الدوحة - سيف الحموري - اختيار التخصص لا يبدأ بالجامعة بل بفهم «السوق»
عاملان رئيسيان مؤثران في اختيار المسار الوظيفي
تهيئة الشباب لرؤية المشهد قبل أن يختاروا مواقعهم الجامعية
النشء بحاجة إلى منظومة دعم لا تقتصر على المعلومات
أكد السيد محمد علي اليافعي - رئيس قسم البرامج والخدمات المهنية، مركز قطر للتطوير المهني – أهمية المشورة المهنية، لافتاً إلى أن الكثير من البيوت عاشت لحظة اختيار ابن أو ابنة التخصص الجامعي، وأسرة تحاول أن تساعد في اختيار الطريق.
وقال اليافعي لـ «العرب»: يبدأ الحديث بسؤال عن التخصص، لكنه سرعان ما يتسع: ماذا يناسبه؟ أين يجد فرصته؟ وكيف نطمئن أن القرار لا يفتح بابًا للدراسة الجامعية وحسب؛ بل يفتح بابًا أوسع للمستقبل؟ يريد الوالدان أن يكونا عونًا لا عبئًا، وأن يقدّما دعمًا يطمئن إليه الشاب بقدر ما يطمئنان إليه.
وأضاف: قد يكون الشاب بحاجة إلى معلومات واضحة عن التخصصات والمهن المتاحة واتجاهات سوق العمل. وقد يحتاج إلى تجربة تقرّبه من الواقع، فيرى بيئات العمل كما هي، ويتعرف إلى ذوي الخبرة في مجال اهتمامه، ويفهم شيئًا من تفاصيل عملهم اليومي ومسؤولياتهم. وقد تكون حاجته أعمق من المعلومة والتجربة: مساحة أهدأ للحوار تساعده على فهم نفسه، واكتشاف نقاط قوته وقيمه ومخاوفه، وما ينسجم مع ظروفه وطموحه.
وأشار إلى الفوارق بين مصطلحات التوجيه والمشورة والإرشاد والتوعية والتخطيط المهني، وأن البعض يستخدمها كأنها تشير إلى الشيء ذاته؛ بيد أن كل منها يشير إلى نوع مختلف ومتخصص من الدعم، وأن التمييز بينها ليس مسألة لغوية وحسب؛ بل الفيصل في قدرة الطلبة، وأولياء الأمور، والممارسين على اختيار الأداة المناسبة في الوقت المناسب، موضحًا أن اللغة الدقيقة لا تُعقّد الفكرة، بل تقرّبها، وتقرّب الدعم المهني إلى الناس ليصبح أسهل فهمًا، وأيسر وصولًا، وأقدر على تحقيق الأثر المرجو.
ونوه إلى أن الفارق التوجيه المهني والمشورة المهنية مهم في رحلة الشاب نحو مستقبله ويساعداه على اتخاذ قرارات أفضل، لكنهما لا يؤديان الدور ذاته، وأن التوجيه المهني هو عملية تطوير شاملة تهدف إلى مساعدة الأفراد على اتخاذ خيارات تعليمية ومهنية مدروسة، ثم الشروع في تنفيذها بما يخدم تطلعاتهم المهنية. وهو لا يقتصر على تقديم المعلومات؛ بل يشمل مساعدة الشباب على اكتساب المعرفة والمهارات والوعي اللازم لتحديد خياراتهم، واتخاذ قرارات تراعي مصلحتهم الأوسع، بما في ذلك رفاههم الاجتماعي والنفسي والمالي.
وأوضح أن التوجيه المهني يهيئ الشباب لرؤية المشهد قبل أن يختاروا مواقعهم، ويفتح لهم نافذة على عالم التعليم والعمل ليعرفوا التخصصات المتاحة، والمهن المرتبطة بها، والمهارات المطلوبة لها، والقطاعات التي تتغير وتنمو في سوق العمل، فيوسع مداركهم، ويعرّفهم بفرص جديدة، ويساعدهم على الانتقال من العموميات والأفكار الضبابية عن المستقبل إلى فهم أوضح لما يمكن أن يكون عليه هذا المستقبل حقًا.
وتابع: قد يأتي هذا التوجيه في صور متعددة، فقد يأخذ شكل مطبوعات متخصصة، أو ورش عمل، أو برامج مدرسية، أو معارض مهنية، أو منصات رقمية، أو حملات توعوية على وسائل التواصل الاجتماعي، أو تجارب معايشة تتيح للطلبة الاقتراب من بيئات العمل الحقيقية.
وقال اليافعي: في مركز قطر للتطوير المهني، ينعكس ذلك في مبادرات مثل مجلة «دليلك المهني»، والمحتوى التوعوي الذي نواظب على نشره، وتجارب المعايشة المهنية والتدريب العملي التي تساعد الطلبة على رؤية المهن والقطاعات من زاوية أقرب وأكثر واقعية.
وأكد أن معرفة الطريق لا تعني دائمًا القدرة على اختياره. قد يتعرف الطالب على عدة تخصصات، ومع ذلك يبقى عاجزًا عن الاختيار بينها، وقد ينجذب إلى مهنة معينة، ثم يتساءل، هل تناسبني فعلًا؟ هل تتماشى مع قدراتي وقيمي وظروفي؟ وقد يفهم الخريج بدوره متطلبات سوق العمل، لكنه يحتاج إلى من يساعده في الانتقال إلى الحياة المهنية والبحث عن وظيفة، أو التعامل مع الحيرة والضغوط المرتبطة بالقرار المهني. هنا يتغير السؤال، ولا يعود مقتصرًا على: «ما الخيارات المتاحة لي؟» بل يصبح: «أيّها يناسبني أكثر؟ وكيف أبدأ في السير نحوه؟».
وأضاف: هنا تبرز أهمية المشورة المهنية، إذ تقوم على بناء بيئة داعمة أساسها العلاقة التعاونية بين مقدم الخدمة المهنية والمستفيدين منها، وهي عملية قائمة على الحوار المتبادل، لا على التلقين أو إعطاء الوصفات الجاهزة، وتفسح المجال للشاب للتأمل، وطرح الأسئلة، وفهم ذاته، وتنمية مهاراته الشخصية والمهنية، وقد تشمل كذلك التقييم المهني الذاتي، واستكشاف الاهتمامات والقيم، والمساعدة في البحث عن فرص العمل، ودعم الأفراد في التعامل مع القضايا الشخصية التي تؤثر في قراراتهم المهنية.
وأردف: لذلك، تقتضي المشورة المهنية مقاربةً أكثر خصوصية وتفصيلًا. فهي لا تكتفي بأن تُري الشاب الخيارات المتاحة؛ بل تساعده على فهم علاقته بهذه الخيارات: ما الذي يهمه؟ ما الذي يجيده؟ ما الذي يقلقه؟ وما القرار الذي يستطيع أن يفهمه، ويتحمل مسؤوليته، ويمضي نحوه بثقة أكبر؟
وأوضح أنه إذا كان التوجيه المهني يساعد الشباب على فهم ما هو موجود حولهم وكيف يستعدون له، فإن المشورة المهنية تساعدهم على فهم موقعهم داخل هذا المشهد، وكيف يحولون هذا الفهم إلى خطوات عملية. ومن الخطأ النظر إلى التوجيه والمشورة كخدمتين منفصلتين أو متنافستين؛ فهما جزءان متكاملان من رحلة واحدة. التوجيه يبني الوعي والمعرفة والمهارات والجاهزية، بينما تمنح المشورة هذه العملية بُعدها الشخصي من خلال الحوار، والتأمل، والتقييم، والتخطيط.
وأشار إلى أن التوجيه يفتح الباب أمام الاحتمالات، والمشورة تساعد على تحويل هذه الاحتمالات إلى قرارات أوضح وخطوات قابلة للتنفيذ.
وفي هذا السياق، لفت اليافعي إلى أن برنامج «الدليلة» من مركز قطر للتطوير المهني يأتي ليعزز مساحة المشورة المهنية الشخصية. فاسم البرنامج ذاته يحمل معنى الرفقة في الطريق؛ لا ليختار للإنسان مساره، بل ليساعده على قراءة العلامات من حوله بوضوح أكبر. ومن خلال الجلسات الفردية التي يديرها مختصون مؤهلون في التطوير المهني، يدعم «الدليلة» الطلبة والشباب والباحثين عن عمل وأفراد المجتمع عامةً في التعامل مع قراراتهم التعليمية والمهنية، ويتيح لهم طرح أسئلتهم، وفهم تفضيلاتهم، وتقييم خياراتهم، وتحديد الخطوات الممكنة أمامهم.
ولفت إلى أهمية هذا التكامل أكثر في عالم اليوم سريع التغير. فالشباب اليوم لا يحتاجون النصائح العابرة، والمعلومات المُجردة عن سياقها، بل إلى منظومة دعم تساعدهم على الفهم والتجربة والتفكير واتخاذ القرار. يحتاجون إلى معارف موثوقة، وتجارب تقرّبهم من الواقع، ومهارات عملية، ومساحة شخصية تتيح لهم أن يفهموا العالم من حولهم ويفهموا أنفسهم داخله. فالتطوير المهني ليس قرارًا واحدًا يُتخذ في لحظة وعي، بل رحلة مستمرة من التعلم، والتأمل، والتكيف، والنمو. وكلما توفرت الأدوات المناسبة لكل مرحلة ضمن هذه الرحلة، أصبح الشاب أقدر على اتخاذ قراراته بثقة ومسؤولية.
ونوه إلى إمكانية التعرف على المزيد من مصطلحات التطوير المهني والتمييز بين معانيها، من خلال استكشاف المسرد العربي لمصطلحات التطوير المهني الذي طوّره مركز قطر للتطوير المهني بالتعاون مع جمعية آسيا والمحيط الهادئ للتطوير المهني ومعهد دراسات الترجمة في جامعة حمد بن خليفة، واكتشاف اللغة الأوضح لكل خطوة في رحلتك المهنية عبر زيارة الموقع الرسمي لمركز قطر للتطوير المهني.
