دبي تصنع المستثمرين الجدد عبر التكنولوجيا المالية

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 6 يوليو 2026 07:06 صباحاً - مع كل موجة تحوّل اقتصادي كبرى، تظهر أدوات جديدة تعيد تعريف مفهوم الاستثمار، واليوم تقود التكنولوجيا المالية هذه الموجة عالمياً، بعدما نجحت في إزالة الحواجز التقليدية أمام دخول الأسواق المالية، وحولت الهواتف الذكية إلى منصات استثمار متكاملة تتيح الوصول إلى الأسهم والذهب والعملات المشفرة والأسواق العالمية بضغطة زر.

Advertisements

ولم تكن دبي مجرد مستفيد من هذا التحول، بل أصبحت أحد أبرز صناعه، مستندة إلى منظومة تشريعية متطورة، وبنية تحتية رقمية متقدمة، وبيئة أعمال جاذبة لشركات التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي.

وفي الوقت الذي تجاوزت فيه أحجام التداول العالمية عبر بعض المنصات 1.27 تريليون دولار خلال الربع الأول من 2026، برزت باعتبارها واحدة من أكثر الأسواق نمواً في الاستثمار الرقمي، مدفوعة بارتفاع وعي الأجيال الشابة وتوسع استخدام التطبيقات الذكية في إدارة الثروات.

ويؤكد خبراء تحدثوا لـ«حال الخليج» أن الاستثمار في الإمارات يشهد تحولاً هيكلياً يتجاوز مجرد زيادة أعداد المتداولين، ليصل إلى إعادة تشكيل ثقافة الاستثمار نفسها، حيث تتجه المَحافظ الاستثمارية إلى مزيد من التنوع، بينما يزداد الاعتماد على البيانات والذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات، في مؤشر على دخول أسواق المال مرحلة جديدة تقودها التكنولوجيا والابتكار.

ومع تجاوز أحجام التداولات العالمية 1.27 تريليون دولار، خلال الربع الأول من العام الجاري 2026، تواصل دبي تعزيز مكانتها أحد أسرع مراكز التكنولوجيا المالية والاستثمار الرقمي نمواً عالمياً. وينعكس ذلك على ثقافة الاستثمار في الإمارات.

حيث يعتبر 71% من «جيل زد» الاستثمار أولوية حياتية في وقت تشهد فيه المنصات الرقمية نمواً سنوياً يتجاوز 70%. هذه المؤشرات تؤكد أن دبي باتت بيئة عالمية متقدمة تصنع جيلاً جديداً من المستثمرين الرقميين..

«حال الخليج» التقت مجموعة من خبراء الاستثمار والأعمال ليتحدثوا عن هذه الظاهرة. يقول طارق شبيب، الرئيس التنفيذي لشركة كابيتال دوت كوم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا:

أعادت التكنولوجيا تشكيل طبيعة رواد ومستخدمي الأسواق المالية في دبي بشكل جذري، وسهلت دخولهم إلى تلك الأسواق. وأزالت المنصات الرقمية الحواجز التقليدية التي كانت تعيق الاستثمار، مثل الحد الأدنى للإيداعات، والاعتماد على الوسطاء، والإجراءات المعقدة للتسجيل وفتح الحسابات، وأصبح الوصول إلى الأسواق المالية اليوم في متناول جيل جديد يمتلك معرفة تقنية وقدرة على التعامل مع الأدوات الرقمية.

الحصة السوقية

ويضيف: وعلى ضوء ذلك شهدت منصة كابيتال دوت كوم زيادة ثابتة في أعداد المستثمرين الجدد في الإمارات وعموم منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خلال السنتين الماضيتين، بسبب سهولة استخدام منصات التداول المصممة للهواتف الذكية.

ويظهر ذلك بوضوح في أن 75% تقريباً من متداولي المنصة في دولة الإمارات يعتمدون حصرياً على الهواتف المحمولة، بينما يشكّل من تراوح أعمارهم بين 18 و44 عاماً نسبة أكثر من 86% من المتداولين.

كما أنجزت «كابيتال دوت كوم» تداولات عالمية بقيمة 1.27 تريليون دولار خلال الربع الأول من عام 2026، بينما تحافظ الإمارات على موقعها ضمن أكبر ثلاثة أسواق عالمية للشركة إلى جانب ألمانيا والمملكة المتحدة.

واستناداً إلى الحصة السوقية للمنصة والمقدرة بنحو 25%، يُقدَّر الحجم السنوي لسوق عقود الفروقات في دولة الإمارات بنحو 2.5 تريليون دولار، ما يظهر الزخم الكبير لاستخدام المنصات الرقمية في المنطقة.

من جانب آخر تشير بيانات مستخدمين المنصة إلى تزايد اهتمام المستثمرين الشباب بتنويع استثماراتهم، بما يشمل الأسهم العالمية والمؤشرات والسلع مثل الذهب، إضافةً إلى الأصول المشفرة التي تحظى بإقبال متزايد.

ومثّل الذهب أكبر حصة من النشاط عبر المنصة في بداية عام 2026، مستحوذاً على 59% من إجمالي أحجام التداول في يناير، مدفوعاً بالزيادة الثابتة في أسعاره وارتفاع مشتريات البنوك المركزية منه إلى أعلى مستوياتها خلال 25 عاماً.

كما شهد النفط زيادة ملحوظة في التفاعل خلال شهر مارس. ويعكس ذلك وجود شريحة من المتداولين ممن يمتلكون نظرة عالمية شمولية ويتفاعلون مع المتغيرات الاقتصادية الكلّية لحظة بلحظة عبر المنصة.

أما في ما يتعلق بأنماط الاستثمار قصير الأجل، مقارنة بالاستثمار طويل الأجل، فيقول: تبدو الصورة أكثر اتساعاً، فعلى الرغم من استمرار الإقبال على التداول قصير الأجل.

حيث يتم إنجاز 71% من صفقات التداول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال اليوم نفسه مقارنة بـ41% في أوروبا (استناداً إلى بيانات المنصة على مدى عامين حتى نهاية عام 2025)، فإننا نلاحظ تحولاً ملموساً نحو أنماط استثمارية أطول أجلاً وأكثر وعياً، وهو تحوّل تدعمه الأدوات التحليلية والميزات التعليمية المنظمة المتوفرة ضمن المنصة.

ولا شك أن هذا الجيل يتميز بمستوى تعليمي مرتفع، إذ يحمل 64% من المتداولين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا شهادات جامعية مقارنة بـ39% في أوروبا.

كما أن 45% منهم يبدأون باستخدام الحسابات التجريبية قبل استثمار أموال حقيقية، ما يمنحهم أساساً معرفياً يساعدهم على اتخاذ قرارات استثمارية مدروسة أكثر.

أما عن التحديات فيشير أنها لا تكمن فقط في حجم المعرفة بقدر ما تتواجد في القدرة على اتخاذ القرارات تحت الضغط، حيث إن 17% فقط من متداولي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يستخدمون أوامر إيقاف الخسائر التلقائية، مقارنة بـ37% في أوروبا؛ وهو رقم ظل ثابتاً طوال فترة رصد استمرت عامين حتى نهاية عام 2025.

ولا يزال هذا المسار يمثل توجهاً واضحاً ضمن المنصة حتى الربع الأول من عام 2026. وهذه الفجوة تحديداً هي ما تركز عليه Capital.com من خلال بنائها منصة تداول رقمي يُقاس نجاحها بجودة القرارات التي يتخذها المستخدمون، وليس بعدد الصفقات التي ينفذونها.

من ناحية أخرى يؤكد اهتمامهم بمواصلة الاستثمار في التعليم، وتطوير تصاميم المنصات، وتبنّي الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي التي تساعد المتداولين على الالتزام بقرارات مدروسة ومنضبطة في اللحظات الحاسمة، لأن الجمع بين التكنولوجيا المتاحة للجميع والحوكمة الصارمة هو ما يجعل مشاركة هذا الجيل في الأسواق المالية متاحة، ومستدامة أيضاً.

أدوات الذكاء الاصطناعي

يقول فيجاي فاليشا، الرئيس التنفيذي للاستثمار في «سنشري فاينانشال»: أسهمت التكنولوجيا في تشكيل جيل جديد من المستثمرين، ولم تكن الإمارات استثناءً من هذا التحول؛ فهذا الجيل الجديد يتمتع بوعي رقمي مرتفع، كما أن الأدوات التكنولوجية الحديثة عززت ديمقراطية الوصول إلى المعلومات.

ولم يعد المستثمرون يقضون ساعات طويلة في تحليل وتدقيق تقارير هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، بل بات الجيل الجديد من المهنيين يعتمد على نماذج وأدوات الذكاء الاصطناعي لتحليل المؤشرات الرئيسية وفهمها، كما شجعت التكنولوجيا الأفراد على التعمق في الأسواق من دون عبء البحث عن البيانات، بعدما أصبحت المعلومات متاحة عملياً بضغطة زر.

ونتيجة لذلك تقلصت بشكل كبير فترة التعلم التي كانت تستغرق سنوات في السابق. وفي دبي يظهر هذا التوجه بوضوح من خلال التوسع القوي في منح تراخيص التكنولوجيا المالية داخل مراكز الابتكار مثل مركز دبي المالي العالمي وسوق أبوظبي العالمي.

كما أن مركز الابتكار التابع لمركز دبي المالي العالمي، الذي يضم أكبر تجمع لشركات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، يواصل استقطاب شركات التقنية في مراحل النمو والشركات الابتكارية الراسخة.

يضيف فاليشا: في الوقت نفسه أسهم انتشار المحتوى المالي باللغة العربية عبر «يوتيوب» و«تيك توك» في إزالة حاجز اللغة، الذي طالما أبعد شريحة واسعة من سكان المنطقة عن النقاشات الاستثمارية.

ورغم أن الجيل الجديد من المستثمرين لا يزال يعتمد على المختصين في اتخاذ القرارات الجوهرية، فإنه أصبح أكثر إلماماً ومعرفة بشكل واضح. ومع ذلك فإن سهولة الوصول لا تعني بالضرورة عمق الفهم؛ فالتكنولوجيا نفسها التي فتحت الباب أمام فئة جديدة من المستثمرين، أسهمت أيضاً في تضخيم السلوكيات المضاربية، وهو ما يتعين على المستثمرين الانتباه إليه.

وقد شكلت تطبيقات التداول محفزاً رئيساً لدخول الأجيال الشابة إلى الأسواق المالية في دبي، ويكمن التحول الهيكلي الأبرز في خفض الحواجز أمام الوصول إلى الأسواق المالية.

فقد ظهرت العديد من المنصات المتوافقة مع الهواتف المحمولة، والتي تتيح الاستثمار والتداول عبر فئات أصول متعددة بمتطلبات رأسمالية أولية منخفضة، كما عززت خدمات مثل الاستشارات الآلية، والتداول بالنسخ، والواجهات المبسطة، الإقبال على هذه التطبيقات. أما في السابق فقد كان دخول أي سوق مالية يتطلب وسيطاً مالياً، وإجراءات ورقية، ورأس مال أولياً أكبر.

وعلاوة على ذلك -يواصل فاليشا حديثه- بادرت منصات التداول إلى تثقيف المستخدمين الجدد والشباب عبر المدونات التعليمية والحملات التوعوية بهدف توسيع قاعدة مستخدميها. ويبدأ العديد من أفراد جيل زد استثمار مدخراتهم حتى قبل دخول سوق العمل، مدفوعين بسهولة الوصول إلى الاستثمار عبر التطبيقات.

ووفقاً لاستطلاع حديث يمتلك نحو 85% من المستثمرين الأفراد في الإمارات أسهماً محلية، ويتماشى ذلك في دبي مع التركيبة السكانية للشباب الوافدين الذين يتمتعون بقدرات رقمية متقدمة، في وقت لا تزال فيه خدمات إدارة الثروات التقليدية لا تلبي احتياجاتهم بشكل كافٍ.

، إلا أن هناك عوامل أخرى أسهمت أيضاً في زيادة المشاركة في الأسواق المالية بدبي، من أبرزها نشاط الطروحات العامة الأولية لشركات مثل «سالك» و«تاكسي دبي».

والتي ترتبط بشكل مباشر بالحياة اليومية في المدينة، كما تدعم السياسات الحكومية التي تخفف القيود أمام المستثمرين الأفراد، إلى جانب مكانة دبي مركزاً مالياً عالمياً، هذا الزخم المتنامي للمشاركة الاستثمارية.

محافظ استثمارية

ويؤكد فاليشا أنه يمكن تقسيم المستثمرين الجدد في الإمارات إلى فئتين رئيسيتين؛ الفئة الأولى تضم المستثمرين الأصغر سناً، ممن تراوح أعمارهم بين العشرينيات ومنتصف الأربعينيات، بينما تشمل الفئة الثانية من تجاوزوا الخمسين ونجحوا في تكوين مدخرات كافية لاستثمار مبالغ كبيرة.

وتتمتع الفئة الأولى بطبيعة الحال بشهية أعلى نسبياً للمخاطر، وتميل بصورة أكبر إلى تحقيق أرباح قصيرة ومتوسطة الأجل، بالتوازي مع بناء محافظ استثمارية طويلة الأجل.

كما تسعى هذه الفئة إلى استكشاف قنوات متعددة للمشاركة في الأسواق، بدءاً من عقود الفروقات والاكتتابات العامة، وصولاً إلى ضخ رؤوس الأموال في الاستثمارات طويلة الأجل.

ويبحث المستثمرون الشباب، خصوصاً بين سن العشرينيات ومنتصف الثلاثينيات، عن الحافز النفسي المرتبط بالتداول النشط؛ ما يجعلهم أكثر ميلاً لتحقيق أرباح سريعة.

وتزداد سهولة ذلك بفضل الوصول إلى المعلومات عبر منصات مثل إكس، وسابستاك، وديسكورد، وغيرها من المنصات التي لا يعتمد عليها الجيل الأكبر بالقدر نفسه.

لكن ما تغير فعلياً -يستدرك فاليشا- خلال العامين أو الثلاثة أعوام الماضية هو أن هذه الفئة بدأت تخصص جزءاً من أموالها للاستثمار في الصناديق المتداولة في البورصة وصناديق المؤشرات والأسهم القيادية الإماراتية والذهب، إلى جانب التداولات قصيرة الأجل.

ولذلك لم يعد من المستغرب أن تجد شاباً سنه 28 عاماً في دبي يمتلك حساب تداول نشطاً، وفي الوقت نفسه يحول مبلغاً شهرياً بشكل دوري إلى صندوق يتتبع مؤشر ستاندرد آند بورز 500، بحيث يعمل المساران بالتوازي.

ورغم أن الجانب المضاربي لا يزال الأكثر حضوراً واتساعاً فإن التوجه طويل الأجل لم يعد غائباً، كما كان قبل خمس سنوات. أما الفئة الأكبر سناً فتختلف سلوكياتها الاستثمارية بحكم اختلاف تركيبتها النفسية.

فالمستثمر الوافد البالغ من العمر 55 عاماً، والذي يبدأ الاستثمار للمرة الأولى، غالباً ما تكون لديه التزامات عائلية ورهن عقاري وخطة مستقبلية للعودة إلى بلده، إلى جانب إدراك أكبر لمعنى خسارة الأموال.

ولهذا السبب يميل هؤلاء إلى دخول الأسواق عبر المستشارين الماليين أو البنوك الخاصة، بدلاً من مجموعات تيليغرام. ومنذ أول عملية تخصيص للأصول يفكر هؤلاء بمنهجية واضحة تقوم على تقسيم المحافظ إلى مكونات متعددة:

محفظة أساسية طويلة الأجل تضم الأسهم العالمية والسندات والأسهم الإماراتية الموزعة للأرباح، وتخصيصات عقارية لتحقيق العائد، وبعض الاستثمارات في الذهب.

إضافة إلى نسبة محدودة موجهة لرهانات موضوعية يدركون مسبقاً احتمال خسارتها بالكامل. وهم لا يتجنبون الأصول المضاربية، بل يحددون حجم الانكشاف عليها بشكل مدروس، من دون الخلط بينها وبين استراتيجية بناء الثروة.

ويرتبط هذا الانقسام بين الأجيال بطبيعة السوق الإماراتية تحديداً -يواصل فاليشا موضحاً: فالشباب الوافدون غالباً ما يبنون أول قاعدة رأسمالية حقيقية لهم داخل بيئة معفاة ضريبياً، ومحاطة بقصص الثراء السريع؛ ما يعزز الانجذاب نحو المضاربة.

بينما تأتي الانضباطية الاستثمارية طويلة الأجل لاحقاً بشكل متعمد. أما المستثمرون الأكبر سناً فيصلون عادة وقد راكموا ثرواتهم واكتسبوا خبراتهم بالفعل، لا سيما بعد مشاهدتهم تداعيات أزمة 2008 أو انهيارات الأسواق المحلية التي ألحقت خسائر كبيرة بالمستثمرين ذوي الرافعة المالية المرتفعة.

وعن نسبة المستثمرين في الأسواق الإماراتية الذين يستخدمون المنصات الرقمية للتداول وحجم تداولاتهم قال فاليشا: تشير بيانات شركات الوساطة والتكنولوجيا المالية بوضوح إلى ارتفاع حاد في مشاركة المستثمرين الأفراد عبر التطبيقات المحمولة ومنصات الوساطة الإلكترونية.

وقد شهدت منصات مثل إنتراكتيف بروكرز، وإي تورو، وباراكا، وثروة، وساكسو، و«كابيتال دوت كوم»، نمواً متزايداً في قاعدة مستخدميها، خصوصاً بين المستثمرين الشباب الباحثين عن وصول أسهل إلى الأسواق المالية العالمية.

كما توسع نشاط التداول الرقمي بوتيرة سريعة عبر الأسهم والعملات الأجنبية والسلع والعملات المشفرة والأسهم الأمريكية؛ ما جعل المنصات الإلكترونية جزءاً متزايد الأهمية من المنظومة المالية في الإمارات. ويؤكد المشاركون في السوق أن شريحة مؤثرة من نشاط تداولات المستثمرين الأفراد باتت تُدار اليوم عبر هذه القنوات الرقمية.

أسواق عالمية

وأضاف: تعد الإمارات واحدة من أكبر ثلاثة أسواق عالمية للشركة من حيث نشاط التداول، في حين تمثل منطقة الشرق الأوسط إحدى أكبر مناطقها التشغيلية، كما أظهرت بيانات عام 2025 نمواً قوياً.

ففي النصف الأول منه سجلت «كابيتال دوت كوم» أحجام تداول إجمالية بلغت 1.5 تريليون دولار، بزيادة 42.5% مقارنةً بـ1.06 تريليون دولار في النصف الثاني من عام 2024.

وبلغت أحجام التداول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 804.1 مليارات دولار، مرتفعة بنسبة 53.3% مقارنة بالنصف السابق من العام، بينما استحوذت الإمارات على نحو 71.7% من إجمالي تداولات المنطقة على المنصة.

وكان الذهب والعملات المشفرة والنفط والأسهم الأمريكية من بين أكثر فئات الأصول تداولاً؛ ما يعكس تنامي اهتمام المستثمرين بالأسواق العالمية والاستثمارات البديلة.

وبشكل عام –يستطرد فاليشا- تحولت الإمارات إلى واحدة من أسرع مراكز الاستثمار الرقمي نمواً في المنطقة، مدعومة بالتوسع في تبنّي التكنولوجيا المالية والأطر التنظيمية الداعمة وارتفاع مشاركة المستثمرين الأفراد عبر منصات التداول الإلكترونية.

أما عن فئات الأصول التي يستهدفها المستثمرون الرقميون الجدد فقال فاليشا: مع التوسع في انتشار التكنولوجيا أصبحت عملية الاستثمار أكثر سهولة وسلاسة من أي وقت مضى.

ففي السابق كان المستثمرون يضطرون إلى الاتصال بوسطائهم لتنفيذ الأوامر، بينما أصبح بإمكانهم اليوم القيام بذلك مباشرة عبر هواتفهم الذكية. وتُعد العملات المشفرة المستفيد الأكبر من التحول الرقمي في قطاع الاستثمار، ويأتي الذهب في المرتبة الثانية.

فقد عزز جاذبيته الاستثمارية بفضل خفض تكاليف الإنتاج والتداول، وفي الأسواق التنافسية، قد تراوح تكاليف المصنعية بين 10% و15%، بينما ترتفع لدى العلامات الفاخرة إلى ما بين 20% و25%؛ ما يعني أن ذهباً بقيمة 100 درهم قد يُشترى فعلياً مقابل 110 دراهم.

وبالتالي يتعين على الأسعار الارتفاع إلى هذا المستوى لتحقيق نقطة التعادل فقط. وإضافة إلى ذلك غالباً ما يتمتع الذهب بسعر وحدة مرتفع، ومع توفير المنصات الرقمية لخدمات الملكية الجزئية أصبح الوصول إليه أكثر سهولة بالنسبة للمستثمرين.

أما أحمد الخطيب، الرئيس التنفيذي لتطوير الأعمال في مجموعة CFI، فقال: إن تطبيقات التداول سهلت دخول جيل جديد إلى الأسواق المالية في دبي، وكسرت ثلاثة حواجز كانت تحول دون دخول صغار المستثمرين:

حاجز المعلومة، وحاجز التكلفة، وحاجز التعقيد؛ فالمنصات الرقمية تقدم اليوم بيانات فورية وتحليلات مبسطة وواجهات سهلة الاستخدام بلغات متعددة، كما أن معظمها يوفر حلولاً متعددة للمستخدم تتيح له استكشاف منتجات كثيرة بشكل مبسط.

وتُظهر البيانات أن 86% من المتداولين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تراوح أعمارهم بين 18 و44 عاماً، مع استحواذ جيل الألفية على 55% من نسبة المستخدمين النشطين. وفي الإمارات تحديداً أصبح 71% من جيل Z يعتبرون الاستثمار أولوية حياتية، مقارنةً بـ37% فقط قبل عقد واحد.

وتدخل نسبة كبيرة منهم بعقلية الربح السريع، لكن الكثير منهم يتحولون تدريجياً نحو التفكير الاستراتيجي بعد تجربة السوق بشكل مباشر. وغالباً بعد أن يتعلموا الدرس بالطريقة الصعبة..

الأسواق معلم قاسٍ لكنه فعال، وما يقلقني هو أن موجات التداول المدفوعة بمواقع التواصل الاجتماعي والضجيج الإعلامي تغذي هذه العقلية الباحثة عن الثراء السريع من دون وعي وتطيل عمرها.

لا مشكلة في أن يختار أي شخص المضاربة أو الاستثمار، لكن المهم أن يكون لديه الوعي الكافي لإدارة أمواله بشكل يبني قيمة متراكمة عبر الوقت، من دون المخاطرات العشوائية التي تعرضه لخسائر كبيرة.

المنصات الرقمية

وعن حجم شريحة المتداولين عبر المنصات الرقمية من إجمالي المستثمرين في الأسواق الإماراتية وحجم تداولاتهم قال الخطيب: تتفاوت الأرقام الدقيقة حسب المصدر وطريقة التصنيف.

لكن الاتجاه واضح أن غالبية التداولات تتم عبر المنصات الرقمية، مع ملاحظة نمو عدد المستخدمين بشكل متسارع بنسبة تفوق 70% سنوياً، لا سيما بعد جائحة كوفيد.

وما نلاحظه عملياً هو أن هذه الشريحة باتت تشكل جزءاً لا يستهان به من حجم التداول اليومي، خصوصاً في الأصول ذات السيولة العالية. لكن يجب عدم قياس الأهمية بالحجم وحده، فتأثير هذا الجيل في ثقافة الاستثمار وتوقعات المنتجات المالية لا يقل أهميةً عن حجم تداولاته.

ويؤكد الخطيب أن التكنولوجيا لم تسهل الوصول إلى مختلف الأسواق فحسب، بل أعادت تعريف مفهوم «المستثمر» من الأساس؛ ففي السابق كان الحديث عن شريحة معينة تملك رأس المال تمكنها من الحصول على حسابات الاستثمار في المصارف أوشركات إدارة الأصول، أما اليوم فإن أي شاب في الخامسة والعشرين مثلاً يستطيع أن يبدأ استثماره بضغطة زر، من دون وسيط ولا مدير حساب، ومن دون حد أدنى مرتفع.

وقد استفادت دبي تحديداً من هذا التحول أكثر من غيرها، لأنها كانت سباقة إلى وضع الأُطر التنظيمية الجاذبة للاستثمار في التكنولوجيا المالية؛ ما صنع بنية تحتية رقمية متقدمة وأتاح ظهور منتجات مالية مبتكرة، إضافة إلى خلق بيئة تنافسية ممتازة، وكل ذلك جعل الوصول إلى الأسواق المالية سهلاً ومنظماً للجميع.

والملاحظ أن المستثمرين الجدد عبر المنصات الرقمية تستقطبهم الأسهم الأمريكية والأسواق العالمية، لا سيما أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى التي أصبحت أسماء مألوفة لدى الجيل الجديد مستخدمين لها قبل أن يصبحوا مستثمرين فيها.

كما تحتل العملات الرقمية مكانة بارزة في تفكير المستثمرين دون الثلاثين، وإن كانت التقلبات الحادة قد رسخت لدى بعضهم قدراً أكبر من الحذر، وهذا جيد. وتشير التقارير إلى أن نحو 56% من المستثمرين يحتفظون بعملات رقمية في محافظهم الاستثمارية.

كما أن الذهب لا يزال يحتفظ بمكانته ملاذاً آمناً، لا سيما في أوقات الغموض الجيوسياسي. أما الأسهم المحلية الإماراتية فثمة اهتمام متنامٍ بها مع نضج السوق وتحسن أدوات الوصول الرقمي إليها، وإن كانت لا تزال تحتاج إلى مزيد من الترويج والتثقيف المستهدف لهذه الشريحة.

تحوّل سلوكي

يرى مادور كاكار، المؤسس المشارك في «كوانتل إيه آي»، أن التكنولوجيا أسهمت بشكل حاسم في ظهور جيل جديد من المستثمرين في دبي ومختلف أنحاء الإمارات، غير أن هذا التحول لم يكن تقنياً فحسب، بل سلوكياً أيضاً.

فالأجيال الشابة، التي نشأت على الهواتف الذكية وأنظمة الدفع الرقمية وتطبيقات توصيل الطعام والوصول الفوري إلى المعلومات، باتت تتوقع أن تعمل عملية الاستثمار بالمنطق ذاته: سهلة الوصول، شفافة، فورية، ومرتكزة على الهواتف المحمولة.

مضيفاً: وقد لوحظ أن التكنولوجيا لا تجذب المستثمرين الشباب فقط، بل تعيد أيضاً تشكيل سلوك المستثمرين الأكبر سناً والأكثر خبرة؛ فسرعة تنفيذ الصفقات وانخفاض تكاليف المعاملات وتحسن الوصول إلى السيولة والقدرة على توزيع الأصول استراتيجياً عبر فرص قصيرة الأجل، كلها عوامل جعلت الأسواق أكثر ديناميكية مقارنة بالسابق.

وصرنا نشهد اليوم ابتعاداً متزايداً عن نهج «الشراء والاحتفاظ» التقليدي، نحو استثمار أكثر مرونة وقائماً على اقتناص الفرص. وبات المستثمرون يسعون إلى القدرة على التفاعل السريع مع المتغيرات وإعادة توزيع الانكشاف الاستثماري وإدارة التقلبات والاستفادة بكفاءة أكبر من الاتجاهات قصيرة الأجل في الأسواق.

كما أسهم الاقتصاد الرقمي الأوسع في دبي في تسريع هذا التحول؛ حيث رسّخت المدينة مكانتها مركزاً للتكنولوجيا المالية، والذكاء الاصطناعي، وأطر تنظيم الأصول المشفرة، والبنية التحتية المالية من الجيل الجديد؛ ما جعلها وجهة طبيعية للمستثمرين الرقميين.

أما على مستوى فئات الأصول -يضيف كاكار- فقد أصبحت المشاركة الاستثمارية اليوم أكثر تنوعاً، وتشمل الأسهم العالمية، والصناديق المتداولة في البورصة، والعملات المشفرة، والسلع والذهب، والاستثمارات التقنية الموضوعية، والفرص الإقليمية.

وقد كانت مشاركة المستثمرين الشباب في الأسهم المحلية الإماراتية أقل نسبياً مقارنة بالأسواق العالمية والأصول المشفرة، إلا أن هذه المعادلة بدأت تشهد تحولاً ملموساً.

ومن المرجح أن يسهم ارتفاع وتيرة الطروحات العامة الأولية، وتحسن سهولة الوصول إلى الأسواق، وتعزز المشاركة الرقمية، وارتفاع الوعي بالفرص المحلية، في إحداث تحول إيجابي كبير في مساهمة المستثمرين الأفراد ضمن أحجام التداول في الأسواق الإماراتية خلال السنوات المقبلة.

ويختتم كاكار بقوله: رغم صعوبة تحديد أرقام دقيقة على مستوى القطاع بشأن حجم مشاركة المستثمرين الأفراد عبر القنوات الرقمية، فإن هناك حقيقة واضحة للغاية -من واقع الانخراط المباشر في المنظومة عبر النقاشات مع العملاء والوسطاء والمنصات ومزودي الخدمات- وهي أن هذه الشريحة تمثل اليوم جزءاً مؤثراً ومتسارع النمو من النشاط السوقي.

وفي «كوانتل إيه آي» نعمل بشكل فعّال على الإسهام في هذا التحول من خلال تطوير حلول تركز على الاستثمار الموضوعي النشط المدعوم بتقنيات تعلم الآلة، والاستثمار الجزئي، والتنفيذ الخوارزمي، ووكلاء الذكاء الاصطناعي المصممين لدعم إدارة الاستراتيجيات الاستثمارية قصيرة الأجل المرتبطة بفئات أصول محددة.

وقد بات الاتجاه العام واضحاً: الاستثمار أصبح أكثر ذكاءً، وأكثر تخصيصاً، وأكثر سيولة، وأسهل وصولاً بشكل غير مسبوق. وفي نهاية المطاف نجحت التكنولوجيا في إضفاء الطابع الديمقراطي على الاستثمار. أما التحدي اليوم فيكمن في ضمان تطور سهولة الوصول بالتوازي مع تعزيز الثقافة المالية والانضباط والمشاركة الاستثمارية المسؤولة.

طارق شبيب:

الإمارات ترسخ مكانتها العالمية رقمياً

فيجاي فاليشا:

الإمارات بين أكبر أسواق التداول العالمية

أحمد الخطيب:

الأسهم الإماراتية تستقطب اهتماماً متزايداً

مادور كاكار:

الطروحات الأولية تدعم مشاركة المستثمرين

86 %

من متداولي الشرق الأوسط شباب

59 %

حصة الذهب من تداولات الشباب عالمياً مطلع 2026

45 %

من الشباب إقليمياً يبدأون باستخدام حسابات تجريبية قبل الاستثمار

2.5

تريليون دولار سوق عقود الفروقات في الإمارات

1.27

تريليون دولار تداولات عالمية في الربع الأول من 2026

71.7 %

حصة الإمارات من تداولات المنطقة على إحدى أكبر المنصات العالمية

804

مليارات دولار تداولات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 2025

17 %

فقط من المتداولين في المنطقة يستخدمون أوامر إيقاف الخسائر التلقائية

أخبار متعلقة :