الدوحة - سيف الحموري - أكد سعادة الشيخ الدكتور ثاني بن علي آل ثاني، نائب رئيس مجلس إدارة مركز قطر الدولي للتوفيق والتحكيم بغرفة قطر، أن دولة قطر قوية ولا تواجه الأزمات من موقع الهشاشة أو المفاجأة الكاملة، موضحا أن الدوحة راكمت منذ عام 2017 خبرات مؤسسية واقتصادية مهمة في تنويع مصادر التوريد، وبناء البدائل اللوجستية، وتعزيز قدرات الموانئ، وتطوير منظومة المخزون الاستراتيجي.
جاء ذلك خلال الندوة التي نظمتها جامعة قطر أمس حول الأزمة الراهنة التي تمر بها المنطقة، تحت عنوان: "القانون في مواجهة الأزمة: التحديات القانونية – والمخاطر التعاقدية – وتعويض الأضرار"، وذلك بمشاركة عميد كلية القانون الدكتور محمد حسن الكعبي، والدكتور عبدالله الخالدي مدير مركز الدراسات القانونية والقضائية بوزارة العدل، وبحضور نخبة من القانونيين والخبراء بالدولة.
وقال الشيخ ثاني إن ميناء حمد، بوصفه البوابة البحرية الرئيسية للدولة، أسهم بشكل كبير في دعم هذه المرونة، مشيرا إلى أنه يتعامل مع أكثر من 95% من الواردات البحرية للدولة، ويرتبط بشبكة واسعة من الخطوط الملاحية الدولية، بما يعزز قدرة قطر على تقليل الاعتماد على الموانئ الوسيطة ودعم استقرار سلاسل الإمداد الوطنية.
وأضاف أن بيانات موانئ قطر أظهرت استمرار نمو حركة الحاويات والبضائع خلال فبراير 2026، وهو ما يعكس قدرة البنية التحتية الوطنية على الاستيعاب والتكيف رغم الاضطرابات الإقليمية، مؤكدًا أن دور القطاع الخاص لا يبدأ من الصفر، بل ينطلق من استثمار بنية وطنية قائمة وتحويلها إلى خطط تشغيلية وتعاقدية واضحة داخل الشركات.
وأشار إلى أن الدولة تبنت خلال الأزمة الدولية الراهنة مسارين متوازيين: الأول تشريعي وتنظيمي يتعلق بالمخزون الاستراتيجي، والثاني رقابي وتشغيلي يرتبط بمتابعة الأسواق والمخزون والأسعار.
وأوضح أنه على المستوى التشريعي، صدر القانون رقم (4) لسنة 2026 بتعديل بعض أحكام المرسوم بقانون رقم (24) لسنة 2019 بشأن تنظيم وإدارة المخزون الاستراتيجي للسلع الغذائية والاستهلاكية، حيث نص التعديل على عدم جواز التعامل في السلع الاستراتيجية إلا لمن كان مسجلًا في قائمة المزودين الرئيسيين أو قائمة التجار المسجلين، كما عزز اختصاص الإدارة المختصة في إعداد الدراسات وقواعد البيانات، ومراقبة كفاية المخزون، ومتابعة مخزون الأمان، إلى جانب إنشاء نظام ربط إلكتروني لمراقبة المخزون الاستراتيجي.
وتابع قائلا: والأهم من ذلك أن التعديل استحدث أو أكد فكرة عقد التخزين الإجباري مع المزود الرئيسي، بحيث يتضمن هذا العقد تحديد أصناف وكميات السلع الاستراتيجية، والمخازن المخصصة لها، وآليات التمويل، ونظام التأمين الإجباري، وإجراءات التصرف في السلع عند تحقق الظروف الطارئة أو الأزمات أو الكوارث. وهذا تطور تشريعي مهم؛ لأنه ينقل المخزون الاستراتيجي من مجرد احتياطي ساكن إلى منظومة قانونية قابلة للإدارة والمساءلة.
في السياق ذاته، أكد سعادته أن وزارة التجارة والصناعة أصدرت تعميمًا لأصحاب المصانع والمنشآت التجارية بشأن الربط الإلكتروني مع أنظمة الوزارة وتسجيل كميات مخزون السلع والمبيعات والخدمات، ويشمل ذلك الربط من خلال نظام تخطيط موارد المؤسسة ERP أو ما يعادله، مع تسجيل كميات المخزون بصورة مستمرة، وتوفير البيانات المطلوبة وتحديثها عند أي تغيير، واعتبار الامتناع عن الربط أو التلاعب بالسجلات أو تقديم بيانات غير صحيحة مخالفةً وفقًا لأحكام القانون رقم (12) لسنة 1972 بشأن التسعير الجبري وتحديد الأرباح وتعديلاته، ولا ينفصل ذلك عن تنبيه وزارة التجارة والصناعة للمنشآت التجارية بعدم تعديل أسعار السلع والخدمات دون موافقة مسبقة، تأكيدًا على أن معالجة ارتفاع الكلفة يجب أن تتم من خلال القنوات القانونية، لا من خلال الانفلات السعري أو تحميل المستهلك كامل أثر الأزمة دون ضوابط.
حول دور غرفة قطر، أوضح الشيخ ثاني أن دور الغرفة برز بوصفها ممثلًا للقطاع الخاص وجسرًا مؤسسيًا بين مجتمع الأعمال والجهات الحكومية، فقد ناقش مجلس إدارة غرفة قطر في 5 أبريل 2026 التحديات التي تواجه القطاع الخاص في ظل التطورات الإقليمية الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتوفير السلع واستمرارية تدفقها إلى السوق المحلي، ورصد التحديات التي تواجه الشركات، ونقلها إلى الجهات الحكومية المختصة، والتنسيق معها لإيجاد حلول عملية وفعالة، كما أكدت الغرفة أهمية تأمين سلاسل الإمداد، وتسهيل الإجراءات اللوجستية، وتسريع حركة البضائع، وتقليل التكاليف التشغيلية، ودعم المبادرات التي تعزز الأمن الغذائي واستقرار الأسواق المحلية. وأشارت كذلك إلى أهمية التعاون مع الهيئة العامة للجمارك، والتوسع في استخدام نظام الترانزيت في النقل البري الدولي TIR، بما ساهم في تسهيل الحركة التجارية عبر المنفذ البري مع المملكة العربية السعودية.
وأضاف أن هذا الدور لا يقل أهمية عن النصوص القانونية؛ لأن القانون في الأزمات يحتاج إلى قنوات تطبيق، والقطاع الخاص يحتاج إلى جهة ترصد، وتنقل، وتنسق، وتقترح. ومن هنا، فإن غرفة قطر تؤدي دورًا مهمًا في تحويل صوت القطاع الخاص من مطالب فردية متفرقة إلى رؤية مؤسسية قابلة للتعامل معها.
وفي ختام حديثه، قال سعادته إن الأزمة الراهنة تعلمنا أن قوة الاقتصاد لا تقاس فقط بوفرة الموارد، بل تقاس بمرونة المؤسسات، ووضوح التشريعات، وجودة العقود، وقدرة القطاع الخاص على التصرف بمسؤولية، والدولة قامت بدورها في تطوير التشريعات، ومراقبة المخزون، وتنظيم السوق، وتعزيز الرقابة، وفتح قنوات التنسيق. ويبقى على القطاع الخاص أن يترجم هذه الجهود إلى ممارسات عملية: في التوريد، والتخزين، والتعاقد، والتسعير، والتفاوض، والامتثال.
