بناء تطبيق جديد للذكاء الاصطناعي، بل عبر تعزيز البنية التحتية التي تقوم عليها هذه التطبيقات. ففي عصر الذكاء الاصطناعي الفيزيائي، لن تبدأ الثقة من الخوارزمية، بل من البيانات.
أخبار متعلقة :