ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 10 أغسطس 2026 05:06 مساءً - حين أراد جاكوب هيلبرغ، المسؤول البارز في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن الدبلوماسية الاقتصادية، أن يشرح أمام أعضاء في الكونغرس أهمية الاستثمارات الإماراتية في قطاع التكنولوجيا الأمريكي، اختار مثالاً لافتاً لشركة كانت تعاني خسائر كبيرة قبل سنوات قليلة، ثم أصبحت اليوم واحدة من أبرز الرهانات الأمريكية في سباق الذكاء الاصطناعي.
قال هيلبرغ: «استثمر الإماراتيون في GlobalFoundries، وأعادوا Cerebras تقريباً من الموت، واليوم أصبحت سيريبراس إحدى جواهر التكنولوجيا الأمريكية».
الأرقام التي كشفتها شركة «سيريبراس» نفسها في إفصاحاتها إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية تشرح ما قصده المسؤول الأمريكي. فمن شركة سجلت خسائر صافية بلغت 177.7 مليون دولار في 2022، وخفضت عدد موظفيها، تحولت خلال سنوات قليلة إلى شركة حققت إيرادات بقيمة 510 ملايين دولار في 2025، قبل أن تطرح أسهمها للاكتتاب العام في الولايات المتحدة في مايو 2026.
ولعبت مجموعة «G42» الإماراتية دوراً فريداً يتجاوز المستثمر التقليدي. فقد أصبحت عميلاً رئيسياً للشركة، ثم مشترياً طويل الأجل لأنظمتها، وممولاً مسبقاً لعمليات التصنيع، وصولاً إلى الاتفاق على الاستثمار المباشر في أسهمها.
وتعد هذه القصة المستمرة مثالاً على الاستثمار الأكثر جرأة. فالاستثمار الإماراتي لم يبحث عن شركة ناجحة بعد اكتمال صعودها، وإنما دخل في مرحلة كانت فيها التكنولوجيا متقدمة بينما النموذج التجاري ما زال يحتاج إلى رأس المال والطلب والسوق. ومن خلال الجمع بين هذه العناصر، تحولت العلاقة مع «G42» إلى أحد العوامل التي ساعدت الشركة على عبور تلك المرحلة والوصول إلى موقع مختلف تماماً في سباق الذكاء الاصطناعي الأمريكي إلى درجة وصفها مستشار ترامب بإنها إحدى جواهر التكنولوجيا الأمريكية.
تأسست «سيريبراس» في كاليفورنيا عام 2015، واختارت الدخول إلى واحدة من أكثر ساحات التكنولوجيا صعوبة وكلفة: صناعة أنظمة الحوسبة المخصصة للذكاء الاصطناعي.
وتقوم فكرتها التقنية على تطوير معالجات ضخمة تجمع - على رقاقة واحدة - قدرات حوسبة كانت تتطلب عادة ربط أعداد كبيرة من وحدات المعالجة. وتقدم الشركة هذه التقنية بديلاً متخصصاً لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها، في سوق أصبحت «إنفيديا» القوة المهيمنة فيه عالمياً. وتصف «سيريبراس» معالجها بأنه أكبر بكثير من وحدات معالجة الرسوم التقليدية المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
لكن امتلاك تكنولوجيا متقدمة لا يحل واحدة من أعقد مشكلات شركات الرقائق، وهي الكلفة الهائلة لتحويل الابتكار إلى منتج تجاري واسع النطاق.
في 2022، بلغت إيرادات «سيريبراس» 24.6 مليون دولار فقط، مقابل خسارة صافية قدرها 177.7 مليون دولار. كما استهلكت عمليات الشركة 164.4 مليون دولار نقداً خلال العام نفسه، فيما نفذت تخفيضات في قوتها العاملة خلال الربع الثالث من 2022 والربع الأول من 2023.
فقد بلغ الإنفاق على البحث والتطوير وحده 155.4 مليون دولار في 2022، أي أكثر من 6 أضعاف إيرادات الشركة في العام نفسه.
كانت الشركة الإماراتية «G42» مطلعة على أداء «سيريبراس» السلبي، وتدرك في الوقت نفسه الفرصة الكامنة فيها لو تم تعديل مسار الخسائر.
بدأ التعاون بين «G42» و«سيريبراس» عبر مذكرة تفاهم في 2021 لتطوير قدرات حوسبة متقدمة للذكاء الاصطناعي. لكن التحول المالي الكبير ظهر في 2023 مع انتقال العلاقة إلى بناء وتشغيل بنية حوسبة فعلية على نطاق واسع، لكن الشركة الإماراتية لم تتحرك سوى في العام التالي بعد دراسة متأنية وانخراط تدريجي في أعمال الشركة الأمريكية. وفي 2022، لم تسجل «سيريبراس» أي إيرادات من «G42». وبعد عام واحد، في 2023، بلغت إيراداتها من المجموعة الإماراتية 65.1 مليون دولار، أي 83% من إجمالي إيرادات الشركة.
في المحصلة، قفزت إيرادات «سيريبراس» الإجمالية في عام 2023 من 24.6 مليون دولار إلى 78.7 مليون دولار، بنمو بلغ 220%. وكان معظم هذا التحول مرتبطاً بالشركة الإماراتية التي أصبحت المصدر الأكبر لإيرادات الشركة الأمريكية. لذلك، قصة تعافي «سيريبراس» لها بطل واحد وهو «G42». في البداية دخلت الشركة الإماراتية في مسار الإنقاذ كمستهلك للإنتاج،لكن سرعان ما تجاوزت العلاقة شراء أنظمة الحوسبة
في يوليو 2023، دخلت الشركاتن في أول تعاون إنتاجي مشترك، حيث كشفتا عن أول حاسوب عملاق ضمن مشروع «Condor Galaxy»، وهو شبكة مخطط لها من 9 حواسيب عملاقة للذكاء الاصطناعي. وحمل النظام الأول اسم «CG-1»، وأقيم في سانتا كلارا بولاية كاليفورنيا، بقدرة حوسبة عملاقة. وكان المشروع بداية انتقال العلاقة من صفقة بيع بين مورد وعميل إلى شراكة لبناء بنية تحتية ضخمة للذكاء الاصطناعي.
وقدمت تلك البنية استخدامات فعلية أيضاً. فمن بين النماذج التي جرى تدريبها عليها نموذج «جيس» للغة العربية، الذي طورته «Inception» التابعة لـ«G42» بالتعاون مع جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي و«سيريبراس».
وبالنسبة إلى الشركة الأمريكية، كان ذلك يعني شيئاً أساسياً: وجود عميل قادر على شراء أعداد كبيرة من أنظمتها واستخدامها فعلياً، ومنح التكنولوجيا التي طورتها سوقاً تجارية على نطاق لم تكن تملكه سابقاً.
ثم جاءت 2024، وارتفعت العلاقة إلى مستوى مالي أكبر بكثير. ففي أبريل، أبرمت الشركتان اتفاقاً لإصدار طلبيات على منتجات وخدمات الحوسبة عالية الأداء بقيمة لا تقل عن 300 مليون دولار. وبعد شهر واحد، حولت المجموعة الإماراتية 300 مليون دولار كدفعة مسبقة إلى الشركة الأمريكية. وخصصت الأموال لتغطية المدفوعات لموردين خارجيين من أجل تصنيع البنية التحتية للحوسبة عالية الأداء، أي ان الشركة الإماراتية قدمت الأموال مسبقاً للمساعدة في تمويل عملية التصنيع نفسها.
ويظهر أثر ذلك مباشرة في الحسابات. ففي النصف الأول من 2024، سجلت «سيريبراس» تدفقات نقدية تشغيلية موجبة بقيمة 311 مليون دولار، وكان العامل الأكبر وراءها زيادة قدرها 300 مليون دولار في ودائع العملاء نتيجة الدفعة المقدمة من «G42»، وهذا ما قصده مستشار ترامب، هيلبرغ، لاحقاً بأن الإماراتيين أعادوا الشركة «تقريباً من الموت». فقد وفرت المبيعات، ثم وفرت السيولة اللازمة لبناء المنتجات التي ستولد مبيعات إضافية.
وفي مايو 2024، اتسعت الصفقة مجدداً. فقد وافقت «G42» على شراء، أو ترتيب شراء أطراف أخرى، أنظمة حوسبة عالية الأداء وخدمات تركيب بقيمة إجمالية تقارب 1.43 مليار دولار حتى نهاية 2025.
وفي يوليو من العام نفسه، تلقت «سيريبراس» طلب شراء من «G42» بقيمة 178.7 مليون دولار لأنظمة حوسبة عالية الأداء وخدمات تركيب ودعم. ثم وافقت جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في سبتمبر على شراء أنظمة بقيمة 350 مليون دولار ضمن الالتزام البالغ 1.43 مليار دولار. وبالتالي، كانت «G42» عميلاً يشتري التكنولوجيا، وممولاً يضع السيولة قبل التصنيع، وشريكاً يبني مع الشركة حواسيب عملاقة، كما وفرت عبر منظومتها طلباً مستقبلياً بمئات الملايين من الدولارات. ثم أضيف باب رابع: الاستثمار في الشركة نفسها.
بالتوازي مع عقود الشراء، وافقت «G42» على شراء نحو 22.9 مليون سهم بسعر 14.66 دولاراً للسهم، بما يوفر للشركة عائدات إجمالية متوقعة قدرها 335 مليون دولار.
من 24.6 مليوناً إلى 510 ملايين دولار
بعد ذلك بدأت أرقام الشركة تتحرك على نطاق مختلف تماماً. فمن إيرادات بلغت 24.6 مليون دولار في 2022، ارتفعت إلى 78.7 مليوناً في 2023، ثم وصلت إلى 510 ملايين دولار في 2025. وأعلنت الشركة أنها حققت صافي دخل قدره 237.8 مليون دولار في 2025، بعد خسائر كبيرة في السنوات السابقة.
وفي مايو 2026، وصلت «Cerebras» إلى محطة أخرى: طرحت أسهمها للاكتتاب العام وأدرجت في سوق «ناسداك»، وجمعت 6.4 مليارات دولار من الطرح، وفق بيانات الشركة.
كما توسعت قاعدة عملائها وشراكاتها. وفي الربع الأول من 2026 سجلت الشركة إيرادات قدرها 193.4 مليون دولار، بزيادة 94% على أساس سنوي، وأعلنت شراكات جديدة واسعة مع شركات أمريكية كبرى بينها «أمازون» و«OpenAI».
وبذلك، تغير أيضاً موقع الشركة في السوق. فالشركة التي كانت تعتمد في 2023 على «G42» في 83% من إيراداتها أصبحت تملك قاعدة أوسع من العملاء ومصادر الإيرادات، فيما ظل الاستثمار الإماراتي جزءاً أساسياً من المرحلة التي نقلتها من تطوير التكنولوجيا إلى توسيعها تجارياً.
أخبار متعلقة :