الدوحة - سيف الحموري - بعد مضي عامٍ على إطلاقه خلال الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، يعود التحالف العالمي للتوحد، الذي تأسس بمبادرة من مؤسسة قطر، ومنظمة «أوتيزم سبيكس»، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، وبدعم من منظمة الصحة العالمية، إلى الساحة الدولية بنطاق عمل وعضوية أكثر اتساعًا. تضم قائمة الأعضاء المؤسسين للتحالف حاليًا كلاً من: مؤسسة التعليم فوق الجميع، ومؤسسة بولات أوتيموراتوف، وصندوق دعم التوحد، إلى جانب وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، ووزارة الصحة العامة في قطر. وتتولى الوزارتان قيادة جدول أعمال التحالف في قطر، حيث تعمل وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة على ضمان ترجمة مهمة التحالف إلى منظومة دعم وخدمات ملموسة للأسرة، في حين تعمل وزارة الصحة العامة على تعزيز دور التحالف في ربط جهود المناصرة العالمية بنُظم الرعاية الصحية في قطر.
وعلى هامش أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، شهدت جلسة رفيعة المستوى استضافتها دولة قطر والتحالف العالمي للتوحد، بعنوان «دفع الجهود العالمية بشأن التوحد: من التأسيس إلى التنفيذ» مشاركة واسعة من الحكومات، والمنظمات متعددة الأطراف، والباحثين، والمؤسسات الخيرية، ومنظمات المجتمع المدني، والمستثمرين، وقادة من القطاع الخاص، من أجل الدفع قدمًا برؤية مشتركة تهدف إلى معالجة الفجوات في الأنظمة القائمة، والاستفادة من التطوّرات الحديثة والتقنيات الناشئة لتحسين حياة ذوي التوحد وتحقيق تحول إيجابي فيها عبر مختلف أنحاء العالم. وشهدت الفعالية حضور ممثلين عن 18 دولة، فيما شارك ممثلون عن تنزانيا وبولندا وبنغلاديش وجورجيا في النقاشات، مقدّمين رؤى وتجارب من سياقات عالمية مختلفة.
منذ انطلاقه، عمل التحالف العالمي للتوحد على تعزيز شراكاته العالمية، وإرساء أطر التنفيذ والتمويل، وإطلاق شبكة من المراكز الإقليمية لتحفيز العمل المنسق لمواجهة التوحد على المستوى الإقليمي، فضلاً عن دفع الجهود الرامية إلى وضع التوحد على أجندة السياسات العالمية، بما في ذلك جهود المناصرة الرامية إلى ترسيخ آليات فاعلة لمتابعة التقدّم والتنفيذ. ويمكن الاطلاع على نطاق عمل التحالف وإنجازاته وأهدافه عبر الموقع الإلكتروني: www.qf.org.qa/gaac.
يقود كل عضو مؤسس في التحالف العالمي للتوحد العمل في مجال اختصاصه، من خلال إطلاق مبادرات تعالج الفجوات الحيوية في سياسات التوحد، والخدمات، والبيانات، والاستثمار، والابتكار، وتطوير القوى العاملة، بهدف تسريع وتيرة التقدّم وتعزيز الأثر على المستوى العالمي.
سيعمل المركز الإقليمي لمناصرة لذوي التوحد في منطقة آسيا الوسطى وجنوب القوقاز، الذي أُطلق مؤخرًا وتعمل مؤسسة بولات أوتيموراتوف على قيادته وتنسيق أعماله، كمنصة إقليمية لتنفيذ المبادرات الرائدة للتحالف واختبارها، ودعم تطوير القوى العاملة، والابتكار، وتطبيق السياسات، وتوليد البيانات، وتعزيز التعاون بين الدول.
واستنادًا إلى نموذج برنامج «أسيل ميراس» لدعم ذوي التوحد الذي أثبت نجاحه في كازاخستان، سيعمل المركز على نقل الخبرات المُثبتة، ونُظم التدريب، ومعايير الجودة، وأطر البيانات، ونهج دعم الأسرة إلى الدول المجاورة. ومن خلال إتاحة تجربة كازاخستان للاستفادة منها على مستوى المنطقة، يهدف المركز إلى تسريع تطوير خدمات مستدامة وقائمة على الأدلة العلمية في مجال التوحد، وإرساء نموذج قابل للتوسع والتطبيق في مناطق أخرى.
كما سيعمل المركز بالتنسيق مع المركزين الإقليميين الآخرين للتحالف في الدوحة والولايات المتحدة الأمريكية. وتشكل هذه المراكز الثلاثة مجتمعةً منصة عالمية تدعم التطوير السريع للحلول المبتكرة والتحقق من فعاليتها وتطبيقها في سياقات ثقافية وجغرافية متنوعة.
ومن أولى الشركات التي تحظى بدعم التحالف هي منصة الواقع الافتراضي «فلوريو»، وهي مصممة لمساعدة الأفراد ذوي الاختلافات النمائية العصبية من كافة الفئات العمرية والقدرات على بناء المهارات الاجتماعية والسلوكية والتواصلية ومهارات الحياة اليومية. وسيُطبَّق برنامج «فلوريو سكيلز اكس بي» في إطار مشروع تجريبي يشمل عددًا من الدول، بهدف توسيع نطاق الاستفادة من التدخلات القائمة على الأدلة العلمية، وتحسين جودة الخدمات المقدّمة في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
وبدورها، تقوم منظمة «أوتيزم سبيكس»، بصفتها عضوًا مؤسسًا في التحالف العالمي للتوحد والجهة التي تتولى مهام الأمانة فيه، بقيادة «مجلس قيادة ذوي الخبرة المعيشية» التابع للتحالف، بما يضمن إشراك ذوي التوحد وأُسرهم بصورة مباشرة في تحديد الأولويات، والمساهمة في صياغة مبادرات التحالف وتطويرها وتنفيذها.
واستكمالاً للجهود التنفيذية التي يبذلها التحالف العالمي للتوحد، ستتولى جامعة حمد بن خليفة، عضو مؤسسة قطر، قيادة جهود البحوث والتكنولوجيا والابتكار للمركز الإقليمي للتحالف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومن خلال خبراتها متعددة التخصصات ومركز «إي-سينس» للتميز، ستدعم جامعة حمد بن خليفة تطوير الحلول المبتكرة في مجال التوحد واختبارها وتوسيع نطاقها، إلى جانب تبادل البحوث والتقنيات الناشئة والخبرات في مجال السياسات وأفضل الممارسات عبر شبكة التحالف.
وبناءً على التقدّم الذي أحرزه منذ إطلاقه، يعمل التحالف العالمي للتوحد على إيجاد مسارات عملية تمكّن الدول من تعزيز نُظم دعم التوحد، وتوسيع الفرص، وتحسين النتائج لذوي التوحد وأُسرهم حول العالم. وللمساعدة في ترجمة الأدلة والمعارف والابتكارات إلى أثر قابل للقياس، يُطلق التحالف حاليًا حزمة من المبادرات الرائدة المصممة لمعالجة الفجوات الحيوية في مجالات السياسات، والبيانات، وتطوير القوى العاملة والتكنولوجيا والدعم مدى الحياة.
وتشمل هذه المبادرات، التي كُشف عنها أمام جمهور عالمي خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة، ما يلي:
• مؤشر التوحد العالمي: أداة مساءلة عالمية لقياس تقدم الدول في مجالات إدماج ذوي التوحد، والخدمات، وأداء السياسات.
• المنصة العالمية لبيانات التوحد: منصة توفر قاعدة بيانات مشتركة لدعم اتخاذ القرارات القائمة على البيانات لصنع السياسات وتحسين النُّظم على مستوى العالم.
• مبادرة تسريع القوى العاملة العالمية: تركز على بناء القوى العاملة المتخصصة في مجال التوحد اللازمة لتقديم الخدمات على نطاق واسع عالميًا.
• مختبر التكنولوجيا والابتكار: مختبر يدعم تطوير وتوسيع نطاق تقنيات التوّحد الفعّالة وميسورة التكلفة والحلول المدعومة بالذكاء الاصطناعي، لا سيما في البيئات محدودة الموارد.
• مركز عالمي لتسريع النمو والمعرفة: مركز يُيسّر التعلّم المنظم وتبادل المعرفة بين الدول.
• مجلس قيادة ذوي الخبرة المعيشية: هيئة إدارية تضمن مشاركة ذوي التوحد وأُسرهم ومقدمي الرعاية بشكل مباشر، بحيث يكون لهم صوت ودور فاعل في صياغة الأولويات واتخاذ القرارات المتعلّقة بالتوحد.
• الميثاق العالمي لسياسات التوحد: إطار عمل تطوعي تلتزم من خلاله الدول باستراتيجيات وطنية للتوحد وتحقيق تقدم ملموس.
كما بدأ التحالف العالمي للتوحد في إنشاء صندوق تأثير يعمل على تحفيز حلول جديدة ومبتكرة للارتقاء بأساليب تشخيص التوحد، وتسخير التطورات في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا لدعم تطوير العلاجات وتحسين حياة ذوي التوحد وأسرهم.
يُمثل التحالف العالمي للتوحد مرحلة جديدة في مسيرة مستمرة تمتد لـ 18 عامًا لتحويل التوعية بالتوحد إلى حراك عالمي، بقيادة صاحب السمو الشيخة موزا بنت ناصر، رئيس مجلس إدارة مؤسسة قطر، التي أثمر مقترحها في عام 2007 عن اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة، دون تصويت، قراراً بتخصيص 2 أبريل من كل عام يومًا عالميًا للتوعية بالتوحد. واليوم، وبتوجيه من قيادتها المستمرة واستلهامًا من رؤيتها، يسعى التحالف إلى تحويل عقود من مناصرة التوحد إلى منظومة عمل عالمية، تُزود الدول بالشراكات والأدوات وفرص الوصول إلى الاستثمارات والمسارات اللازمة لتعزيز إدماج ذوي التوحد على نطاق واسع.
وقالت سعادة السفيرة الشيخة علياء أحمد بن سيف آل ثاني، المندوب الدائم لدولة قطر لدى الأمم المتحدة: «اضطلعت مؤسسة قطر بقيادة صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، بدور رائد لتحويل هذه الرؤية إلى عمل فاعل يُحدث أثرًا ملموسًا».
وأضافت سعادتها: «من خلال برامجها وخدماتها الرائدة، تدعم مؤسسة قطر ذوي التوحد وأُسرهم، بدءًا من التشخيص المبكر والرعاية الصحية، مرورًا بالتعليم والتوظيف، ووصولًا إلى تعزيز إدماجهم ومشاركتهم في المجتمع. وتعكس استراتيجية مؤسسة قطر لدعم ذوي التوحد 2025-2035 هذا النهج المتكامل، إذ تجمع الخبرات من كافة أنحاء منظومتها، وتعزز أوجه التعاون مع الجهات الحكومية والمؤسسات البحثية والمجتمع المدني، وذوي التوحد وأُسرهم».
وتهدف هذه المساعي مجتمعة إلى معالجة أحد أكثر التحديات التي تواجه مجتمع التوحد العالمي إلحاحًا، والمتمثلة في ضمان وصول التدخلات والابتكارات الفاعلة إلى كل من يحتاج إليها، بغض النظر عن الموقع الجغرافي أو مستوى الدخل.
في هذا السياق، صرّحت سعادة الدكتورة حنان محمد الكواري، مستشار رئيس مجلس الوزراء لشؤون الصحة العامة ووزير الصحة العامة السابق: «مع انطلاق هذه المرحلة الجديدة، تواصل دولة قطر التزامها بتعزيز الشراكات، ودفع الجهود قدمًا، والعمل على ضمان حصول ذوي التوحد في كلّ مكان في العالم الدعم والفرص التي تمكّنهم من الازدهار والمشاركة والإسهام بصورة فاعلة في المجتمع».
وأضافت سعادتها: «هدفنا اليوم واضح وملّح، ويتمثل في ضمان أن يُترجم ما أحرزناه من تقدم في وضع التوحد على الأجندة العالمية، إلى أثر ملموس ينعكس على حياة ذوي التوحد وأُسرهم».
كما شهدت الجلسة رفيعة المستوى مشاركة سعادة السيد فهد بن حمد السليطي، المدير العام لصندوق قطر للتنمية، حيث سلّط سعادته الضوء على نهج الصندوق في دعم التنمية المستدامة والشاملة، موضحًا: «نؤمن في صندوق قطر للتنمية بأن التنمية المستدامة يجب أن تشمل الجميع، وأن تتيح فرصًا حقيقية لكافة الأفراد، بمن فيهم ذوو التوحد والأشخاص ذوو الإعاقة».
وأضاف: «ومن خلال التمويل الإنمائي، نعمل مع شركائنا في القطاعين العام والخاص، وبنوك التنمية متعددة الأطراف، والمنظمات الدولية، على حشد الموارد، وتوسيع نطاق الحلول القائمة على الأدلة، وتعزيز النُظم الداعمة للإدماج. ونثمّن ما تتيحه مثل هذه الفعاليات من فرص لتبادل المعرفة، وبناء شراكات متنوعة، واستكشاف السبل التي يمكن من خلالها لجهودنا المشتركة أن تسهم في بناء مستقبل أكثر شمولًا وإنصافًا».
من جهته، صرّح الدكتور هلال الأشول، مستشار البحوث والتطوير والابتكار في مكتب رئيس مجلس إدارة مؤسسة قطر، والمدير التنفيذي للبحوث والتطوير والابتكار في المؤسسة: «تأسس التحالف العالمي للتوحد انطلاقًا من إدراك مفاده أن التحديات التي تواجه ذوي التوحد وأسرهم هي تحديات مشتركة عبر العالم، وكذلك بالنسبة للحلول، ولا يمكن لدولة واحدة معالجتها أو توسيع نطاقها بمعزل عن الآخرين».
وأضاف: «إلى جانب أجندة المناصرة العالمية، تتمثل الأهداف الرئيسية للتحالف في حشد الموارد، وإيجاد منصات للتعاون والابتكار، واستثمارات مستدامة طالما افتقر إليها هذا المجال، وذلك من أجل بناء النظم والسياسات اللازمة لتسريع تحويل الابتكارات إلى أثر مستدام. وهدفنا بسيط: أن يعود أي تقدّم نحرزه في التشخيص أو السياسات أو التدخل أو العلاج في أي مكان في عالم بالنفع على ذوي التوحد وعائلاتهم في كل مكان».
واختتم قائلاً: «من هنا تتجلى أهمية التحالف العالمي للتوحد. ومع اتساع نطاق العمل عالميًا، ندعو كل من يشاركنا هذه الرؤية للانضمام إلينا».
