هل تشعل أزمة المستوطنات حرباً تجارية بين لندن وفلوريدا؟

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الجمعة 11 سبتمبر 2026 08:51 مساءً - تتصاعد حدة المواجهة السياسية والاقتصادية عبر الأطلسي، عقب إعلان العاصمة البريطانية لندن فرض حظر تجاري وعقوبات على استيراد بضائع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، بالتنسيق مع 11 دولة غربية أخرى. وردّاً على هذا القرار، لوّح سيناتور أمريكي عن ولاية فلوريدا بتفعيل تشريعات مكافحة المقاطعة ضد الشركات البريطانية الممتثلة للسياسة الجديدة. وتثير هذه التهديدات قلقاً واسعاً بشأن مصير الشراكة الاقتصادية بين الجانبين، والتي تجسدها تبادلات تجارية تصل إلى 4.1 مليارات دولار، وتوفر نحو 88 ألف فرصة عمل داخل الولاية.

Advertisements

ويستند السيناتور عن ولاية فلوريدا، راندي فاين، الذي لوّح بتفعيل «قانون مكافحة المقاطعة» الخاص بالولاية ضد الشركات البريطانية إلى تشريع سنّته فلوريدا، يعود في أصوله إلى عام 2016 قبل أن يتطور في تعديلات عام 2018، ينص بالأساس على منع حكومة الولاية وهيئاتها من الاستثمار أو التعاقد مع أي كيانات تجارية تُشارك في حملات مقاطعة إسرائيل أو سحب الاستثمارات منها (BDS). وتأتي هذه التهديدات في وقت يتساءل فيه المراقبون عن المدى الفعلي لتأثير هذا القانون الإقليمي على التجارة الدولية في ظل أزمات جيوسياسية متلاحقة تعصف بأسواق الطاقة واقتصاد السلع.

إن النفوذ الاقتصادي لقانون فلوريدا يستمد قوته من حجم الشراكة التاريخية والتجارية الواسعة بين الولاية الأمريكية والمملكة المتحدة، حيث تُعتبر بريطانيا واحدة من أكبر المستثمرين الأجانب في فلوريدا، فضلاً عن كونها شريكاً تجارياً رئيسياً في قطاعات الخدمات المالية، والسياحة، والتقنية، والاستثمارات العقارية، لكن القدرة الفعلية للولايات المتحدة أو ولاية بمفردها كفلوريدا على تطبيق مثل هذه العقوبات التجارية على شركات بريطانية تواجه اليوم تعقيدات جيوسياسية واقتصادية بالغة الحساسية؛ إذ يمر الاقتصاد العالمي بحالة من الهشاشة الناتجة عن التوترات المتصاعدة في المعابر المائية الاستراتيجية كمضيق هرمز، إلى جانب التبعات الثقيلة الناتجة عن التعريفات الجمركية الحادة التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب على الحلفاء الغربيين، وبما يشمل بريطانيا نفسها.

وتجعل هذه العوامل تطبيق عقوبات إضافية على الشركات البريطانية أمراً معقداً قانونياً وسياسياً، خصوصاً أن الحكومة البريطانية تشدد على أن القيود تستهدف حظر سلع المستوطنات المقامة على أراضٍ محتلة ورفض سلوكيات محددة تؤثر على حل الدولتين، وليس مقاطعة الكيان الإسرائيلي ككل، ما ينشئ ثغرة قانونية حول التعريف الدقيق لـ«المقاطعة» بموجب تشريعات الولايات الأمريكية.

علماً بأن الشركات البريطانية توفر أكثر من 88000 فرصة عمل في فلوريدا، ما يجعل المملكة المتحدة المستثمر الأجنبي الأبرز في الولاية. ويتبادل الجانبان سلعاً وخدمات عالية القيمة؛ إذ تصدّر فلوريدا منتجات قطاعات الطيران والفضاء والأدوية، بينما تصدّر بريطانيا محركات الطائرات، والسيارات، واليخوت، والمشروبات الكحولية.

بلغ حجم تجارة البضائع الثنائية نحو 4.1 مليارات دولار، ووقّع الجانبان في نوفمبر 2023 مذكرة تفاهم للتجارة والتعاون الاقتصادي لتعزيز الشراكة بين الشركات والجامعات وتنمية قطاعات الأعمال عبر الأطلسي.

وعلى صعيد الأصداء الإعلامية، أبرزت وسائل الإعلام البريطانية الحديث عن الإجراءات المرتقبة والردود الأمريكية، فقد ذكرت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية أن تهديدات الولايات الأمريكية بتفعيل قوانين المقاطعة قد تضع الشركات البريطانية الكبرى التي تمتلك عقوداً حكومية في الولايات المتحدة أمام معضلة الامتثال بين القوانين الوطنية لبلادها والتداعيات المالية والتجارية في السوق الأمريكي.

ومن جانبها، سلّطت شبكة هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» الضوء على التصريحات الأمريكية الصادرة عن السفير الأمريكي لدى إسرائيل، والتي ألمح فيها إلى أن الإجراءات البريطانية ستواجه بعواقب تجارية صارمة داخل بعض الولايات الأمريكية.

وفي مقابل ذلك، نقلاً عن مصادر مطلعة، أفادت وكالة «بلومبرغ» الأمريكية بأن لندن بعثت رسائل تطمينية سرية إلى واشنطن تؤكد فيها أن العقوبات المفروضة ستكون «رمزية إلى حد كبير»، ولن تضر بالعلاقات الاقتصادية والأمنية الاستراتيجية الأوسع بين البلدين، نظراً لأن حجم التبادل التجاري المباشر مع المستوطنات لا يتجاوز عشرات الملايين من الجنيهات الاسترلينية.

في المقابل، شهد الإعلام الأمريكي تبايناً واضحاً في تعاطيه مع الأزمة، حيث ركزت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية على حالة الانقسام الداخلي حول القانون الذي تستند إليه فلوريدا، مشيرة إلى أن استخدامه لأغراض التضييق على السياسات السياسية لدول حليفة قد يواجه تحديات دستورية وقانونية متعلقة بحرية التجارة والسياسة الخارجية الشاملة للولايات المتحدة التي ترسمها الإدارة الفيدرالية وليس الولاية.

وعلى النمط ذاته، نقلت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الذي أكد فيها أن واشنطن لن تنضم إلى الحظر البريطاني، وتعارض السلوكيات التي تزعزع الاستقرار، لكنها في الوقت نفسه تحرص على عدم الانزلاق نحو مواجهة تجارية مفتوحة تصعّد التوتر بين الحلفاء التقليديين في هذا التوقيت الحرج.

أما وسائل الإعلام الإسرائيلية، فقد شنت هجوماً واسعاً على القرار البريطاني متجاهلة التمييز البريطاني بين المستوطنات وإسرائيل. وأبرزت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية الرد الصارم الذي أعلنته الخارجية الإسرائيلية بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس، ومنع برلمانيين بريطانيين من الدخول.

كما نقلت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» الإسرائيلية تصريحات الوزراء الإسرائيليين الذين وصفوا القرار البريطاني بـ«التدخل السافر» والدعم المعنوي للجهات المعادية.

وأشارت «القناة الثانية عشرة» الإسرائيلية إلى تصريحات زعيم المعارضة يائير لبيد، الذي انتقد الحكومة الإسرائيلية، واعتبر أن سياساتها قادت البلاد إلى عزلة دبلوماسية غير مسبوقة، وأدت إلى اندلاع هذه الأزمات المتلاحقة مع القوى الغربية المحورية.

توضح هذه المواجهة أن قانون فلوريدا، وعلى الرغم من توظيفه السياسي الفعال كأداة ضغط في سنوات سابقة كما حدث مع شركات مثل «إير بي إن بي»، بات يصطدم اليوم ببيئة دولية أشد تعقيداً، تتداخل فيها الحسابات الاستراتيجية الكبرى وسلاسل الإمداد مع الضغوط الاقتصادية الناجمة عن التعريفات الجمركية وتوتر الممرات البحرية العالمية، ما يجعل حسم هذه المعركة التجارية والدبلوماسية رهيناً بمدى قدرة الأطراف على التمييز بين الخلافات السياسية حول المستوطنات وعلاقات الشراكة الاقتصادية التاريخية بين لندن وواشنطن.

أخبار متعلقة :