خبراء لـ «العرب»: سلوكيات مالية رشيدة يجب اتباعها في هذه الأوقات.. هل يعيد «زمن الحرب» تشكيل ميزانيات الأسر؟

الدوحة - سيف الحموري - بينما بدأت تداعيات الحرب الإقليمية المشتعلة في منطقتنا تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، بما فيها التأثير على مصادر الدخل وحركة الاقتصاد والأسواق، قدم خبراء عبر «العرب» نصائح لإدارة وحماية المال في أوقات الأزمات، والاحتماء من التقلبات والمفاجآت. واستعرضوا أهم السلوكيات المالية الرشيدة في هذه الأوقات، بدءاً من الادخار، وامتلاك احتياطي سيولة يكفي لحماية الاستقرار المالي للأسرة، يغطي ثلاثة إلى ستة أشهر من النفقات الأساسية، مثل الغذاء والسكن، مع إنشاء صندوق طوارئ، يغطي النفقات والاحتياجات الضرورية للحياة في الظروف الاستثنائية، مبينين أن هذا الاحتياط المالي يوفر إلى جانب الأمان الاقتصادي والشعور بالطمأنينة، القدرة على اتخاذ قرارات متزنة في الأوقات الصعبة.

Advertisements

الداعية د. محمود عبد العزيز: البذخ وقت الأزمات «فسوق» اجتماعي

قال فضيلة الداعية الدكتور محمود عبد العزيز أبو المعاطي، أستاذ الفقه المقارن وعضو مكتب الفتوى سابقاً، إن المنظور الإسلامي لإدارة المال في الأزمات ينطلق من مبدأ «الاستخلاف»، وهو أن المال مال الله والإنسان مستأمن عليه، مما يفرض عليه توازناً بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب المادية.
ونوه بالتوازن بين الإنفاق والادخار طالما أن الإسلام يذم الطرفين: البخل والتبذير. 
وأوضح د. عبد العزيز أن «الاقتصاد» (أي القصد في الشيء) يصبح في وقت الأزمات واجباً شرعياً. قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾.
 وأشار إلى أن الرشد هنا هو الإنفاق في «المعروف» والضرورات، والادخار لنوائب الدهر، كما فعل النبي يوسف عليه السلام في خطته لمواجهة سنوات العجاف. واستعرض أهمية الادخار المشروع «ليس الادخار في الإسلام «بُخلاً» أو «سوء ظن بالله»، بل هو من تمام العقل والتوكل. حيث استشهد الفقهاء بحديث النبي ﷺ: «أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ». وأكد أن تأمين قوت العيال في الحرب يُصبح واجباً مقدماً، ويُشرع الاحتفاظ بالمدخرات (سواء ذهب أو فضة أو متاع) لضمان الكرامة الإنسانية.
ولفت إلى ضرورة تجنب البذخ والترف فالترف في الأزمات ليس مجرد خطأ مالي، بل هو «فسوق» اجتماعي، «تجنب الإسراف يحمي المجتمع من نفاذ الموارد، ويحمي الفرد من ضياع ماله فيما لا ينفع وقت الضيق».
وعن محاربة الاحتكار والجشع من المنظور الإسلامي، أكد حرمة «الاحتِكار» وهو تخزين السلع لرفع سعرها وقت الأزمات، لافتا إلى ما يقتضيه الرشد المالي وهو أن يشتري الإنسان حاجته دون أن يتسبب في إضرار بغيره، فالأنانيّة المالية في الحروب تتنافى مع روح الإيمان (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). وأكد فضيلته على الترابط ما بين الصدقة والبركة (الاستثمار مع الله) حيث يؤمن المسلم أن الصدقة لا تنقص المال بل تزيده وتطرح فيه البركة وتدفع البلاء. كما يُعد التكافل الاجتماعي (الزكاة، الصدقة، القرض الحسن) صمام أمان مالي للمجتمع ككل، مما يقلل من حدة الجرائم الناتجة عن الفقر والحاجة.
ولا بد من التحلي بالصبر والقناعة.. القناعة هي «كنز» مالي معنوي؛ فهي تمنع الإنسان من التكالب على الدنيا أو الانزلاق في المكاسب المحرمة (مثل الربا أو النصب) تحت ضغط الحاجة، وتجعله يرضى بما قسم الله له من رزق متاح.
وختم بقوله أن الإدارة المالية الإسلامية في الأزمات تقوم على تقليل الاستهلاك، تعظيم الادخار، تحريم الاستغلال، وتفعيل التكافل. فالمؤمن يدخر ليعفّ نفسه، وينفق ليواسي غيره، ويتوكل بقلبه على الرزاق.

د. روضة القبيسي: «صندوق طوارئ» يغطي النفقات الأساسية لعدة أشهر

قالت د. روضة القبيسي، رائدة أعمال في مجال الذكاء الاصطناعي ومدرب معتمد في الذكاء الاصطناعي ومدرس مشارك في كلية المجتمع في قطر: في ظل الأزمات والحروب، لم تعد إدارة المال مجرد مهارة إضافية، بل أصبحت ضرورة أساسية لحماية الاستقرار الشخصي والأسري. ومن واقع خبرتي، أؤكد أن الوعي المالي هو خط الدفاع الأول، حيث ينبغي على رائدات الأعمال والسيدات عمومًا الانتقال من نمط التفكير الاستهلاكي إلى التفكير الاستراتيجي، بحيث يُبنى كل قرار مالي على تقييم حقيقي للحاجة والأولوية، بعيدًا عن الاندفاع أو التقليد.
وأوضحت د. القبيسي أن الادخار يأتي في مقدمة السلوكيات المالية الرشيدة، إذ لم يعد خيارًا يمكن تأجيله، بل ضرورة ملحة لتكوين ما يُعرف بصندوق الطوارئ، الذي يغطي النفقات الأساسية لعدة أشهر، مبينة أن هذا الاحتياط المالي يوفر فقط الأمان الاقتصادي كما يعزز أيضًا الشعور بالطمأنينة والقدرة على اتخاذ قرارات متزنة في الأوقات الصعبة.
وأشارت إلى أن تنويع مصادر الدخل يمثل أحد أهم عوامل الحماية المالية في الأزمات، فالاعتماد على مصدر واحد قد يشكل مخاطرة كبيرة في ظل التقلبات الاقتصادية. لذلك أنصح بالتوجه نحو تنمية مهارات متعددة، واستثمارها في مجالات إضافية مثل العمل الحر أو المشاريع الرقمية، إلى جانب توزيع الاستثمارات لتقليل المخاطر وتعزيز الاستدامة. ونوهت بتجنب الديون غير الضرورية، خاصة في الظروف غير المستقرة، حيث قد تتحول الالتزامات المالية إلى عبء ثقيل يصعب التعامل معه، بينما يُعد ترشيد الإنفاق سلوكًا ذكيًا لا يعني الحرمان، بل يعكس وعيًا في ترتيب الأولويات، والتمييز بين الاحتياجات الأساسية والكماليات. وأضافت: لا يمكن إغفال أهمية الاستثمار في المعرفة وتطوير الذات، فالمهارات الحديثة والمعرفة المتجددة تمنح المرأة قدرة أكبر على التكيف مع التغيرات وخلق فرص دخل جديدة، وهو ما يعزز استقلالها المالي على المدى الطويل. كما أن وجود خطة مالية واضحة لو كانت بسيطة يساعد على إدارة الموارد بفعالية، والاستعداد لمختلف السيناريوهات بثقة وهدوء.
وختمت د. القبيسي بالتأكيد على أن قوة الإنسان في الأزمات لا تُقاس بحجم ما يملك، بل بقدرته على إدارة موارده بحكمة. فالمرأة الواعية ماليًا هي من تستطيع تحقيق التوازن بين الحفظ والاستثمار، بما يضمن لها الاستقرار والكرامة والاستدامة في مختلف الظروف.

خالد أبو موزة: تجنب «التسوق العاطفي»

قال السيد خالد أبو موزة، استشاري أسري وتربوي: إن المطلب الأول في مثل هذه الأزمات يتمثل في الرجوع إلى الله، والثبات على دينه، والصبر على قضائه والاحتساب فيه. ونوه بضرورة الادخار لتوفير الشعور بالأمان المالي وقت الحروب والأزمات، التي تأتي بشكل مفاجئ، لافتاً إلى دور الادخار في إيجاد السيولة المالية الكافية للاستمرار في توفير أساسيات الحياة وتغطية النفقات والاحتياجات الضرورية للحياة وقت الأزمات، مشدداً على أن الأمر لا يتعلق بتوفير وسائل الرفاهية مثل سيارة رياضية أو طائرة خاصة ليكون الفرد آمناً من الناحية المالية، وإنما هذا الأمان هو القدرة على التحكم في الأموال وألا يكون قلقاً بشأن التزاماته المالية. وأكد أن الذين يتجنبون الإسراف المالي في أوقات الرخاء هم الأصبر في وقت الأزمات وأقواهم، وأشار إلى أهمية استمرار  توفير ضروريات الحياة الأساسية، إما عبر مدخرات أو عبر أشكال معينة من الاستثمار، كالعقار، أو الاستثمار في أسهم البنوك أو الخدمات مع ضرورة الإطلاع وامتلاك الخبرة والمعرفة اللازمة لتجنب المخاطر أو الخسائر. ولفت إلى أن الأزمات تجبر العديد من الأسر على التعامل مع ميزانيتها بحذر أكبر، من خلال تقليل المصروفات، وتجنب شراء الكماليات، وتجنب التسوق العاطفي أو غير الضروري، وخفض الإنفاق على الرحلات والنشاطات الترفيهية، وإعادة ترتيب الأولويات يوما بعد يوم وشهرا بعد شهر.

ناصر راشد المري: الأولوية لحفظ رأس المال.. لا لمضاعفته

قال الأستاذ ناصر راشد المري، خبير الإدارة والأعمال: بدايةً نسأل الله أن يحفظ دولتنا الحبيبة قطر وسائر بلاد المسلمين من الأزمات والحروب وتبعاتها، مبيناً أن الحديث في مثل هذه الظروف لا يكون عن المال من زاوية الربح بقدر ما هو من زاوية استدامة سُبل العيش الكريم.
وأشار المري إلى أن الأولوية في وقت الأزمات هي لحفظ رأس المال، لا لمضاعفته، وهذا فيما يخصّ روّاد الأعمال. 
ونوه بضرورة أن يحتفظ الإنسان بسيولة كافية تغطي احتياجاته الأساسية لفترة معقولة، لأن المفاجآت في الأزمات ليست استثناء بل قاعدة. فوجود هذا الاحتياطي يمنح قدرًا من الأمان والمرونة. مشيراً إلى أن من الحكمة عدم ترك الأموال في محفظة واحدة. فالتنويع - ولو كان بسيطاً - يقلل من أثر أي خسارة محتملة، ويمنح توازناً أفضل في ظل التقلبات والأزمات. وعلى مستوى الإدارة المالية اليومية، أكد المري أهمية إدارة المصاريف من خلال تقليل الصرف على الكماليات، وضبط الإنفاق، والابتعاد عن الإسراف وهذه ليست نصائح تقليدية، بل أدوات حقيقية للصمود. فالفكرة ليست في التشدد في مسألة ضبط المصروفات، بل في الوعي في تنظيم الأولويات. أما الديون، فالأفضل التعامل معها بحذر شديد وتجنبها قدر الإمكان، لأن الالتزامات في أوقات غير مستقرة قد تتحول إلى عبء ثقيل لاحقاً. وأخيراً، دعا المري إلى المتابعة الواعية لما يحدث من حولنا - اقتصادياً ومالياً - لتعزيز القدرة على اتخاذ قرارات أكثر توازناً، فالهدوء هنا عنصر أساسي، لأن القرارات المتسرعة غالبًا ما تكون مكلفة، مؤكداً أن أبسط معادلة للحفاظ على المال في أوقات الأزمات تتلخص في: سيولة كافية، إنفاق منضبط، تنويع مدروس، وقرارات هادئة.

الدكتور جمال الملا: 20 نصيحة للأسر في قطر والخليج

استعرض الدكتور جمال الملا، عبر حسابه بمنصة إكس أبرز ما رصده عدد من الخبراء من نصائح وبنود - 21 بنداً - تحتاج الأسر في الخليج إلى مراجعتها، أو تقليلها حسب الدخل ونمط المعيشة لبناء أسلوب حياة أكثر توازنًا وترسيخ ثقافة الادخار، ومن أبرزها:
1. إعادة النظر في حفلات الزواج، والاكتفاء بحفل عائلي بسيط.
2. الولادة في المستشفيات الحكومية، وتقليل المبالغة في حفلات المواليد والاكتفاء بالعقيقة.
3. الامتناع عن التدخين؛ إذ قد يصل متوسط الإنفاق إلى نحو 300 - 380 دولار شهريًا.
4. ترشيد استهلاك القهوة والمقاهي.
5. تقليل شراء الماركات ذات الأسعار المرتفعة، والاكتفاء بالضروري منها.
6. الحد من كثرة ارتياد المطاعم، فالطبخ المنزلي يوفر كثيرًا من المال.
7. إعادة النظر في تغيير أثاث المنزل باستمرار، والاعتماد على الصيانة والتجديد بدل الاستبدال.
8. التقليل من شراء الأجهزة الإلكترونية للأطفال (آيباد، هواتف، ألعاب)، لما لها من تكلفة عالية وتأثيرات سلبية.
9. إعادة تقييم التعليم الخاص عند توافر التعليم الحكومي الجيد.
10. تقليل الإنفاق على صالونات التجميل، والاعتماد على العناية المنزلية كبديل.
11. ترشيد فواتير الاتصالات باستخدام باقات مناسبة وتطبيقات الاتصال المجانية.
12. التقليل من المصاريف الترفيهية المكلفة، واستبدالها بالحدائق والأنشطة العائلية المجانية.
13. الحد من التبذير في الولائم والمناسبات، والاكتفاء بما يلبي الحاجة دون إسراف.
14. التفكير جيدًا قبل اقتناء الحيوانات الأليفة لما تتطلبه من تكاليف مستمرة.
15. الاستغناء عن السائق أو الخادمة في الأسر الصغيرة، وتعزيز الاعتماد على النفس داخل المنزل
16. التخطيط المسبق للمشتريات الشهرية وتجنب الشراء العشوائي.
17. تجنب العروض الوهمية وشراء ما لا تحتاجه فقط لأنه “مخفض”.
18. تقليل الاشتراكات الشهرية غير الضرورية (منصات، تطبيقات، خدمات).
19. ترشيد استهلاك الكهرباء والماء لدعم الخطط الوطنية في هذا المجال، فضلا عن ترشيد الاشتراكات الشهرية للجوال او التطبيقات لتقليل الفواتير.
20. تخصيص نسبة ثابتة للادخار شهريًا (حتى لو بسيطة).

 

أخبار متعلقة :