الدوحة - سيف الحموري - يجب «أنسنة القانون والإجراءات» والإبقاء على «الفلتر الإنساني» في مخرجات التكنولوجيا
استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال القانوني سلاح ذو حدين
العدالة بمفهومها الشامل ليست حكراً على القانونيين
تطوير البوابة القانونية «الميزان» لتسهيل الوصول إلى المعلومة القانونية بسلاسة
أكد سعادة السيد إبراهيم بن علي المهندي وزير العدل ووزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء، أن المنظومة التشريعية في دولة قطر سوف تشهد نقلات نوعية خلال الفترة المقبلة، تتمثل في الانتقال من نهج «التشريع المبني على الحاجة» إلى «التشريع المبني على تقييم الأثر التشريعي»، مشددا في الوقت ذاته على أن العدالة بمفهومها الشامل ليست حكرا على القانونيين، بل هي قيمة مجتمعية وسلوك فردي يبدأ من الشخص نفسه.
وأوضح سعادته، خلال جلسة حوارية استضافتها كلية المجتمع في قطر، أمس الخميس ضمن «سلسلة حوارات الرئيس» تحت عنوان «العدالة ليست حكرا على القانونيين»، أن منهجية تقييم الأثر التشريعي ستقوم على مرحلتين رئيسيتين، وأكد أن تقييم الأثر المسبق وتقييم الأثر اللاحق، بهدف قياس مدى قيام التشريعات والقرارات الإدارية بتحقيق الغايات والأهداف التي صدرت من أجلها، واختيار الأدوات والوسائل الأنسب لتقديم الخدمات.
وفيما يتعلق بالتطور التقني والذكاء الاصطناعي، بين سعادة وزير العدل ووزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء، أن التحول الرقمي أمر حتمي ومطلوب للارتقاء بالخدمات، إلا أنه يظل «وسيلة وليس غاية»، مؤكدا ضرورة مراعاة «أنسنة القانون والإجراءات» والإبقاء على «الفلتر الإنساني» في مخرجات التكنولوجيا، مع ضمان توفير قنوات بديلة لمن يصعب عليهم الوصول للخدمات الإلكترونية.
وأوضح سعادة الوزير أن التطور التكنولوجي المتسارع يفرض التحول الرقمي والتوسع في التعاملات الإلكترونية، مشددا في الوقت ذاته على أن هذه التعاملات ينبغي أن تكون وسيلة لتقديم خدمات أفضل وأسهل وأسرع وأكثر شفافية، وليست غاية في حد ذاتها.
وأكد سعادته أن الإنسان يجب أن يبقى في مركز عملية التحول الرقمي، سواء جرى استخدام الذكاء الاصطناعي أم غيره من الوسائل التقنية، مشيرا إلى ضرورة إخضاع المخرجات النهائية، ولا سيما تلك التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، للمراجعة والتقييم البشري.
وأشار سعادته إلى أن التطور التقني ينبغي ألا يؤدي إلى إغفال الجانب الإنساني في الخدمات والإجراءات القانونية، مؤكدا أهمية تصميم الأنظمة بصورة تراعي احتياجات الإنسان وتيسر حصوله على حقوقه وخدماته.
وحول استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال القانوني، وصف سعادة الوزير هذه التقنية بأنها سلاح ذو حدين، مؤكدا أن الاستفادة منها ترتبط بقدرة المستخدم على تقييم المخرجات التي تنتجها.
وأوضح أن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي قد تختلف بحسب خبرة المستخدم، مشيرا إلى أن القانوني المتمرس قد يكون أكثر قدرة على التعامل مع مخرجات هذه الأدوات وتقييمها مقارنة بمن لا يمتلك الخبرة الكافية في المجال القانوني.
وأكد أن الأهم من مجرد معرفة كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي هو امتلاك القدرة على تقييم المنتج النهائي والتحقق من دقته وصحته.
وأشار إلى أن هذه المسألة لا تقتصر على القانونيين، بل تشمل جميع المستخدمين، نظرا إلى وجود عيوب ومشكلات محتملة في مخرجات الذكاء الاصطناعي، من بينها التحيز التأكيدي والهلوسة.
وأوضح سعادته أن استخدام هذه الأدوات يتطلب الحذر والمراجعة، لا سيما في المجالات التي تترتب عليها آثار قانونية، مؤكدا أن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي ينبغي أن تقترن بقدرة الإنسان على التحقق من المعلومات والنتائج.
تطوير موقع «الميزان»
استعرض سعادة وزير العدل ووزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء، أدوات تعزيز الشفافية والمشاركة المجتمعية، لافتا إلى التوسع في استخدام منصة «شارك» التفاعلية لاستطلاع آراء المجتمع حول السياسات ومشروعات القوانين وكذلك القوانين القائمة، منوها بأن وزارة العدل تعمل على تطوير البوابة القانونية القطرية «الميزان» لتسهيل وصول جميع أفراد المجتمع إلى المعلومة القانونية بكل سلاسة وموضوعية.
وأكد أن إتاحة المعلومات القانونية تمثل جانبا أساسيا من الشفافية، لافتا إلى أن وزارة العدل تتيح القوانين والتشريعات من خلال الجريدة الرسمية وموقع «الميزان»، الذي وصفه بأنه من المواقع المتطورة على مستوى المنطقة في مجال نشر القوانين وتعزيز الشفافية.
وأوضح أن الموقع يتيح التشريعات والقوانين والأنظمة للجميع، وأن الوزارة تعمل حاليا على تطويره بما يجعله أكثر سهولة في الاستخدام، ويسهم في إيصال المعلومة القانونية إلى أفراد المجتمع بصورة ميسرة.
التحول الرقمي والإنسان
وحول المفهوم الاجتماعي للعدالة، أوضح سعادته أن الدستور القطري جعل «العدل» دعامة من دعامات المجتمع إلى جانب الإحسان والحرية والمساواة ومكارم الأخلاق، داعيا كافة أفراد المجتمع إلى تمثل القدوة الحسنة واستشعار المسؤولية الفردية، لتتحول العدالة من مجرد نصوص في القوانين إلى سلوك اجتماعي يومي قائم على أداء الواجبات واستيفاء الحقوق.
كما شدد سعادة وزير العدل ووزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء، على أهمية وعي المتعاملين بحقوقهم وواجباتهم والحرص على التوثيق القانوني للتعاملات والعقود بمختلف أنواعها، مبينا أن التوثيق ليس مسألة حسن أو سوء ظن، بل هو إطار تنظيمي يضمن حفظ حقوق الأفراد والمؤسسات ويمنع النزاعات.
قوانين منظمة للتطور التكنولوجي
فيما يتعلق بمدى مواكبة المنظومة التشريعية للتطور الرقمي، أشار سعادة الوزير إلى سرعة التطور التكنولوجي، وأن شركات التكنولوجيا الكبرى تتنافس وتتسابق بصورة متواصلة، الأمر الذي يجعل مواكبة هذا التطور تحديا مستمرا.
وأوضح أن دولة قطر لديها عدد من القوانين المنظمة للمجال، من بينها قانون الخدمات الإلكترونية، وقانون الجرائم الإلكترونية، وقانون خصوصية البيانات، إلى جانب القرارات الإدارية والمشروعات التي تنفذها الوزارات والأجهزة الحكومية في مجال الخدمات الإلكترونية.
وأضاف أن هناك حاجة إلى دعم بعض التشريعات وتطويرها، مؤكدا أن التفاعل مع المستجدات الدولية، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو تكنولوجية، حاضر ضمن منظومة التشريع.
وكشف عن توجه نحو الانتقال من التشريع المبني على الحاجة إلى التشريع المبني على تقييم الأثر التشريعي، موضحا أن هذا التقييم يشمل مرحلتين، تتمثلان في التقييم المسبق والتقييم اللاحق، لقياس مدى تحقيق التشريع للأهداف والغايات التي صدر من أجلها.
وأشار إلى أن هذه الخطة تشمل أيضا دراسة الوسائل البديلة عن التشريع، والبحث في البدائل التي يمكن تقديمها من خلال الوسائل الإلكترونية، موضحا أن تطبيق هذه التوجهات سيكون ضمن خطط المرحلة المقبلة.
منصة «شارك»
وفي رده على سؤال حول آليات مشاركة أفراد المجتمع في صياغة التشريعات وإبداء الرأي بشأنها، أوضح سعادة الوزير أن القنوات المتاحة متعددة، وأن منصة «شارك» تمثل إحدى القنوات الرئيسية في هذا المجال.
وأشار إلى أن العمل على طرح التشريعات عبر المنصة بدأ في سبتمبر 2024، عندما طرح أول تشريع على منصة «شارك» من خلال مجلس الوزراء، لافتا إلى أن عددا من الوزارات، ومن بينها وزارة التجارة والصناعة، سبق أن استخدمت المنصة لاستطلاع آراء الجمهور بشأن السياسات والتشريعات التي تعتزم تبنيها.
وأوضح أن المرحلة السابقة كانت بمثابة فترة تجريبية هدفت إلى التعرف على مستوى التفاعل، وآلية عرض القوانين على المنصة، وكيفية تقييم الملاحظات، ونشر نتائج الاستطلاعات.
وأضاف أن العمل يتجه حاليا إلى التعامل مع المشاركة المجتمعية بصورة أكثر مهنية واحترافية، بحيث لا تقتصر على مشروعات التشريعات التي تعتزم الحكومة تبنيها، بل تشمل أيضا التشريعات القائمة.
وأكد أهمية أن تكون الملاحظات المقدمة عبر هذه القنوات موضوعية ودقيقة، وألا تكون مجرد رد فعل على موقف شخصي أو تجربة فردية، مشددا على ضرورة أن تستهدف الملاحظات تحقيق المصلحة العامة للمجتمع.
دور مهم للمؤسسات الأكاديمية
حول دور المؤسسات الأكاديمية في تعزيز الوعي القانوني، أكد سعادة الوزير أن الجامعات والمؤسسات التعليمية تؤدي دورا مهما في رفع مستوى الوعي لدى أفراد المجتمع، من خلال المحاضرات والأنشطة الطلابية والقدوات الحسنة.
وأشار إلى أهمية إدراج مقررات أكاديمية تسهم في نشر الوعي القانوني وتعريف الطلبة بالقوانين وسبل الامتثال لها، موضحا أن تقديم المعلومة القانونية ينبغي أن يتم بطريقة مبسطة تساعد غير المتخصصين على فهمها.
وأكد أن نشر الوعي القانوني لا ينبغي أن يقتصر على عرض النصوص القانونية بصيغة إلزامية، بل يجب أن يراعي سهولة إيصال المعلومة وفهمها، حتى يتمكن أفراد المجتمع من معرفة حقوقهم وواجباتهم.
كما أوضح أن التحول الرقمي لا يمكن أن ينفذ من خلال مهندسي نظم المعلومات وحدهم، بل يحتاج إلى تعاون مختلف التخصصات، وإلى مساندة إدارية وثقافة عمل تساعد على تنفيذ هذه التحولات بصورة فعالة.
وشدد على أهمية تضافر جهود المؤسسات التعليمية والجهات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني والمحامين وغيرهم من المتخصصين، من أجل تنظيم حملات وأنشطة تسهم في رفع الوعي القانوني وتعزيز التفاعل الإيجابي مع الجمهور.
