ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 08:21 صباحاً - يدخل سوق العمل الإماراتي مرحلة جديدة تعيد تقنيات الذكاء الاصطناعي رسم ملامحها، مع تزايد التداخل بين القدرات البشرية والإمكانات التي توفرها التكنولوجيا، وهو ما ينعكس على طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة ومستويات الأجور.
وتكشف دراسة «مقياس وظائف الذكاء الاصطناعي 2026 – تحليل الإمارات» الصادرة عن شركة PwC، عن تسارع لافت في الطلب على المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي؛ إذ ارتفعت حصة إعلانات الوظائف التي تتطلب هذه المهارات من 1% في عام 2021 إلى 3.2% في عام 2025، بإجمالي بلغ 12.2 ألف وظيفة.
وفي المقابل، تتطلب الوظائف الأكثر تعرضاً لتأثير الذكاء الاصطناعي في المتوسط 77 مهارة جديدة، مقارنة بـ22 مهارة فقط في الوظائف الأقل تعرضاً، بما يعكس تحولاً متسارعاً في خريطة الكفاءات التي يحتاج إليها سوق العمل الإماراتي.
ولا يقتصر هذا التحول على استحداث وظائف جديدة أو إحلال التكنولوجيا محل بعض المهام، بل يمتد إلى طبيعة العمل نفسها، وكيفية تقييم المهارات، ومستويات الأجور، فضلاً عن إعادة تعريف العلاقة بين الموظف والتكنولوجيا.
وتكشف التحولات المتسارعة في سوق العمل الإماراتي أن تأثير الذكاء الاصطناعي لا يتجه بالضرورة إلى معادلة بسيطة تقوم على «وظائف تختفي وأخرى تظهر»، بل نحو إعادة تعريف محتوى الوظيفة نفسها وقيمة المهارات المطلوبة لأدائها.
وبينما يتزايد الطلب على المتخصصين في الذكاء الاصطناعي والبيانات والأمن السيبراني والحوسبة السحابية، تتعاظم في المقابل قيمة المهارات البشرية، وفي مقدمتها التفكير النقدي والإبداع والتواصل وحل المشكلات واتخاذ القرار.
وفي هذه المعادلة، يبدو أن الميزة التنافسية المستقبلية لن تكون لمن يمتلك التكنولوجيا فقط، وإنما لمن يستطيع الجمع بين الذكاء الاصطناعي والخبرة البشرية والتعلم المستمر، وهو ما يضع تطوير المهارات وإعادة التأهيل في قلب المرحلة المقبلة من تحول سوق العمل الإماراتي.
شراكة لا إحلال
في خضم هذه التحولات، تبرز رؤى شركات التكنولوجيا بشأن مستقبل سوق العمل في الإمارات، ودور الذكاء الاصطناعي في رفع الإنتاجية وإعادة تشكيل الطلب على الكفاءات.
ويرى عمرو كامل، المدير العام لشركة مايكروسوفت الإمارات، أن النقاش الأكثر أهمية حول الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل لا ينبغي أن ينحصر في تحديد ما إذا كان الإنسان أم الآلة سينفذ مهمة بعينها، وإنما في كيفية تمكين الطرفين من العمل معاً لرفع كفاءة المؤسسات وخلق فرص اقتصادية أوسع.
ويقول كامل إن الذكاء الاصطناعي يستطيع مساعدة الموظفين في الوصول إلى المعلومات وتحليل المحتوى وأتمتة الخطوات المتكررة، إلى جانب دعم اتخاذ القرارات استناداً إلى سياق أوسع وأكثر شمولاً، الأمر الذي يمكن أن يسهم بصورة ملموسة في رفع مستويات الإنتاجية.
لكن تحقيق هذه المكاسب، بحسب كامل، لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، إذ تحتاج المؤسسات إلى توفير المهارات المناسبة، وإعادة تصميم سير العمل، ووضع أطر فعالة للحوكمة، فضلاً عن التزام القيادات، حتى يتحول تبني الذكاء الاصطناعي إلى نتائج ملموسة ذات أثر حقيقي.
ومن شأن هذا التحول أن ينعكس على كيفية تقييم الوظائف والمهارات، بما في ذلك مستويات الأجور، إذ سيكون الأشخاص القادرون على الجمع بين إمكانات الذكاء الاصطناعي والخبرة المتخصصة في قطاعاتهم في موقع أفضل بصورة متزايدة.
ومع تسارع تحول الإمارات نحو اقتصاد رقمي مدعوم بالذكاء الاصطناعي، تتجه بعض الوظائف والمهارات إلى تسجيل طلب متزايد، فيما تواجه مهن أخرى مزيداً من التحول بفعل الأتمتة والتقدم التكنولوجي.
ويقول كامل إن الإمارات استثمرت بصورة كبيرة في بناء الأسس اللازمة لاقتصاد مدعوم بالذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة تتمثل في ترجمة هذه القدرات إلى قيمة ملموسة على مستوى المؤسسات والقطاعات والقوى العاملة على نطاق أوسع.
ويتوقع تزايد الطلب على المتخصصين في الذكاء الاصطناعي والبيانات والأمن السيبراني والحوسبة السحابية والبنية التحتية الرقمية، لكنه يرى أن التحول الأكبر يتمثل في أن القدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي ستصبح ذات أهمية متزايدة في جميع المهن تقريباً.
وبالتالي، ستحتاج القوى العاملة في المستقبل إلى أفراد قادرين على الجمع بين التكنولوجيا والخبرة المتخصصة في قطاعاتهم، بدءاً من الخدمات المالية والرعاية الصحية، وصولاً إلى الطاقة والتعليم والعمل الحكومي.
وفي المقابل، ستكون الوظائف التي تعتمد بصورة أساسية على المهام المتكررة والقابلة للتنبؤ الأكثر عرضة للتحول، مع أتمتة المزيد من الأنشطة التي تتضمنها.
لكن التركيز على الوظائف التي قد تختفي، بحسب كامل، يغفل الصورة الأوسع للتحول؛ فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يمكّن الأفراد من قضاء وقت أقل في الأعمال المتكررة، وتخصيص وقت أكبر للتحليل وحل المشكلات والإبداع واتخاذ القرارات.
تمكين العنصر البشري
من جانبه، يؤكد الدكتور عادل الشرجي، الرئيس التنفيذي للعمليات في «بريسايت»، أهمية تعزيز القدرات البشرية من خلال الذكاء الاصطناعي، بدلاً من التعامل مع الأتمتة باعتبارها بديلاً عن الإنسان.
ويقول الشرجي إن القيمة الأكبر للذكاء الاصطناعي تكمن في تمكين العنصر البشري من العمل بذكاء وسرعة وفعالية أكبر، من خلال تزويد الموظفين برؤى أعمق، وإتاحة وصول أكبر إلى المعلومات، وتوفير إمكانات متقدمة لدعم اتخاذ القرار.
ويمكن لهذه القدرات أن تساعد الموظفين على اتخاذ قرارات أكثر دقة، والتركيز على المهام التي تحقق فيها الخبرات البشرية والقدرة على الحكم واتخاذ القرار والإبداع قيمة أكبر.
ويشير الشرجي إلى أن قيمة المهارات المطلوبة تشهد بدورها تحولاً ملحوظاً؛ فالطلب لا يتزايد فقط على القدرات التقنية، مثل الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات وهندسة البرمجيات، وإنما يمتد إلى الكفاءات القادرة على توظيف هذه التقنيات بصورة فعالة داخل القطاعات التي تعمل فيها.
ومع توسع دمج الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، سيتجه أصحاب العمل بصورة متزايدة إلى البحث عن أفراد يجمعون بين الكفاءة الرقمية والخبرة المتخصصة في مجالات عملهم، إلى جانب التفكير النقدي والإبداع والقدرة على اتخاذ القرارات.
ومن هنا، يبرز تحدٍ رئيسي أمام الاقتصادات والشركات والمؤسسات التعليمية، يتمثل في توفير فرص التدريب وإعادة التأهيل التي تمكّن الأفراد من النجاح في مجتمع يعتمد بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي.
ولا يرى الشرجي أن الفرص المستقبلية ستتركز في وظائف الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة وحدها، رغم تزايد أهميتها، إذ يتنامى أيضاً الطلب على الخبرات في علوم البيانات والأمن السيبراني والحوسبة السحابية والبنية التحتية الرقمية.
لكن الأهمية الأكبر، بحسب رأيه، ستكون للكفاءات القادرة على الجمع بين هذه القدرات والمعرفة المتخصصة بقطاعات مثل الطاقة والخدمات المالية والرعاية الصحية والحكومة.
ويمتد تأثير التحول إلى ما هو أبعد من الوظائف التقنية؛ فالإلمام بالذكاء الاصطناعي أصبح بصورة متزايدة إحدى الكفاءات الأساسية في بيئة العمل، على غرار ما أصبحت عليه المهارات الرقمية خلال العقود السابقة.
ومن المتوقع كذلك أن تكتسب مهارات مثل هندسة الأوامر، والتفكير التحليلي، وحل المشكلات، والإبداع، والتواصل، والقدرة على العمل بفاعلية مع أنظمة الذكاء الاصطناعي أهمية متزايدة.
وبالنسبة إلى الإمارات، تكمن الفرصة في إدارة هذا التحول بصورة استباقية من خلال الارتقاء المستمر بالمهارات وإعادة التأهيل، بما يضمن أن تسهم التكنولوجيا في تعزيز القدرات البشرية، بدلاً من أن تتحول إلى مجرد بديل عنها.
معادلة الأجور
ويتفق بيتر أوغانيسيان، المدير العام لمنطقة الشرق الأوسط وشرق أفريقيا في شركة HP Inc، مع الاتجاه نحو ارتفاع الطلب على الأشخاص القادرين على دمج الذكاء الاصطناعي مع خبراتهم الحالية.
ويقول إن سوق العمل سيحتاج بصورة متزايدة إلى أفراد يعرفون كيفية طرح الأسئلة المناسبة، ويدركون متى يمكن الوثوق بالمخرجات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، ومتى يتعين مراجعتها والتحقق منها وتقييمها بصورة نقدية.
ويرى أوغانيسيان أن هذا التحول سينعكس بمرور الوقت على مستويات الأجور، لا سيما مع تزايد الطلب على الكفاءات القادرة على استخدام الذكاء الاصطناعي بفعالية.
لكن إتاحة أدوات الذكاء الاصطناعي للموظفين، بحسب رأيه، لا تمثل سوى جزء من المعادلة؛ فإذا لم يمتلك الأفراد المعرفة والثقة اللازمتين لاستخدام هذه الأدوات، ستظل مكاسب الإنتاجية محدودة.
لذلك، ينبغي على أصحاب العمل الاستثمار في التكنولوجيا بالتوازي مع توفير فرص التعلم للموظفين، بما يسمح لهم بتطوير مهاراتهم بالتزامن مع تغير طبيعة وظائفهم.
صلاحية المهارات
أكد بيتر أوغانيسيان، المدير العام لمنطقة الشرق الأوسط وشرق أفريقيا في شركة HP Inc، أن الإمارات اتبعت نهجاً مدروساً في الاستعداد لاقتصاد قائم على الذكاء الاصطناعي، وكان تطوير المهارات والمواهب جزءاً أساسياً من هذه الطموحات منذ البداية.
ويرى أن أحد التغيرات التي ستظهر سريعاً يتمثل في تقلص الفترة التي تظل خلالها المهارات مواكبة لمتطلبات سوق العمل.
فالمعارف والمهارات التي يكتسبها الفرد في بداية مسيرته المهنية قد تحتاج إلى التحديث عدة مرات، بالتوازي مع استمرار التكنولوجيا في تغيير أساليب أداء العمل.
ومن ثم، لا يقتصر التحول الحقيقي على تحديد الوظائف التي ستنمو أو تتغير، بل يمتد إلى جعل التعلم المستمر جزءاً طبيعياً من الحياة المهنية.
ولا يتوقف الأمر عند الموظفين، بل يمتد إلى أصحاب العمل أيضاً، إذ لم يعد توظيف الأفراد بناءً على ما يمتلكونه من معارف ومهارات في الوقت الراهن كافياً.
ويخلص أوغانيسيان إلى أن الشركات ستحتاج بصورة متزايدة إلى تقييم سرعة الأفراد في التعلم والتكيف وقدرتهم على مواصلة تطوير مهاراتهم، باعتبارها عوامل لا تقل أهمية عن المهارات التي يمتلكونها عند لحظة التوظيف.
أخبار متعلقة :