الدوحة - سيف الحموري - أكد الدكتور حارب محمد الجابري، الوكيل المساعد لشؤون التعليم العالي بوزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، أن معايير الابتعاث الجديدة شكلت نقلة نوعية في ملف الابتعاث، مشيرا إلى أن من أبرز التحولات التي تضمنتها هذه المعايير إدماج عناصر الموهبة والميول والقدرات الشخصية إلى جانب التحصيل الأكاديمي.
وأوضح الجابري، في حوار خاص مع وكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن دولة قطر تولي اهتماما كبيرا بقطاعات تعتمد بشكل أساسي على الموهبة، مثل الرياضة والفنون والاقتصاد الإبداعي والمتاحف، وهو ما استدعى تطوير معايير الابتعاث لتأخذ بعين الاعتبار إمكانات الطلبة وميولهم، بما يحقق التوازن بين التأهيل العلمي وتنمية المواهب.
وأشار إلى أن خطة الابتعاث التي تم إطلاقها في 2024 شهدت إجراء دراسة شاملة لواقع الابتعاث خلال السنوات السابقة، والذي كان يركز بصورة رئيسية على التحصيل الأكاديمي، ويقتصر على ثلاثة مسارات هي الهندسة، والعلوم الطبية والصحية، والتربية.
وأضاف أنه مع ما تشهده الدولة من نمو متسارع في مختلف القطاعات، برزت الحاجة إلى إعادة صياغة برنامج الابتعاث ليشمل مجالات أوسع تلبي احتياجات الدولة الحالية والمستقبلية، حيث تم استحداث مسارات جديدة ليصل عددها إلى ثمانية مسارات رئيسية، إضافة إلى مسار تاسع مخصص لذوي الإعاقة، بما يعكس شمولية البرنامج لكافة الفئات.
وحول آليات اكتشاف المواهب، أوضح أن هناك تنسيقا مباشرا مع الجهات ذات الاختصاص في كل مجال، فعلى سبيل المثال يتم التعاون في القطاع الرياضي مع اللجنة الأولمبية القطرية ووزارة الرياضة والشباب القطرية والاتحادات الرياضية، حيث تقوم هذه الجهات بترشيح الأسماء وفق معايير محددة. كما يتم التنسيق مع الجهات المختصة في مجالات الاقتصاد الإبداعي والفنون والمتاحف لاكتشاف المواهب وترشيحها، مؤكدا وجود منظومة متكاملة من اللجان والجهات الشريكة التي تعمل على اختيار المواهب بشكل دقيق ومدروس.
وفيما يتعلق بدور هذه المعايير في سد الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، قال الوكيل المساعد لشؤون التعليم العالي إن الوزارة تعمل على تنسيق مستمر ومباشر مع مختلف جهات الدولة في القطاعين الحكومي والخاص، حيث يتم سنويا استلام احتياجات هذه الجهات من التخصصات المختلفة، بما في ذلك التخصصات المعتمدة على المواهب، الأمر الذي يسهم في رفع كفاءة مخرجات الابتعاث وضمان توافقها مع متطلبات سوق العمل، بما يعزز فرص توظيف المبتعثين فور تخرجهم.
وأوضح أن تقييم المواهب يتم بالتنسيق الكامل مع الجهات ذات العلاقة في كل مسار من مسارات الابتعاث، حيث تتولى هذه الجهات تقييم المواهب وفق معايير تخصصية تضمن اختيار الكفاءات المناسبة. وأشار إلى أن أبرز التحديات التي واجهت تطبيق هذه المعايير تمثلت في تغيير الثقافة المجتمعية المرتبطة بمفهوم الابتعاث، حيث كان النمط السائد يربط الابتعاث بالتحصيل الأكاديمي فقط وبعدد محدود من التخصصات التقليدية مثل الطب والهندسة.
وأضاف أن هذا التصور لا يزال قائما لدى بعض فئات المجتمع، في حين أن الواقع يشهد اليوم تنوعا كبيرا في الفرص، لا سيما في مجالات ريادة الأعمال والرياضة الاحترافية والفنون وغيرها من المجالات التي يمكن أن تشكل مستقبلا واعدا للطلبة، مؤكدا أن الإمكانات متوفرة، بينما يكمن التحدي الحقيقي في نشر الوعي وتغيير هذه المفاهيم التقليدية.
وشدد على أن معايير اختيار الجامعات تستند إلى منظومة التعليم العالي في الدولة، والتي شهدت تطورا كبيرا خلال السنوات الماضية، حيث تضم حاليا نحو 27 مؤسسة تعليمية تشمل جامعات عالمية رائدة، سواء في المدينة التعليمية أو جامعة قطر أو جامعة الدوحة للعلوم والتكنولوجيا، إلى جانب الكليات المختلفة.
وأوضح أن فلسفة الابتعاث تقوم على تحقيق قيمة مضافة حقيقية، بحيث لا يكون الابتعاث إلى جامعات تقل في مستواها عن الجامعات المحلية، لافتا إلى أن الابتعاث يتركز في ثلاث حالات رئيسية تشمل الالتحاق بتخصصات غير متوفرة داخل الدولة، أو الدراسة في جامعات عالمية مرموقة ضمن أفضل 20 جامعة عالميا، إضافة إلى الالتحاق ببرامج نوعية بناء على طلب جهات محددة في الدولة، مثل بعض التخصصات المرتبطة بقطاعي الطيران والنقل. كما يتم اعتماد جامعات ضمن أفضل 200 جامعة عالميا بحسب التخصص، مع مراعاة التصنيفات العالمية لضمان جودة المخرجات التعليمية.
وأعرب الوكيل المساعد لشؤون التعليم العالي عن تفاؤله بمستقبل الابتعاث في دولة قطر خلال السنوات الخمس المقبلة، مشيرا إلى التطور الملحوظ الذي شهدته منظومة الابتعاث من حيث تنوع التخصصات والمسارات، والانتقال من ثلاثة مسارات فقط إلى منظومة متكاملة تشمل مختلف القطاعات، بما في ذلك مسار ذوي الإعاقة، مع مراعاة مختلف فئات الطلبة سواء من حيث التفوق الأكاديمي أو المواهب أو الطموحات.
وأضاف أن هناك تكاملا مع جهات الابتعاث الأخرى في الدولة، مثل الجهات العاملة في قطاعات الطاقة والطيران والدفاع، مؤكدا أن دولة قطر تمتلك اليوم منظومة ابتعاث متكاملة تعمل بتناغم مع مختلف قطاعات الدولة، وتسهم في إعداد كوادر وطنية قادرة على دعم مسيرة التنمية الشاملة.
وبشأن مدى تلبية التوسع في مؤسسات التعليم العالي لتطلعات الشباب القطري، أوضح أن الدولة توفر طيفا واسعا من الخيارات الأكاديمية التي تلبي مختلف الميول والقدرات، سواء في التخصصات الهندسية أو الطبية أو التطبيقية، أو في المجالات العسكرية والأمنية، إلى جانب العلوم الإنسانية والاجتماعية والاقتصاد الإبداعي، فضلا عن فرص الابتعاث الخارجي إلى أرقى الجامعات العالمية.
وفيما يخص التوسع المستقبلي في إنشاء مؤسسات تعليم عال جديدة، أكد الدكتور الجابري أن ذلك يخضع لمعايير دقيقة، من أبرزها أن تكون المؤسسة ضمن أفضل 300 جامعة على مستوى العالم، إضافة إلى مدى الحاجة الفعلية للتخصصات التي تطرحها، خاصة في القطاعات التي تتطلب تعزيزا، مثل القطاع الصحي.
وفي معرض حديثه عن تصنيف الجامعات، أوضح أن هناك فرقا بين التصنيفات العالمية الصادرة عن مؤسسات دولية معروفة، وبين أنظمة الجودة الوطنية، مؤكدا أنه لا يوجد تصنيف داخلي للجامعات، وإنما يتم تطبيق معايير جودة وكفاءة مؤسسية تبدأ من مرحلة الترخيص وحتى تخرج الدفعات الأولى، ثم تخضع المؤسسات لمتابعة أكاديمية وفق المعايير الوطنية المعتمدة.
واختتم الوكيل المساعد لشؤون التعليم العالي حواره مع وكالة الأنباء القطرية "قنا" بالتأكيد على أن التعليم العالي يمثل الأساس في إعداد كوادر وطنية مؤهلة وقادرة على تلبية متطلبات سوق العمل، سواء من حيث التخصصات أو المهارات، مشيرا إلى أن مؤسسات التعليم العالي تؤدي دورا بارزا في خدمة المجتمع عبر البحوث والدراسات التي تعالج التحديات المجتمعية وتسهم في إيجاد حلول مستدامة لها، وهو ما يعد جزءا أصيلا من مهام الجامعات وأعضاء هيئة التدريس.
أخبار متعلقة :