الارشيف / حال قطر

قطر وألمانيا نموذج رائد للتعاون الثقافي القائم على الحوار الحضاري

قطر وألمانيا نموذج رائد للتعاون الثقافي القائم على الحوار الحضاري

الدوحة - سيف الحموري - شكلت العلاقات الثقافية بين دولة قطر وجمهورية ألمانيا الاتحادية نموذجا رائدا للتعاون في مجالات الثقافة المختلفة، والقائمة على الاحترام المتبادل، والإيمان بأهمية بناء حوار حضاري قائم على المعرفة.
وعلى مدار نحو نصف قرن من العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ترسخت علاقات متينة وشاملة في مختلف المجالات، وكان للمجال الثقافي نصيب بارز في هذا التعاون، حيث حرص البلدان على بناء جسور من التفاهم والتعاون الثقافي، أسهمت في تعزيز العلاقات الثنائية وتوطيدها بشكل مستمر، مما ساعد على إرساء أساس قوي للحوار الحضاري المثمر بين الشعبين.
وتعتبر الثقافة سفير دولة قطر الدائم في علاقاتها مع مختلف دول العالم إيمانا منها بأهمية الدبلوماسية الثقافية المحورية في بناء علاقات متينة بين الدول والشعوب على أساس احترام الثقافات المتنوعة، وإيمانا منها بتأثير الثقافة لتوحيد الشعوب وتشجيع الحوار البناء.
وتعد تجربة “الأعوام الثقافية”، التي أطلقتها متاحف قطر عام 2012، مثالا حيا على استراتيجية دولة قطر في بناء جسور المعرفة والمحبة وتعزيز الحوار والسلام عبر التعاون الثقافي المتبادل، وقد شهدت المبادرة تواصلا مع العديد من الدول، وصولا إلى عام 2017 الذي مثل محطة مهمة للتبادل الثقافي بين دولة قطر وجمهورية ألمانيا الاتحادية، وخلال هذا العام جسد البلدان نموذجا مميزا للتفاهم والتعاون الثقافي من خلال مجموعة من الفعاليات المشتركة، كان أبرزها الحفل الموسيقي الذي أقيم في دار الأوبرا بكتارا، حيث عزفت الأوركسترا موسيقى ألمانية وقطرية تحت قيادة المايسترو الألماني ديفيد نيمان، مما جسد الروابط العميقة بين البلدين عبر لغة الفن والموسيقى.
وقد تعاونت السفارة الألمانية ومعهد جوتة مع مؤسسة الدوحة للأفلام لاستضافة أسبوع الأفلام الألمانية في متحف الفن الإسلامي، كما استضافت وزارة الثقافة جناحا ألمانيا في معرض الدوحة الدولي للكتاب.
وأسفرت جهود التعاون المتواصل على مدار عام بين قطر وألمانيا عن فتح باب النقاشات المشوقة للعديد من الموضوعات، كما استضافت شركة سيمنز – قطر فعالية للنساء تدور حول موضوع “الثقافة والإبداع” في يوم المرأة العالمي.
وفي لقاء رائع بين الثقافة وكرة القدم، نظمت السفارة الألمانية ومعهد جوتة ومتاحف قطر مباراة ودية بين فريقي كرة القدم النسائية من البلدين.
ومن ضمن الأحداث البارزة الأخرى تنظيم معرض “التصميم الألماني عنوان الإبداع” في جاليري متاحف قطر، والرواق ومعرض “رؤى ألمانية – روائع معاصرة من مجموعة دويتشه بنك” في متحف مطافئ.
وقد مثل هذا العام الثقافي نقطة التقاء بين ثقافتين مميزتين، حيث اجتمعت قطر وألمانيا من خلال برنامج فعاليات منسق بعناية، يحتفي بأفضل ما في البلدين، ويدعم تراثا من الشراكة المستدامة، وليتم التأكيد على أن التعاون الثقافي الذي استكشف العديد من الاهتمامات المشتركة والتناقضات بين البلدين، وساعد في تقوية الروابط الحالية والمستقبلية بينهما.
ولم يقتصر الأمر على فعاليات العام الثقافي في كل من البلدين، بل حرصت وزارة الثقافة باستمرار على المشاركة في المحافل الثقافية الألمانية الكبرى، ومن أبرزها معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، سواء قبل العام الثقافي أو بعده، ليتأكد عمق العلاقات الثقافية بين البلدين في نموذج ملهم للتبادل الثقافي.
وساهم هذا التعاون الثقافي في تعزيز التقارب الحقيقي بين الثقافتين العربية والألمانية، والتي توجت بافتتاح دولة قطر البيت الثقافي العربي “الديوان” في برلين، ليكون مركزا لتعميق التواصل الحضاري والثقافي بين البلدين.
ويحظى البيت الثقافي الديوان بأهمية كبيرة كونه أول مركز ثقافي قطري خارج دولة قطر، وقد عبر افتتاحه عن فصل جديد مميز في العلاقات الثقافية القطرية الألمانية.
كما أعطت الزيارة التي قام بها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى في السادس من سبتمبر عام 2018 إلى البيت الثقافي العربي الديوان دفعة قوية للبيت الثقافي، خاصة أنه كان حينها لا يزال يقطع أولى خطواته، كما عبرت زيارة سموه عن مدى الأهمية التي توليها دولة قطر لتعزيز العلاقات الثقافية لما لمثل هذه العلاقات من آثار إيجابية على السلم العالمي، ليبدأ “الديوان” رحلة من بث روح الوعي بالثقافة العربية، وتدعيم أواصر الحوار الحضاري بين الثقافتين عبر الكثير من الأنشطة والفعاليات والمعارض الفنية والمسرح والسينما والموسيقى وإصدارات المطبوعات التي تحقق غايته في مد جسور التواصل بين الثقافتين العربية والألمانية.
ولعل من أهم الفعاليات الكبرى التي نظمها “الديوان” معرض الكتاب العربي في نسخته الثانية، الذي أقيم خلال الفترة من 30 أغسطس حتى الأول من سبتمبر الماضيين، وشارك فيه أكثر من 70 ناشرا من العالم العربي، ومن المراكز الفكرية والبحثية، وقدم المعرض منصة فريدة من نوعها لتعزيز مكانة الأدب العربي في ألمانيا، مصحوبا ببرنامج ثقافي متنوع قدم رؤى أعمق حول الأدب العربي وصناعة النشر الدولية.
ويعتبر البناء الذي يحتضن هذا المركز من أجمل المباني في حي “تسيهليندورف” الراقي في العاصمة برلين، وقد قامت سفارة دولة قطر بترميم وإعادة تأهيل هذا المبنى العريق بشكل يضمن حماية طابعه التاريخي، وحولته ليصبح بيتا ثقافيا عربيا يهدف للتقريب بين الثقافات، ومد جسور التواصل بينها، والتعريف بالثقافة العربية في مجال الفنون والموسيقى والآداب والسينما.
ويضم “الديوان” مكتبة ضخمة تحمل الثقافة العربية الغنية الجميلة، كما يستقبل الكثير من المسؤولين والمثقفين وممثلي الجامعات والمراكز الفكرية والبحثية في ألمانيا، المهتمين بالشأن الثقافي العربي وحوار الحضارات.
وبنيت العلاقات الثقافية بين دولة قطر وجمهورية ألمانيا الاتحادية على التنوع والتناغم وثراء الثقافة في كلا البلدين لذا تحتضن قطر عددا من المؤسسات الألمانية، من أبرزها المدرسة الدولية الألمانية التي أنشئت في أكتوبر 2008، كمدرسة ألمانية معترف بها في الخارج، وتعد جزءا من شبكة عالمية تضم 140 مدرسة ألمانية في الخارج، حسب إحصاء عام 2018.
ويعود اختيار جمهورية ألمانيا الاتحادية لإقامة البيت الثقافي العربي إلى تميز ألمانيا ثقافيا وليس صناعيا فقط، فلديها مشهد فكري وثقافي ممتد عبر التاريخ يتمتع بالحيوية والنشاط والتنوع والانفتاح العالمي، ولهذا عرفت بأنها بلد المفكرين والعلماء العظام، ومنهم مارتن لوثر رائد عصر الإصلاح في أوروبا، وجورج فيلهلم فريدريش هيغل، وفريدريش نيتشه، وآرثر شوبنهاور، وإيمانويل كانط وغيرهم الكثير من الذين لعبوا أدوارا رئيسية في تاريخ الفلسفة العالمية.
كما يميل الشعب الألماني إلى حب الفنون بأنواعها، حيث تزخر ألمانيا بمسارحها المتنوعة بأحجامها المختلفة وفنونها الغنية، سواء المسرح الكوميدي، أو المسرح السياسي، أو الاجتماعي، ويعود فن المسرح لقرون عدة ابتداء من العهد الباروكي مرورا بالعصور الوسطى، وصولا إلى عصرنا الحديث.
وتوصف ألمانيا بأنها “جنة أوروبا للمسرح”، ليس لتعدد دور المسارح وتنوعها فيها فحسب، وإنما أيضا لتاريخها العريق في الفن الرابع، كما تعد ألمانيا مهد كبار الفنانين والكتاب المسرحيين مثل يوهان فولفجانج غوته، وبرتهولت بريخت، ولا غرابة أن تضم البلاد حوالي 180 مسرحا عاما (حكوميا)، و190 مسرحا خاصا تجعل من ألمانيا تجمعا مهما للمسارح، إضافة إلى ما يزيد على 7200 متحف ودار عرض، تشكل مجتمعة مشهدا فريدا متنوعا من المتاحف.
كما تعد ألمانيا واحدة من الدول الرائدة في مجال النشر والقراءة، ويقام فيها أحد أكبر المعارض الدولية للكتب هو معرض فرانكفورت الدولي للكتاب.
ولعل عامل التنوع الذي يميز الشعب الألماني ساهم في بروز هذا البلد في مختلف المجالات ومنها الثقافة والفن والفكر، وتزخر سنويا بفعاليات ثقافية يمتد صداها إلى خارج القارة الأوروبية، ومن أبرزها مهرجان برلين السينمائي (برلينالة)، أحد أكبر المهرجانات السينمائية.
ويوجد في ألمانيا حوالي 50 موقعا ونصبا تذكاريا تحت حماية منظمة اليونسكو، كما أن منتدى هومبولت الذي نشأ ضمن إطار إعادة بناء قصر المدينة في برلين سوف يكون قريبا مركزا ثقافيا جديدا ومهما، وموقعا للتبادل العلمي على المستوى الدولي ومركزا للحوار بين الثقافات.

Advertisements