الدوحة - سيف الحموري - أحمد.. شاب موريتاني عرف البحر منذ سنوات عمره الأولى، وعرف معه قسوة الحياة، يستيقظ كل صباح على صوت أمواج البحر، حاملا في قلبه أحلاما كبيرة مع إمكاناته المحدودة. وُلد في أسرة فقيرة، وعاش سنوات طويلة يصارع قسوة الواقع، باحثاً في البحر عن رزق يسد به حاجته ويعين به أسرته ويرعى والديه.
كان أحمد يعمل مع أحد الصيادين ويبيت الليالي الطوال في البحر، وبعد رحلة شاقة يتسلم مقابل عمله وبالكاد يكفي مصاريفه الشخصية، ومع ذلك ظل صامدا مجتهدا، لكنه لم يكن يملك الوسائل التي تمكنه من الإنتاج وتحسين دخله، فالبحر أمامه واسعاً، والخير في أعماقه وفيراً، إلا أن يده كانت قصيرة عن الوصول إلى فرصته الحقيقية، وبين تعب الأمواج وضيق الحال، ظل أحمد متمسكاً بالأمل، مؤمناً بأن يوماً ما سيحمل له البحر بشارة جديدة.
سفاري الخير
ثم جاءت الفرصة... رسل برنامج «سفاري الخير» من قطر وصلوا إلى نواكشوط في عام 2023 بحثا عن الحالات التي يمتلك أصحابها الخبرة والإرادة، ويحتاجون إلى وسائل إنتاج تمنحهم القدرة على العمل والاستقرار، فتم بدعم أهل الخير شراء قارب صيد له من خلال مشروع لدعم الصيادين وتمكين الأسر المنتجة، الذي نفذته قطر الخيرية في موريتانيا.
كان أحمد على قدر التحدي والمسؤولية، فأبحر نحو التمكين، وبدأ يخرج إلى البحر بقاربه، يعمل بجد، ويعود بإنتاج أفضل. ومع الأيام، تغيرت حياته تدريجياً. لم يعد الصيد مجرد معركة يومية من أجل البقاء، بل أصبح عملاً منتجاً ومصدراً ثابتاً للدخل.
بيت وأسرة
ومن ثمرة هذا العمل، استطاع أحمد أن يحقق ما كان يبدو في يوم من الأيام بعيد المنال، اشترى بيتاً يؤويه ويمنحه الشعور بالأمان والاستقرار، وتزوج، ليبدأ تكوين أسرته الصغيرة. وأصبح قادراً على إعالة أسرته، ورعاية والديه، ورد جزء من الجميل لهما بعد سنوات طويلة من التعب والمعاناة.
يقول أحمد، وهو ينظر إلى البحر الذي تغيرت معه تفاصيل حياته: «هذا القارب لم يغير عملي فقط… بل غير حياتي كلها.»
قارب صيد
أحمد يدير قاربه الآن ويعمل معه 6 أشخاص، ويوفر دخلا شهريا مريحا له. قصة أحمد ليست مجرد قصة قارب وصيد.. إنها قصة فرصة وصلت إلى إنسان كان مستعداً للعمل، فتحولت بجهده وإصراره إلى حياة جديدة.
إنها قصة تمكين.. حين لا تكون المساعدة مجرد عون مؤقت، بل وسيلة تمنح الإنسان القدرة على الإنتاج، والاستقلال، وصناعة مستقبله بيديه. حيث لم يصطد أحمد الأسماك فقط…بل اصطاد أملاً جديداً. أملاً حمله من ضيق الفقر إلى سعة الحياة، ومن الحاجة إلى الإنتاج، ومن الانتظار إلى القدرة على العطاء.
الجدير بالذكر أن «سفاري الخير» برنامج تلفزيوني إنساني وتطوعي من إنتاج قطر الخيرية وتم بثه بالتعاون مع تلفزيون قطر، نُفذ خلال السنوات من2014 وحتى 2024، ويجمع بين التنافس الميداني والعمل الخيري والتنموي، بهدف نشر ثقافة التطوع، وتعزيز العطاء، وإبراز أثر المشاريع الإنسانية في المجتمعات المحتاجة.
