ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 21 سبتمبر 2026 06:21 صباحاً - لم يعد السؤال حول الذكاء الاصطناعي يقتصر على ما يستطيع فعله، بل أصبح يتمحور حول ما إذا كانت البشرية قادرة على مواكبة ما يتعلمه ويفعله.
فبينما تتسارع قدرات النماذج وتنتقل من الإجابة والتحليل إلى تنفيذ المهام والتفاعل مع الأنظمة والبيانات، تتسع في المقابل قائمة المخاطر والحوادث التي تكشف أن أدوات السلامة والحوكمة لا تتقدم دائماً بالسرعة نفسها.
ويكشف «مؤشر الذكاء الاصطناعي 2026» عن فجوة متنامية بين التطور التقني والقدرة على قياسه وإدارته، فيما سجل مرصد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 435 حادثة ومخاطرة خلال شهر واحد في يناير الماضي، وهو أعلى مستوى شهري في بياناته.
مع انتقال هذه التقنية سريعاً من أدوات مساعدة إلى أنظمة أكثر استقلالية وقدرة على تنفيذ المهام، يتصاعد سؤال جوهري آخر: هل تتطور منظومات السلامة والرقابة بالسرعة نفسها التي تتطور بها قدرات الذكاء الاصطناعي؟.
وفي قلب هذا الجدل، ينقسم كبار صناع التكنولوجيا بين من يدعو إلى إبطاء تطوير أقوى النماذج حتى تلحق بها أدوات السلامة والسيطرة، ومن يرى أن التباطؤ قد يكون أكثر خطورة في سباق عالمي لا ينتظر أحداً.
ولم تعد المنافسة محصورة بين الشركات، بل امتدت إلى الدول، وفي مقدمها الولايات المتحدة والصين، اللتان تستعدان لجولة جديدة من الحوار، وسط تساؤلات حول إمكانية الاتفاق على قواعد للسلامة، في وقت يتنافس فيه الطرفان على الريادة التكنولوجية.
أشعل داريو أمودي الرئيس التنفيذي لـ «أنثروبيك»، الجدل بدعوته شركات الذكاء الاصطناعي إلى إبطاء تطوير قدرات النماذج المتقدمة، بما يتيح لإجراءات السلامة والرقابة مواكبة هذا التطور، مقترحاً الاستعانة بجهات مستقلة لتقييم النماذج، وتعزيز التنسيق بين الشركات، والتعاون الدولي لمواجهة المخاطر.
وحظيت الدعوة بتأييد سام ألتمان الرئيس التنفيذي لـ «أوبن إيه آي»، وإيلون ماسك، مؤسس «إكس»، اللذين أيدا علناً إبطاء تطوير الأنظمة الأكثر تقدماً، في ظل تصاعد المخاوف من قدراتها.
في المقابل، تدفع قيادات أخرى باتجاه استمرار التطوير السريع، من بينها جنسن هوانغ الرئيس التنفيذي لـ «إنفيديا»، ومارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ «ميتا».
ويكشف هذا الانقسام عن معضلة أساسية تواجه القطاع: هل تصبح سرعة التطوير نفسها مصدراً للخطر، أم أن التباطؤ قد يمنح المنافسين فرصة للتقدم في سباق عالمي متسارع؟.
حدود الاختبار
هذه المخاوف لم تأتِ من فراغ. ففي يوليو الماضي، كشفت «أوبن إيه آي» عن واقعة خلال اختبارات داخلية للأمن السيبراني، تمكنت خلالها نماذج من تجاوز ضوابط صُممت لعزلها عن الإنترنت، واستغلال ثغرات، والوصول إلى أجزاء من البنية التحتية البحثية للشركة وأنظمة منصة «هاجينغ فيس».
وأوضحت الشركة أن النماذج تواصلت عبر قنوات غير مصرح بها، واستغلت ثغرات في بنية مشتركة، ووصلت إلى الإنترنت وأنظمة تابعة لطرف ثالث. وأشارت إلى أن الدور الرئيس في الواقعة، كان لنموذج بحثي داخلي عالي القدرة، وغير مخصص للإطلاق العام.
وفي الشهر نفسه، أعلنت «أنثروبيك» اكتشاف 3 حوادث، تمكنت فيها نماذج «كلود»، خلال تقييمات للأمن السيبراني، من الوصول إلى الإنترنت، ثم الحصول على وصول غير مصرح به إلى أنظمة حقيقية لثلاث مؤسسات مختلفة.
وقبل أيام، وفي سبتمبر الجاري، أعلنت الشركة اكتشاف حادثة رابعة، تعود إلى يناير الماضي، بعد توسيع نطاق التحقيقات.
ولا تعني هذه الوقائع أن الذكاء الاصطناعي خرج عن السيطرة في الاستخدام اليومي؛ فقد وقعت في سياق اختبارات أمنية، وبعضها شغّل النماذج عمداً بضوابط حماية مخففة، لاختبار أقصى قدراتها.
لكنها كشفت في المقابل عن تحديات جديدة أمام تصميم بيئات الاختبار، ووسائل احتواء النماذج الأكثر تقدماً.
تأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه مؤشرات المخاطر المرتبطة بالتقنية. ووفقاً لـ «مؤشر الذكاء الاصطناعي 2026»، الصادر عن جامعة ستانفورد، سجل مرصد حوادث ومخاطر الذكاء الاصطناعي التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 435 حادثة ومخاطرة خلال يناير الماضي، وهو أعلى مستوى شهري، بينما بلغ المتوسط المتحرك لستة أشهر 326 حالة شهرياً.
لكن الدعوات إلى إبطاء التطوير تصطدم بحجم الرهان الاقتصادي على الذكاء الاصطناعي. فوفقاً لـ «مؤشر الذكاء الاصطناعي 2026»، بلغت الاستثمارات الخاصة في الذكاء الاصطناعي بالولايات المتحدة 285.9 مليار دولار خلال 2025، مقابل 12.4 مليار دولار في الصين، أي أن الاستثمار الأمريكي تجاوز نظيره الصيني بأكثر من 23 ضعفاً.
ورغم الفجوة المالية الكبيرة، تقلص الفارق في أداء أفضل النماذج الأمريكية والصينية إلى نحو 2.7 % في مارس من هذا العام، بما يعكس تقارباً تكنولوجياً أكبر مما توحي به أرقام الاستثمار.
وفي الوقت نفسه، تتقدم الصين عالمياً في منشورات أبحاث الذكاء الاصطناعي وبراءات الاختراع وتركيب الروبوتات.
مخاطر محتملة
وهنا تظهر معضلة أخرى أمام الدعوات إلى إبطاء التطوير؛ فالولايات المتحدة لا تخشى فقط المخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي، وإنما تخشى أيضاً أن يؤدي أي تباطؤ في تطوير نماذجها، إلى منح الصين فرصة لتقليص الفجوة التكنولوجية.
وفي المقابل، يرى خبراء صينيون أن ربط سلامة الذكاء الاصطناعي بالتفوق التكنولوجي والأمن القومي الأمريكي، يقلص فرص التعاون بين البلدين، خصوصاً مع استمرار الخلافات حول الرقائق المتقدمة، واتهامات واشنطن بعض الشركات الصينية باستخدام «التقطير» للاستفادة من مخرجات النماذج الأمريكية.
في ظل هذا الانقسام، استطلعت «حال الخليج» آراء عدد من شركات التكنولوجيا حول المخاطر الفعلية التي يفرضها التسارع الكبير في قدرات الذكاء الاصطناعي، ومدى قدرة إجراءات السلامة والتشريعات الحالية على مواكبته.
قالت ريما سمعان مديرة الذكاء الاصطناعي وحلول المؤسسات في «مايكروسوفت» الإمارات: إن تطبيق الذكاء الاصطناعي يتطلب ضمانات واضحة وأطر حوكمة فعالة، لكن المسؤولية والابتكار لا ينبغي النظر إليهما باعتبارهما هدفين متعارضين.
وأضافت أن الأولوية تتمثل في ضمان استمرار تطور الذكاء الاصطناعي تحت إشراف بشري، واختبارات صارمة وضوابط مناسبة، مع تمكين المؤسسات والاقتصادات في الوقت نفسه من الاستفادة من الابتكار، بما يضمن أن يمضي التطور على أسس آمنة وموثوقة، وأن تصل فوائده إلى أوسع نطاق ممكن.
وحول أسباب القلق من تطوير الذكاء الاصطناعي دون قيود، أوضحت سمعان أن جوهر التحدي يتمثل في ضرورة مواكبة الحوكمة والأمن والمساءلة للتطور المتسارع في قدرات التقنية.
ومع تزايد دمج الذكاء الاصطناعي في العمليات الحيوية، تحتاج المؤسسات إلى أطر واضحة، تحدد كيفية تطوير هذه الأنظمة ونشرها واستخدامها.
معادلة من طرفين
من جانبه، قال أشرف كحيل نائب الرئيس لتطوير الأعمال لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وأستراليا ونيوزيلندا في «جروب-آي بي»، إن الخيار لا ينحصر بين التنظيم والابتكار، بل إن العالم بحاجة إلى كليهما.
وأوضح أن النقاشات مع المؤسسات في المنطقة تظهر اهتماماً واضحاً بتبنّي الذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع الحاجة إلى تعزيز الثقة في مجالات الأمن والخصوصية والمساءلة.
وأضاف أن الحوكمة السليمة يمكن أن توفر هذه الثقة من دون إعاقة الابتكار، مشيراً إلى أن الهدف من منظور الأمن السيبراني، يتمثل في وضع الضوابط والحواجز الوقائية المناسبة، بما يتيح للمؤسسات الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، مع إدارة المخاطر الناشئة عن استخدامه.
وقال كنان أبو لطيف المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا لدى «بروف بوينت»، إن تشريعات الذكاء الاصطناعي يجب أن تضع ضوابط واضحة للاستخدامات عالية المخاطر، من دون إغلاق الباب أمام الابتكار. وأضاف أن اتساع صلاحيات وكلاء الذكاء الاصطناعي في الوصول إلى البيانات الحساسة.
وتنفيذ المهام داخل أنظمة الأعمال، يتطلب ارتقاء الحوكمة إلى مستوى هذه الصلاحيات، بدءاً من تحديد ما يسمح للوكيل بالوصول إليه، والإجراءات التي تستلزم موافقة بشرية، وآليات مراقبة نشاطه وتدقيقه.
وأكد أبو لطيف أن المؤسسات ماضية في تبنّي الذكاء الاصطناعي، وأن دور التشريع الجيد هو منحها ثقة أكبر للمضي قدماً بأمان.
لكنه استدرك بأن أثر أي تشريع سيبقى محدوداً إذا ركز على التقنية نفسها، وأغفل كيفية الوصول إليها وتوظيفها واستثمارها.
وأشار أبو لطيف إلى أن المتطلبات المبنية على المخاطر، مثل المساءلة وحماية البيانات وقابلية التدقيق، تحتفظ بجدواها مع تطور النماذج، بينما قد تتجاوز التطورات التقنية القيود شديدة التفصيل.
وتوقع أبو لطيف أن يرسم التنافس بين الولايات المتحدة والصين على النماذج والرقائق والبيانات، ووضع المعايير العالمية ملامح القطاع لسنوات مقبلة، لكنه أكد أن الأولوية الأقرب للمؤسسات في الإمارات، تبقى تأمين الأفراد ووكلاء الذكاء الاصطناعي والبيانات المتنقلة بينهم عبر البريد الإلكتروني والسحابة ومنصات التعاون، أياً كانت التقنية القائمة خلفها.
تنظيم مرن
ويرى براديب مينون الرئيس التنفيذي للذكاء الاصطناعي والأمن في «باراماونت»، أن العالم يحتاج بالفعل إلى تنظيم الذكاء الاصطناعي.
لكن بصورة لا تجمد الابتكار، ولا تحد من قدرته على التطور. وأوضح أن حوكمة الذكاء الاصطناعي ينبغي أن تستند إلى نهج قائم على المخاطر.
بحيث تخضع التطبيقات منخفضة المخاطر لمستوى مناسب من الرقابة، بينما تفرض ضوابط أكثر صرامة على الاستخدامات التي تمس السلامة والرعاية الصحية، والحقوق والبنية التحتية الحيوية أو الأمن الوطني.
وأضاف أن اتساع القيود التنظيمية بشكل مفرط، قد يدفع أنشطة الابتكار إلى دول تتمتع برؤوس أموال أكبر، وقدرات حوسبة أعلى، ومرونة تنظيمية أكبر، ما يجعل تحقيق التوازن بين الرقابة ودعم الابتكار أكثر أهمية.
وحول أسباب القلق من التطور غير المنضبط للذكاء الاصطناعي، قال مينون إن التحدي الأساسي يكمن في تطور القدرات بوتيرة أسرع من القدرة على وضع الأطر التنظيمية اللازمة وإدارة تداعياتها، بما في ذلك الهجمات السيبرانية والمعلومات المضللة، واتخاذ القرارات بشكل مستقل، وتزايد تركّز النفوذ.
ريما سمعان:
المسؤولية والابتكار ليسا هدفين متعارضين
أشرف كحيل:
الذكاء الاصطناعي يخفض الحواجز أمام مجرمي الإنترنت
كنان أبو لطيف:
استقلالية وكلاء الذكاء الاصطناعي ترفع مستوى المخاطر
براديب مينون:
قدرات الذكاء الاصطناعي تتطور أسرع من أطر تنظيمها
أخبار متعلقة :