ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 28 يوليو 2026 10:21 مساءً - كان الجمل في المخيلة العربية والأفريقية، أكثر من حيوان، كان وسيلة السفر، ومصدر اللبن، ورفيق القافلة، وصورة الصبر حين تنقطع الطرق، لذلك لم يتم تسميته «سفينة الصحراء» عبثاً، فكان يعبر الرمل كما تعبر السفن البحر، ويحتمل العطش والحرارة والمسافات الطويلة حين تعجز حيوانات أخرى عن ذلك.
لكن هذه الصورة بدأت تهتز، فالجمل الذي اعتدنا النظر إليه ككائن لا يقهره الحر، صار اليوم أحد ضحايا الحر نفسه.
في تقرير لـ«بي بي سي»، يروي رعاة في شمال أفريقيا والقرن الأفريقي أن الإبل تعاني بثوراً في الأقدام، وعيوناً دامعة، وحروقاً في الجلد بسبب الرمال الساخنة، إلى جانب الإرهاق والجفاف وتراجع القدرة على الإنتاج.
في إقليم عفر شمال شرقي إثيوبيا، وهو من أكثر مناطق العالم حرارة وجفافاً، قال الراعي علي عمرإنه يملك نحو 500 جمل، لكنه فقد 8 حيران خلال شهر واحد بسبب موجات الحر. الجملة الأكثر قسوة في شهادته لم تكن عن الموت فقط، بل عن تغير الإحساس بالصحراء نفسها: "حتى الريح التي كانت تجلب بعض الراحة، باتت تحمل حرارة".
هذه ليست قصة استثنائية لراع واحد منفرد، فبحسب منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «الفاو»، تحتضن أفريقيا أكثر من 80% من جمال العالم وحيدة السنام، وتعد دول مثل إثيوبيا وكينيا والصومال والسودان مركزية في اقتصاد الإبل ورعايتها، وفي كينيا وحدها، يوجد نحو 4.6 ملايين جمل، أي ما يعادل 13% من الإجمالي العالمي، لذلك فإن مرض الإبل أو موتها لا يعني خسارة حيوان فقط، بل ضربة لمصدر غذاء ودخل وثقافة كاملة.
المفارقة أن كثيراً من الرعاة اتجهوا إلى الإبل لأنها كانت الخيار الأكثر قدرة على النجاة، فالأبقار والماعز لا تحتمل الجفاف الطويل بالطريقة نفسها، بينما تستطيع الإبل البقاء أياماً مع ماء قليل، وتواصل إنتاج اللبن في ظروف قاسية، لكن ما يحدث الآن يقول إن حتى استراتيجية التكيف هذه لها حدود، إذا صار الحر أطول، والماء أبعد، والنبات أقل، والظل نادراً، فإن «سفينة الصحراء» نفسها تبدأ في التعثر.
تقول «أوكسفام»، المنظمة الإنسانية الدولية المعنية بمكافحة الفقر والاستجابة للأزمات، إن فشل موسم الأمطار في الصومال وكينيا وإثيوبيا دفع قرابة 26 مليون شخص نحو الجوع الشديد، وترك أكثر من 58 مليون شخص من دون وصول إلى مياه شرب نظيفة.
وحين لا يجد الإنسان الماء، لا يجده القطيع أيضاً، تموت المراعي أولاً، ثم تضعف الحيوانات، ثم تأتي الأمراض.
وفي مقاطعة مارسابيت الكينية، قال مسؤول بيطري لـ«بي بي سي» إن وفيات الإبل المرتبطة بالحرارة زادت بأكثر من 15% خلال العامين الماضيين.
وفي الصومال، أشارت دراسات حديثة إلى أن الوفيات المرتبطة بالجفاف طالت قرابة نصف الأسر المالكة للإبل، مع تسجيل خسائر عالية جداً في بعض المناطق الشمالية.
الإبل تستطيع تنظيم حرارة أجسامها وتحمّل العطش أكثر من حيوانات كثيرة، لكنها ليست آلة، مع التعرض الطويل لحرارة قاسية، يقل تناولها للطعام، وتضعف مناعتها، وينخفض إنتاج اللبن، وتتأثر الخصوبة، وتزداد قابلية الإصابة بالأمراض.
موت الإبل في الصحراء ليس موت حيوان فقط، إنه تراجع لصورة كاملة من صور العيش في الصحراء، فماذا يعني أن يضطر الرعاة إلى ترك مناطقهم لأن القطيع لم يعد قادراً على العيش فيها؟ ماذا يعني أن الحيوان الذي بنى الناس حوله أمثالهم وأغانيهم وأسواقهم يصبح هو نفسه علامة على أن الصحراء تغيرت؟ حين تتعب «سفينة الصحراء»، فهذا يعني أن البحر الرملي الذي عرفت كيف تبحر فيه لم يعد البحر نفسه.
أخبار متعلقة :